



كتبت نهاد طوباليان في “المسيرة” العدد ـ 1701
الياس سركيس (23/9/1976 – 22/9/1982)
رئيس من ذهب لدولة من خشب (1)
يُجمع كل من عاصر الرئيس الراحل الياس سركيس على أن عهده كان من أنظف العهود. فالرئيس سركيس الذي تولى رئاسة الجمهورية من 23 أيلول 1976 حتى 23 أيلول 1982، تسلّم رئاسة بلد هبت فيه رياح الحروب والإنقسامات العمودية بين أبناء الوطن الواحد، مروراً بإنقسام جيشه، عدا عن تسلمه بلداً على شفير الإنهيار على كافة المستويات، متسلحاً بنظافة كفه وإيمانه بالشعب كل الشعب الذي لطالما قال له «أنا منكم، أنا لكم، أنا معكم»، فسعى طيلة عهده إلى تطبيق مقولته هذه، مهدداً بالإستقالة، ورافضاً تمديد ولايته، والتمسك بأن يكون للبنان رئيس جديد.
الرئيس السادس للجمهورية منذ البداية أنه أمام مهمة شاقة لا بل مستحيلة، وأنه وحيد في قصر كان يتعرض لوابل قصف القنابل، وحصار سياسي وعسكري، لكنه أصر على أن يمخر بعهده بأقل قدر ممكن من الخسائر، لا سيما ما تعلق بالواقعين المالي والإقتصادي، لا سيما وأن عهده تقاطع على جولات قتال كثيرة بين ما كان يعرف بالشرقية والغربية، عدا عن جبهات مفتوحة بأكثر من منطقة لبنانية، وإجتياح إسرائيلي للبنان.
تسلّح الياس سركيس، إبن بلدة الشبانية والعائلة المتواضعة، وإبن مدرسة الرئيس الراحل فؤاد شهاب، بخبرته الوظيفية والمالية للحفاظ على مالية الدولة، منذ ما قبل توليه حاكمية مصرف لبنان من العام 1966 حتى تاريخ إنتخابه رئيساً للجمهورية، بما تمتع به من شفافية ونظافة كف يشهد له بها. فهو الذي حصّن سعر صرف الليرة اللبنانية بعدما بادر لشراء خمسة ملايين أونصة ذهب لحساب خزينة الدولة، الأمر الذي طبع عهده المهتز على وقع الحروب الداخلية وتأجج الصراع الأقليمي والدولي على أرض لبنان بالإستقرار النقدي، وتوفير الحد الأدنى من الخدمات، فلم يجع الشعب بعهده.
فالرئيس السادس للجمهورية اللبنانية الذي إنتخب في ترشحه الثاني بتاريخ 8 أيار من العام 1976 ب 66 صوتاً في الدورة الثانية من أصل 99، وتسلم صلاحياته الدستورية في 23 أيلول، هو الرئيس الذي إنتُخب تحت وابل قنابل القوات الفلسطينية والتقدمية التي وُجهت على مقر إقامته الموقتة في فندق الكارلتون، والذي وجه رسالته الأولى للبنانيين من أحدى غرفه وقال: «إنني مواطن من صفوف هذا الشعب، وشعوري الآن مزيج من الحزم والألم على ما أصاب لبنان. إخواني اللبنانيين، أنا منكم، أنا لكم، أنا معكم»، وليدعُ الجميع إلى وقف القتال حالاً، وإلى وفاق وطني ومباشرة تعمير البلاد.
تسلّم الرئيس سركيس من خلفه الرئيس سليمان فرنجية سلطة من دون وطن ومن دون جمهورية. فالحرب اللبنانية التي إندلعت في 13 نيسان من العام 1975، كانت قد شرعت أبواب الجمهورية للأقتتال على أرضه بين ميليشيات الأطراف اللبنانية والمجموعات الفلسطينية والجيوش الأجنبية التي إنخرطت في الحرب اللبنانية.
في خطاب قسمه في فندق بارك شتورا، أعلن أمام نواب الأمة «في هذه اللحظة، لا أملك شيئاً أقدمه للبنانيين سوى الإيمان بلبنان ينهض من الدمار بما أوتي من حيوية وطاقة»، مشدداً أن «الإيمان بلبنان الواحد الذي يعلو الولاء له كل ولاء، هو أقوى ما نتسلّح به في مواجهة أزمة لم يعرف وطننا مثيلاً لها وفي ضميرنا صوت الواجب للتغلب عليه».
منذ اللحظة الأولى لإنتخابه، وفق ما أورد كريم بقرادوني في كتابه «السلام المفقود: عهد الياس سركيس 1976- 1982»، «مد يده إلى الزعيم كمال جنبلاط، وخلق قاعدة ثقة مع حافظ الأسد، وزار القاهرة وفاوض ياسر عرفات، إنطلاقاً من وعيه في كل محاولاته التوفيقية، مدى ثقل سوريا في حينه في لبنان».
وفي هذا السياق، لخص الكاتب جوزف باسيل في مقالة له نشرت في صحيفة «النهار» بتاريخ 11 كانون الثاني 2013 عهد الرئيس سركيس بقوله: جاء به السوريون فصار خصمهم بسبب تمسكه بسيادة لبنان ورفضه وصايتهم التي بدأت مذذاك. وجاء بسليم الحص رئيساً للحكومة، لكنه خرج من الحكومة بعد أربع سنوات على غير وفاق مع الرئيس. حاول البحث عن حل سياسي فاصطدم بكمال جنبلاط وياسر عرفات الباحثين عن حل عسكري وبالقيادة السورية التي حرّكتها المطامع في لبنان. ثم جاء إغتيال السوريين لجنبلاط واغتيال الكتائب لطوني فرنجيه ليدقا المسامير في نعش هذا الحل.
ووفق الكاتب باسيل فإنه في عهد الرئيس سركيس «إنتهت حرب السنتين بدخول قوات الردع العربية، التي صارت سورية، ثم بدأت حروب اقليمية أوسع: حرب سورية ـ مصرية، حرب سورية ـ فلسطينية، حرب سورية ـ إسرائيلية، وحرب فلسطينية ـ إسرائيلية واجتياح أول عام 1978. حتى كان اجتياح إسرائيل لأول عاصمة عربية، هي بيروت عام 1982». وأشار إلى أنه «مع نهاية ولايته، حاول تشكيل قوى من الجيش فاصطدم بعراقيل وضعتها الميليشيات والفصائل الفلسطينية والقيادة السورية. وكان قدر لبنان ان يعود الى دائرة الإنفجارات التي تفاقمت عام 1978. وهكذا أيقن سركيس أن مسيرة الحكم تعثرت وأنه لن يستطيع ان يحكم كما حلم، وأنه يدير أزمة أكبر منه ومن لبنان، وأنه يتحول لاعباً محدداً دوره في قصر بعبدا، وأن قوات الردع السورية لا تأتمر بأمره، وأنه لا يستطيع ان يسكت عن قصف الجيش الموضوع بأمرته صورياً للسكان المدنيين في المناطق المسيحية. وكان هذا أحد أخطر الإفتراقات بينه وبين الرئيس السوري».
تسارع وتيرة الأحداث التي شهدها عهده، وتأزمها، لا سيما حين وجد نفسه محرجاً بين الطرفين المتقاتلين: الميليشيات المسيحية والجيش السوري، أوحى وفق ما أورده بقرادوني في كتابه «السلام المفقود»، «صباح 6 تموز 1978، أوحى الرئيس بأنه مستقيل. ألغى مواعيده، ولزم جناحه… وبقي مصراً على إستقالته التي كتب نصها ليل 8 تموزولكنه لم ينشرها، وكانت موجهة إلى رئيس مجلس النواب حسب الدستور اللبناني».
(يتبع)
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]