.jpg)
.jpg)

مجلة “المسيرة” العدد ـ 1701
رينيه معوض (5/11/1989 – 22/11/1989)
الرئيس الطائف بين الطائف والإغتيال
في أيار 1989 وفي عز حرب التحرير التي أعلنها رئيس الحكومة العسكرية العماد ميشال عون، إقترح رئيس مجلس النواب حسين الحسيني على البطريرك مار نصرالله بطرس صفير أن يتم إنتخاب النائب رينيه معوض رئيسًا للجمهورية في جلسة يدعو إليها وتُعقد في مقر البطريركية المارونية في الديمان. على رغم جدية الإقتراح واحتمال نجاحه لم ينل موافقة البطريرك ومعوض. كانت الرئاسة ضائعة تبحث عمن يعيد إليها مركزها. فشلت المحاولة ولكن قدر معوض معها كان ينتظره في موعد آخر.
على رغم أنه كان يطلب عدم إدراج إسمه في أي لائحة أسماء مقترحة للرئاسة لوضعها موضع المناقشة مع النظام السوري، فإنه كان يدرك أنه عندما تأتي الساعة فإن إسمه وحده سيكون الرابح في هذا السباق المؤجل منذ 22 أيلول 1988.
عندما ذهب النواب اللبنانيون إلى الطائف في المملكة العربية السعودية كان هناك أمران مطروحان للموافقة: الإتفاق على التعديلات التي يجب أن يتم إدخالها على الدستور كمقدمة للخروج من الحرب، والإتفاق على أن يكون رينيه معوض رئيس الجمهورية الجديد. يوم الأحد 5 تشرين الثاني 1989 كان الموعد على رغم القرار الذي اتخذه العماد عون بحل المجلس النيابي والذي اعتبر كأنه لم يكن. تم إعداد مطار القليعات في الشمال لاستقبال النواب الآتين على متن الطائرات. قبل الهبوط كان النائب إدمون رزق يضع اللمسات الأخيرة على خطاب القسم الذي سيلقيه الرئيس الجديد.
من مطار القليعات إنتقل الرئيس المنتخب إلى دارته في إهدن. لم يكن هناك من مراسم للتسلم والتسليم. على عكس الرؤساء الذين ينتخبون قبل إنتهاء ولاية سلفهم، بات الرئيس الجديد متسلمًا مهماته الدستورية فورًا. كأنه كان الرئيس الذي سيكون على عاتقه تطبيق إتفاق الطائف بروحيته الأصلية القائمة على إستعادة الدولة والجمهورية. من البداية كان يراهن على حل مشكلة بقاء العماد عون في قصر بعبدا عبر الحوار رافضًا إستخدام القوة سبيلاً لذلك، ومدركاً خطر هذا الخيار عليه. كان من المفترض أن ينحني عون أمام التغيير الحاصل وأن يتنازل للرئيس الجديد ولكنه لم يفعل. بقيت الرئاسة بعيدة عن مقرها في قصر بعبدا وبقي الرئيس تحت الخطر.
في إهدن كانت له لقاءات كثيرة أهمها مع الرئيس سليمان فرنجية والبطريرك ما نصرالله بطرس صفير الذي كان أُجبر على الإنتقال من بكركي إلى الديمان بعد تعرضه للإعتداء في بكركي من متظاهرين مؤيدين للعماد عون. ولكن اللقاء الأهم المحوري كان مع وفد سوري ترأسه نائب الرئيس حافظ السد عبد الحليم خدام وضم اللواء غازي كنعان رئيس جهاز الأمن والإستطلاع. بشيء من الفتور استقبل جمهور الرئيس الجديد الوفد السوري. وفي الواقع لم تكن أجواء الإجتماع مختلفة. طلب خدام وضع حد بسرعة لظاهرة العماد عون. رد معوض بأنه لا يرى نفسه في هذا الوقت بحاجة لاستخدام القوة وأنه سيشكل حكومة اتحاد وطني وسيعتمد جميع الوسائل السياسية الممكنة في سبيل الحوار والمصالحة. وعند مناقشة موضوع تشكيل الحكومة الجديدة كان الرئيس حازما في موقفه. أكد لخدام أن جميع الوزراء سيكونون من المعادين لإسرائيل ولن يكون في الحكومة إي وزير معاد لسورياوأنه سيختارهم بالتعاون مع رئيس الحكومة. كان معوض يريد أن لا تتدخل سوريا في تفاصيل الوضع الداخلي مقابل أن يتم التنسيق معها في مجال السياسة الخارجية. ولكن هذا الأمر لم يكن مقبولا في سوريا.
بعد إنتخاب معوض سرت معلومات تقول إنه من المحتمل أن يتم إقناع النظام السوري بالإنسحاب من البترون والكورة من أجل إعطاء زخم للعهد الجديد ومنحه ورقة تفاوض قوية مع العماد عون، ولكن هذا الأمر لم يحصل. كان العهد يواجه عقدتين: عقدة العلاقة مع النظام السوري وعقدة العماد عون.
في 8 تشرين الثاني إنتقل الرئيس الجديد إلى مقره الموقت في منطقة البوريفاج في بيروت حيث قدم له السيد رفيق الحريري مبنى يملكه ليكون مقرًا رئاسيًا موقتا. كان المقر يقع قرب أوتيل البوريفاج الذي تشغله المخابرات السورية في بيروت. وكان أمن المقر متداخلاً مع أمن المخابرات السورية، وكانت الترتيبات الأمنية ضعيفة نسبيا ولا يوجد جهاز أمن خاص ولا حرس جمهوري خاص، وهذا ما عرّض أمن الرئيس لخطر دائم إلى الحد الذي لم يكن ممكناً له أن يرفض إنضمام مجموعات من المخابرات السورية لمواكبته في تنقلاته وكأن هذا الأمر كان مفروضًا فرضًا عليه.
يوم الإثنين 13 تشرين الثاني أطلع الرئيس الجديد رئيس مجلس النواب حسين الحسيني على نتائج الإستشارات النيابية التي أجراها ونتج عنها تسمية الرئيس سليم الحص لتأليف الحكومة. كان يعتقد أنه يستطيع التفاهم مع الحص وأن يكون إلى جانبه مع حكومة جديدة متوازنة تعبّر عن نتائج إتفاق الطائف. كانت التجربة جديدة وكان معوض كأنه يمشي في حقل من الألغام. إختار أن تكون الإستشارات في السراي الصغير في الصنائع متخطيًا الأخطار الأمنية المترتبة على عملية إنتقاله اليومية بين مقره الرئاسي ومقر الصنائع. صحيح أن المقر الرئاسي كان تم تحصينه بما تيسر من سواتر واحتياطات أمنية ولكن الحذر ما كان ليلغي القدر.
في 22 تشرين الثاني أصر الرئيس معوض أن يتلقى التهانئ بذكرى الإستقلال. لم يأخذ في الإعتبار أن الأخطار الأمنية تتهدده. إعتبر أنه لا يمكن أن يبقى أسير مكتبه الرئاسي وأن عليه أن يتصرف كرئيس وكما تفترضه المسؤولية. هناك على الطريق بين الصنائع والبوريفاج كتبت نهايته المأساوية بانفجار سيارة مفخخة في 22 تشرين الثاني ليكون شهيد الإستقلال وشهيد الطائف. كأن إغتياله كان إغتيالاً للطائف الحقيقي، ليبدأ بعده التحضير للإنقلاب عليه والدخول في عهد الوصاية السورية على لبنان. بعد ثلاثين عامًا على إغتياله لا يزال ملفه فارغاً ولا يزال التحقيق مقيّدًا ضد مجهول.