نطرتك بالساحة جبران

لا اعرف ما كان ليقول لو كان بيننا. المشكلة أني في كل ساحة اكاد اتوقع أن يصعد الى منبره ويتلو قسمه اياه. منذ نحو الشهر انتظرته في ساحة الشهداء وكانت الجموع تفوق المليون ثائر. قلت قليل ويطل جبران، فلأنتظر. تجوّلت، سمعت الاغاني الثورية، الخطابات، صراخ الثوار، سمعت الكثير من الهتافات مما اعجبني، القليل مما لم يعجبني، هذه ساحة مليونية وفيها الكثير من الكثير من الافكار، قلت سيأتي من يلقي الكلمة الجامعة لكل ذاك الموج البشري الطائف بالحق.

صار المساء، انفلش الغروب فوق الساحة، لم يأتِ. طيب سأذهب انا اليه، هون فشخة. قصدت مبنى النهار. “عند مين طالعة مدام؟”. صمتت قليلا، تنبّهت لحروف كادت تفر مني “استاذ … نبيل بو منصف”… دخلت المبنى، الديك لا يزال معربشا على الكراسي، تماما كما هو شاء ان يكون ذاك المجسّم الجميل المعبّر جدا. كنت اريد ان ادخل مكتبه واستحيت ان افعلها. نظرت الى آخر الرواق، هناك الى اليمين يستقر مكانه كما هو. قبل كم سنة ذهبت وصوّرت كرسيه الذي يلبس علمه. بيرق ثورة 14 آذار ما غيرها. تلك الثورة المجنونة الرائعة التي اقترفناها قبل نحو 15 سنة.

رمقت بالنظرات المريبة الرواق من جديد، “شو انا هبلا مش رح يطل اكيد” واستويت في مكاني أحكي واحكي عن الثورة، وابنته الزميلة نايلة تويني تسألني كمن يريد ان يعرف اكثر ما يجري في الساحة، كمن يخشى ان يكون طلّ جبران بغيابها. هكذا شعرت وأنا أخشى ان اوحي بكلامي بما كان يدور في مشاعري العائمة المفضوحة على وجهي، وكادت الكلمات تغلبني “حسيت رح يطل جبران بعد شوي ويقول قسمو الشهير”، وتنبّهت وابتلعت كل ذاك الهذيان كي لا اجرح مشاعر الصبية التي نالت ما نالته من ألم الفراق.

تركت مبنى النهار وانا اراه يحوم كالفراشة فوق المكان. يا الله متى يرحل هذا الرجل؟ صاروا اربعة عشرة عاما منذ دوي تلك اللحظة المجنونة بموتها، كيف له ان يبقى بهذا الشكل؟!

تركت المكان وانا أساسا ما عدت احب ان ازوره كثيرا وافعلها نادرا كي لا ازعل اكثر، وعدت الى الساحة، وكان الليل صار نهارا من شعاع الثورة واهازيج الثوار. عند اقدام نصب الشهداء تجمهر عشرات الصبايا والشبان، افترشوا الارض، عربشوا على التمثال ورفعوا الاعلام، فبدا كأنه شجرة وارفة الاغصان، اعلام من كل الاتجاهات تتدلى، وعند اقدام النصب تجمهر ثوار.

فجأة، وهيك من دون انذار، دوى صوته “نقسم بالله العظيم، مسلمين ومسيحيين…”! وينو؟ صرخت في وجه صبية! مين مدام؟ ما حدن ما حدن بس بليز مين عم يغني هيدا القسم؟ “ما بعرف شو اسم الباند الليلة”، كانت الـband تضع عبر مكبرات الصوت اغاني ثورية ضمن ميكساج ويعبر القَسَم من خلالها من وقت لآخر.

جلست الى زاويتي البعيدة عند حافة الساحة، حيث تقاطع ساحة الشهداء ورياض الصلح، اراقب المشهد. والله ناقص، او هكذا اردت ان اقنع نفسي. ان اقنع الاخرين من حولي واي آخرين. اعرفهم جميعا ولا اعرف احدا منهم، وهم كذلك. منهم من عايش ثورة الارز، ومن كان ذاك الـ14 آذار 2005 حاضرا في الساحة يسكر من طلة جبران وثورة جبران وقسم جبران، ومنهم من تعرّف اليه لاحقا بعدما اصبح “الشهيد جبران”…

لا اعرف ما اذا كانت اثمرت تلك الشهادة المروعة بإجرامها، لا اعرف، وان كنت احيانا اتحوّل الى فريسة لغضب كافر شامل فأقول يا ضيعان شهدا المقاومة اللبنانية وشهدا 14 آذار في بحر الجحود ذاك. لكن لا، هذا كلام لا يعجب شهيدا ثائرا بالأساس كجبران تويني.

كان صار ليل موغل، تركت الساحة وانا انظر الى الخلف لأقنع نفسي بأمل ما. وانا امشي في ليلي الى بيتي صرخ في وطن يثور “نقسم بالله العظيم… ان نبقى موحدين…” فتأكدت ان جبران لم يمت بعد، وها هو معنا في ساحات الثورة يمد اليد والحبر والصوت… دفاعا عن لبنان العظيم، وانا صدّقت انو بعدو هون ما فلّ ولو كان فلّ…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل