أمين الجميل اقدام وتردد وتراجع وحروب وفراغ (2)

 

 

كتبت لوسي خوري في مجلة المسيرة العدد 1701:

أمين الجميل (23/9/1982 – 22/9/1988)

اقدام وتردد وتراجع وحروب وفراغ (2)

إنتُخب النائب أمين الجميل رئيسًا للجمهورية في فترة الإحتلال الإسرائيلي للبنان عام 1982 بعد إغتيال أخيه الرئيس المُنتخب الشيخ بشير الجميل. أراد أن يكون عهده عهد الإنقاذ، ولكنه كان عهدًا حافلاً بالنزاعات والأزمات والتحوّلات السياسية والحروب والانتفاضات بعد إلغاء إتفاق 17 أيار مع إسرائيل، واضطراره الى زيارة دمشق في شباط 1984. بعد الحرب في الجبل والضاحية الجنوبية وبيروت ومؤتمري جنيف ولوزان وانتفاضة 12 آذار 1985 وإسقاط «الإتفاق الثلاثي» في 15 كانون الثاني 1986، وبعد حروب المخيمات بين حركة «أمل» والمنظمات الفلسطينية، وبعد حرب «أمل» والاشتراكي وعودة الجيش السوري الى بيروت في شباط 1987، وبعد حرب «أمل» و»حزب الله ومسلسل خطف الرهائن الأجانب والطائرات، سلّم الرئيس الجميل السلطة في 22 أيلول 1988 الى حكومة العماد ميشال عون العسكرية، ليبدأ بعده عهد الحكومتين حكومة عون وحكومة الرئيس سليم الحص.

في 23 تشرين الأول 1983، فجّر إنتحاريتان مقر قيادة المارينز الأميركية، ومبنى فرقة المظليين الفرنسيين، ما أسفر عن سقوط مئات القتلى والجرحى. هنا اتضح أمام الرئيس الجميل أنه لا مناص له من بدء مسيرة الحوار التي دعت إليها السعودية، فاتصل بالرئيس حافظ الأسد وبالملك فهد بن عبد العزيز موجهاً إليهما الدعوة لحضور مؤتمر الحوار الوطني في جنيف الذي تقرر عقد أول إجتماعاته في 31 تشرين الأول 1983 بمشاركة: الرئيس أمين الجميل، كميل شمعون، سليمان فرنجية، عادل عسيران، صائب سلام، رشيد كرامي، بيار الجميل، وليد جنبلاط، نبيه بري، وبمراقبة وفد سعودي برئاسة وزير الدولة السعودي محمد إبراهيم مسعود، وقوامه السفير السعودي في بيروت الشيخ أحمد الكحيمي، ورفيق الحريري، ووفد سوري قوامه نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية السورية آنذاك عبد الحليم خدام. وتركز البحث على إلغاء إتفاق 17 أيار كشرط لإنجاح الحوار اللبناني – اللبناني. فرد الرئيس الجميل أن لا بديل للإتفاق بالنسبة إلى لبنان في ظل الظروف الإقليمية والدولية السائدة. وبعد ثلاثة أيام، أنهى المؤتمر أعماله بالإتفاق على هوية لبنان العربية، وبفشل الإتفاق على إلغاء إتفاق 17 أيار، ودعا البيان الختامي رئيس الجمهورية إلى الإستمرار في السعي لإنهاء الإحتلال الإسرائيلي. وتقرر عقد الحلقة الثانية من الحوار في 14 تشرين الثاني، لكن الحلقة الثانية من الحوار لم تًعقد، ثم كانت حرب الضاحية وانتفاضة 6 شباط التي أخلى الجيش اللبناني على أثرها مواقعه في بيروت الغربية. وفي 14 شباط حصل إنسحاب الجيش من الشحار الغربي في عاليه. وعلى الأثر أعلن الرئيس الأميركي رونالد ريغان سحب وحدات المارينز وانسحبت وراءها الوحدات المتعددة الجنسية.

في 5 آذار 1984، عقد مجلس الوزراء اللبناني جلسة تقرر فيها إلغاء إتفاق 17 ايار واعتباره باطلاً وكأنه لم يكن مع ما ترتب عليه من آثار، كما تقرر إبلاغ قرار الإلغاء إلى كل الأطراف الموقّعة عليه. وبهذا الإلغاء أصبح الطريق مفتوحاً أمام الجولة الجديدة من مؤتمر الحوار الوطني الذي عقد في 12 آذار 1984، حيث ركز فيه المؤتمرون على وقف إطلاق نار فعلي وثابت، وتأليف حكومة إتحاد وطني. وبعد بحث دام أسبوعاً لم يستطع المؤتمرون أن يتوصلوا إلى صيغة للإصلاح السياسي، فتقرر تشكيل لجنة أمنية عليا برئاسة رئيس الجمهورية أنيط بها تنفيذ خطة أمنية لإقامة بيروت الكبرى، وتشكيل هيئة تأسيسية لوضع مشروع دستور جديد للبلاد.

وفي منتصف نيسان، إتُفق على تشكيل حكومة وحدة وطنية بعد زيارة قام بها الرئيس الجميل إلى دمشق، فتشكلت هذه الحكومة برئاسة رشيد كرامي وعضوية كميل شمعون وعادل عسيران وسليم الحص ونبيه بري ووليد جنبلاط وبيار الجميل وجوزف سكاف وعبدالله الراسي وفيكتور قصير. تعثرت إنطلاقة الحكومة في البدء، مما اضطر الرئيسين الجميل وكرامي إلى الإستعانة بسوريا التي وافقت على أن تقوم بدور المرجعية، فمالت الأمور نحو الحلحلة، وتقرر في 23 حزيران 1984 تعيين قائد جديد للجيش هو الجنرال ميشال عون بدلاً من العماد إبراهيم طنوس، كما تقرر فتح مطار بيروت الدولي بعد توقف دام 160 يوماً.

«الإتفاق الثلاثي»…

هدأت الجبهات العسكرية وارتسمت خطوط التماس حول المناطق الشرقية. ولكن المعارك إنتقلت الى محاور أخرى داخلية.

في 29 آب 1984، توفي رئيس حزب الكتائب الشيخ بيار الجميل، وعُيِّن الدكتور إيلي كرامه محله. وأصبح فؤاد أبو ناضر قائدًا لـ»القوات اللبنانية»، بينما كانت تجري في بكفيا مفاوضات مع وزير الخارجية السوري عبد الحليم خدام. هذا الإتجاه أدى الى خلاف في المنطقة الشرقية والى إنتفاضة 12 آذار التي أكدت إستقلالية «القوات اللبنانية» بقرارها وتشكيل هيئة تنفيذية قيادية كان على واجهتها د. سمير جعجع وإيلي حبيقة وكريم بقرادوني.

في 28 نيسان 1985 حصل الإنسحاب الإسرائيلي من شرق صيدا وتم تهجير إقليم الخروب وقرى شرق صيدا، بينما بقيت جزين ضمن الشريط الحدودي. حصل ذلك بعدما كان «حزب الله» أعلن عن ولادته رسميًا في شباط ليُصبح لاعبًا جديدًا على الساحة العسكرية. تداعيات هذه المرحلة أدت الى إنقلاب إيلي حبيقية داخل الهيئة التنفيذية في 9 أيار 1985 ليُصبح رئيسًا لها ويفتح خط إتصال مع النظام السوري، ممهدًا لما سُمّي «الإتفاق الثلاثي» مع حركة «أمل» والحزب التقدمي الاشتراكي. هذا الأمر أدى الى التنسيق بين الرئيس أمين الجميل والدكتور سمير جعجع المعارضين للإتفاق الذي تم توقيعه في 28 كانون الأول 1985.

في 13 كانون الثاني 1986، حاول إيلي حبيقة بالقوى التابعة له السيطرة على منطقة المتن الشمالي، بينما كان الرئيس أمين الجميل في دمشق. فشل هذه العملية الأمنية ساعد في إنجاح إنتفاضة 15 كانون الثاني التي أسقطت الإتفاق عسكريًا في المناطق الشرقية وأبعدت إيلي حبيقة من لبنان، بعد تدخل قائد الجيش العماد ميشال عون لإخراجه مع مرافقيه من مقره المحاصر في مبنى جهاز الأمن في الكرنتينا. بعد هذه العملية، صار الدكتور سمير جعجع رئيسًا للهيئة التنفيذية في «القوات اللبنانية» وهدأت المناطق الشرقية، لتبدأ الإنتكاسات والحروب في المناطق الغربية.

الحروب المتنقلة

في تشرين الثاني 1985، كانت حصلت المواجهات الأولى بين حركة «أمل» والحزب التقدمي الاشتراكي، وقد سُمّيت حرب العلمين. هذه الحرب أعقبتها حرب المخيمات بين حركة «أمل» والفلسطينيين. بدأت هذه الحرب حول مخيمات صبرا وشاتيلا وبرج البراجنة، ثم امتدت الى مخيمات عين الحلوة في صيدا والرشيدية في صور.

في 15 شباط 1987، إشتعلت الحرب الثانية بين حركة «أمل» من جهة، والحزب التقدمي الاشتراكي والحزب الشيوعي في بيروت الغربية. بعد توجّه قيادات إسلامية سنيّة الى دمشق ولقاء رئيس النظام حافظ الأسد، عاد الجيش السوري الى بيروت الغربية في 27 شباط 1987. هذه العودة كانت ظاهريًا لوقف الإشتباكات بينما كانت تخفي سياسيًا الإمساك بورقة الانتخابات الرئاسية في أيلول 1988. وإن كان هذا الدخول أوقف أيضًا الحرب حول المخيمات في صبرا وشاتيلا وبرج البراجنة، إلا أن هذه الحرب إستمرت في عين الحلوة، حيث استطاع المسلحون الفلسطينيون التمدد خارج المخيم واحتلال بلدة مغدوشة والتوسّع نحو إقليم التفاح، واستمرت أيضًا حول مخيم الرشيدية.

منذ العام 1985 بدأت ظاهرة خطف الأجانب في بيروت. هذا الأمر أدى الى إنتقال عدد من السفارات الى المناطق الشرقية التي كانت تتمتع بالهدوء والإستقرار الأمني. وقوف «حزب الله» على الحياد في حرب المخيمات مكّنه من لعب دور قوات الفصل بين الحركة والمسلحين الفلسطينيين في إقليم التفاح، وهذا ما أدى لاحقاً الى توتر بينه وبين حركة «أمل» وتُرجم إشتباكات بينهما بدأت في الجنوب وانتقلت الى الضاحية الجنوبية، تمكن بعدها الحزب من حسم الوضع العسكري. وقد إستمرت المعارك حتى تم التوصل الى «تفاهم دمشق» برعاية كل من النظامين الإيراني والسوري، هذا التفاهم كرّس الدور العسكري للحزب على حساب حركة «أمل».

في جانب آخر من هذه الحروب، كانت طرابلس ساحة مفتوحة لها. بعدما تمكن النظام السوري من شق حركة «فتح» والسيطرة على مواقعها في البقاع، عاد ياسر عرفات الى عاصمة الشمال في العام 1983، الأمر الذي أدى الى شن النظام السوري الحرب عليه، فسيطر على مخيمي البارد والبداوي وحوصر عرفات في طرابلس، الأمر الذي أدى الى خروجه منها عبر البحر تاركا المدينة تحت سيطرة حركة «التوحيد الإسلامي» بقيادة الشيخ سعيد شعبان. ولكن هذه السيطرة إنتهت أيضًا بعملية عسكرية كانت الأحزاب اليسارية واجهة لها في العام 1986.

النظام السوري يقاطع الجميل

كان الإنقلاب على «الإتفاق الثلاثي» أدى عمليا الى مقاطعة النظام السوري للرئيس أمين الجميل، الأمر الذي أدى الى إنقسام الحكومة وعدم عقد أي إجتماع لها. هذا الأمر إنعكس شللاً في إدارة الدولة وتم حله من خلال إعتماد المراسيم الجوالة المتنقلة بين بيروت الشرقية وبيروت الغربية.

في 23 أيلول 1986، إستفاقت المناطق الشرقية على إختراق مجموعات تابعة لإيلي حبيقة والنظام السوري خطوط التماس في الأشرفية. هذا الإختراق نتج عنه توجّه رئيس الجمهورية الى مقر قيادة الجيش في اليرزة لإعطاء التعليمات بتحرك الجيش للتصدي للخرق، بينما كانت «القوات اللبنانية» تولّت منذ بدء الإختراق عملية التصدي له. وقد ترك هذا الأمر علامات إستفهام حول الدور الذي يقوم به قائد الجيش العماد ميشال عون، الذي كان بدأ التحضير العملي ليكون مرشحًا جديًا لرئاسة الجمهورية، محاولاً وضع الجيش في خدمة هذا المشروع، الأمر الذي ترجم توترًا على الأرض في أكثر من حادث مع عناصر من «القوات اللبنانية».

بعد إغتيال الرئيس رشيد كرامي في أول حزيران 1987، كان من المفترض دستوريا إعتبار الحكومة باتت مستقيلة. ولكن بطريقة غير دستورية تم تعويم الحكومة وتسمية الدكتور سليم الحص رئيسًا لها، ولكن من دون أن تعود الى الإجتماع مع إستمرار مقاطعة الرئيس أمين الجميل.

لبنان في نفق مظلم

في ظل هذا الوضع، إقترب إستحقاق إنتخاب رئيس جديد للجمهورية. تمسك النظام السوري بترشيح الرئيس سليمان فرنجية وتم تحديد جلسة انتخابه في 17 آب 1988، ولكن بعد إعتراض قائد الجيش العماد ميشال عون و»القوات اللبنانية» لم يتأمّن النصاب المطلوب. باتت الجمهورية مهددة بالفراغ الرئاسي للمرة الأولى في تاريخها. في ظل هذه الأجواء، وصل الى لبنان الموفد الأميركي ريتشار مورفي وبدأ جولة مفاوضات مع النظام السوري الذي تخلى عن ترشيح فرنجية ليتمسك بمرشح وحيد هو النائب مخايل الضاهر. هذا الخيار كان محط رفض مسيحي عام من بكركي الى قيادة الجيش الى قيادة «القوات اللبنانية».

في مسعى أخير، توجه الرئيس أمين الجميل الى دمشق للقاء الرئيس السوري حافظ الأسد، ولكن اللقاء فشل في الوصول الى حل بعد لقاء العماد ميشال عون والدكتور سمير جعجع في وزارة الدفاع. أُقفلت كل الطرق أمام انتخاب رئيس جديد للجمهورية. كانت هذه قمة الأزمات التي واجهها عهد الرئيس أمين الجميل. كان الحل المُتاح ينحصر بأن يشكل حكومة إنتقالية. في الليلة الأخيرة من ولايته سقطت كل المحاولات، فذهب الى خيار الحكومة العسكرية برئاسة العماد ميشال عون وعضوية أعضاء المجلس العسكري.

قبل ربع ساعة من إنتهاء ولايته، صدرت هذه المراسيم وغادر الجميل القصر الجمهوري في بعبدا، لتبدأ مرحلة كانت من أخطر المراحل التي مرت على لبنان. عبر الإذاعات تم الإعلان عن إستقالة الوزراء المسلمين الثلاثة أعضاء المجلس العسكري والحكومة العسكرية. من وزارة الدفاع إنتقل العماد عون الى القصر الجمهوري في بعبدا ليتسلم السلطة مع الوزيرين إدغار معلوف وعصام أبو جمرة. كان يجب أن تكون مهمة هذه الحكومة تأمين انتخاب رئيس جديد للجمهورية كما حصل عندما تم تكليف اللواء فؤاد شهاب رئاسة الحكومة الإنتقالية بعد إستقالة الرئيس بشارة الخوري. تلك الحكومة أمّنت إنتخاب الرئيس كميل شمعون خلال ثلاثة أيام. مع العماد عون كان الأمر مختلفاً، وكان مقدّرًا أن يدخل لبنان في نفق مظلم.

انتهى

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل