بشير الجميّل… الرئيس الرمز للجمهورية القوية

مجلة “المسيرة” العدد ـ 1701

بشير الجميّل (23/8/1982 – 14/9/1982)

الرئيس الرمز للجمهورية القوية

على رغم أنه لم يتمكن من أن يحكم، يبقى الرئيس بشير الجميل رمز الدولة القوية والجمهورية القوية. بعد 37 عامًا على اغتياله تبقى تجربته القصيرة الممتدة على مدى 21 يومًا بعد انتخابه رئيسًا للجمهورية هي المثال للحكم الرشيد والعادل. بعد 37 عامًا لا يزال الناس يريدون دولة على شكل الدولة التي كان سيقيمها بشير.

صحيح أنه أتى في مرحلة صعبة ولكنه أعطى الكثير من الأمل. كان المثال ويبقى المثل. من رحم معركة الدفاع عن لبنان الكيان والدولة والهوية أتى بشير الجميل. عندما انخرط مع شباب مثله في المقاومة اللبنانية في العام 1975 إعتقد كثيرون أنهم يقامرون ويغامرون في معركة غير متكافئة ولكنه في مسيرته القصيرة أثبت أن هذه الحفنة من الشباب كانت قادرة على قلب موازين القوى وصناعة النصر وإنقاذ الجمهورية من الإنحلال والضياع.

مرات كثيرة كان القتال يقترب من الإنتحار. ولكن القليل من الإيمان كان يكفي ليزيح الجبال. هكذا كانت المقاومة في حرب السنتين وفي كل الحروب التي حصلت بعدها. من حرب المئة يوم إلى حرب زحلة كان هناك من يعتبر أن بشير الجميل ورفاقه في «القوات اللبنانية» سيخسرون وينهزمون ولكن رهانهم دائمًا كان أنهم سينتصرون.

في 23 آب 1982 إنقلب الحلم إلى حقيقة. بشير الجميل صار رئيسًا منتخبًا للجمهورية. صيته كان يسبقه. على رغم أن لبنان كان لا يزال يرزح تحت نير الحرب والإجتياح الإسرائيلي، ولكنه أيضا كان يشهد خروج مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية وجيش الإحتلال السوري من بيروت لكي تدخل من الباب العريض أحلام إستعادة السيادة الكاملة. سيادة كان يلزمها إنسحاب الجيش الإسرائيلي الأمر الذي لم يكن إلا أحد مرتكزات الدولة التي يريدها بشير الجميل الذي لم يتوان عن الإعلان أنه لا يقبل بأن يتم إستبدال إحتلال باحتلال آخر ووصاية بوصاية أخرى.

منذ اللحظات الأولى لانتخابه عاد النظام إلى المؤسسات. كان يكفي أن يُقال إن بشير الجميل لن يهادن ولن يسمح بالسطو على الدولة وبأنه سيحاسب وسيكون الرئيس القوي والعادل حتى تستقيم الإدارة. فجأة بات الموظفون يأتون إلى أعمالهم لأنهم اعتبروا أن إعادة بناء الدولة على أسس العدالة والنظام قد بدأت.

في 21 يومًا رسم بشير الجميل حدود الحلم. حتى الذين كانوا ضده مد لهم يده. لم يقل أنه سيصنع دولة لـ»القوات اللبنانية» أو أن «القوات» هي التي ستحكم. إعتبر أنه سيصنع دولة على صورة «القوات» وأن «القوات» لن تكون إلا من ضمن هذه الدولة. لم يصنع إنقلابًا ولكنه صنع ثورة وأعطى الأمل للذين لم تكن لديهم ذرة من الأمل وكانوا غارقين في اليأس. كان بشير الجميل يحمل مشروع الخروج الحقيقي من الحرب واستعادة السيادة على مساحة ال10452 كلم مربع. لم يكن في وارد عزل أحد أو إبعاد أحد، بل ترك الباب مفتوحًا أمام التعاون مع الجميع ومشاركة الجميع ولكن على قاعدة أن الولاء لا بد أن يكون للبنان وأن لا بد من دولة قوية قادرة على أن تكون سيدة ومستقرة في منطقة متفجرة. أراد أن يعيد الوصل بين المناطق والأطراف المتقاتلة على أساس أن الحرب كانت تجربة قاسية وصارت وراءنا وأننا يجب أن نتجاوز المحنة لكي نأخذ العبر ونلغي الخصومات.

أهم ما فعله بشير الجميل أنه أعطى صورة عن الرئيس الذي يريده اللبنانيون. الرئيس الذي يعرف قيمة التضحيات والذي يحترم شهداء كل الذين قاتلوا في الحرب للملمة الجراح لأنه كان يدرك أن الدولة التي يريدها ليست دولته بل الدولة التي تتسع للجميع ويكون فيها القانون سيد الجميع.

أهم ما فعله بشير الجميل أنه أعطى الإهتمام الأول للإدارة الرسمية. كان يدرك أن من يشغلون المواقع الأساسية لا تنقصهم الرغبة في العمل الصحيح بل الغطاء الذي يحميهم ويبعدهم عن التدخلات. هكذا أفهمهم خلال لقاءاته معهم أنه سيكون هذا الغطاء وهكذا عرضوا له ما يحتاجونه لبنان الدولة واستعادة السلطة الرسمية على المؤسسات التي يجب أن تكون على قياس وطن لا على قياس أشخاص. هكذا فجأة ولد الحلم الذي لا يزال يراود اللبنانيين في بحثهم عن الدولة الضائعة.

لم يأخذ بشير بنصائح الإحتياطات الأمنية. وكان يسابق الزمن لتحقيق الحلم. ولكن كان هناك من يريد إغتيال هذا الحلم. في 14 أيلول 1982  لم يتم إغتيال بشير الجميل وحده بل الأمل بقيام الدولة التي أرادها. كأن قدره كان أن يكون شهيدًا كما الآلاف من رفاقه الذين سبقوه وهو الذي نجا من الإغتيال والموت أكثر من مرة. هذا الإغتيال الذي أرادوه نهاية لبشير كان على العكس تأسيسًا لتلك الحكاية التي جعلت منه بطلاً على مر الأجيال ورئيسًا رمزًا للجمهورية القوية التي لا بد أن تكون.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل