#adsense

الياس الهراوي وصاية وتجنيس واعتقال جعجع واستعادة قصر بعبدا -2

حجم الخط

 

كتب انطوان مراد في “المسيرة” – العدد 1701:

الياس الهراوي (24/11/1989 – 23/11/1998)

وصاية وتجنيس واعتقال جعجع واستعادة قصر بعبدا (2)

بعيد نهاية الحرب، رأيت كمدير للأخبار في إذاعة لبنان الحر، وتعزيزًا لانفتاح الإذاعة على «بيروت الغربية»، أن أجول مع زملاء على عدد من كبار المسؤولين فيها، على غرار رئيس الحكومة الدكتور سليم الحص الذي كان يتخذ من قصر الصنائع مقرًا له، وكانت مكاتب وزارة الخارجية التابعة لحكومته في جناح من القصر أيضا.

دخلت إلى مكتب رئيس الحكومة، وكان لديه نائب قريب منه وشخصيتان بيروتيتان وبعض معاونيه. كان متجهم الوجه وعلى شيء من الإنزعاج والإرتباك. سألته ما القصة؟ فقال: فخامتو بعدو عم يتصرّف للأسف وكأنو لا طائف ولا من يحزنون، علما أن الطائف حدّد صلاحيات كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة بوضوح.

وكان الرئيس الهراوي في حينه على خلاف مستحكم مع الرئيس الحص حول بعض الملفات، وحول إدارة السلطة التنفيذية، فضاق ذرعًا وعلى طريقته برئيس الحكومة الذي كان حريصًا على الدقة والحذر في أدائه وكان يختلف جدًا عن الرئيس الهراوي الأقرب إلى التلقائية والإنفعال. قلت للرئيس الحص: أليس من حل أم أن الأمور وصلت إلى حائط مسدود؟

أجاب: بدك تسألو، ها هو قصد الشام هذا الصباح ولم يبلغني بذلك، حتى يشكوني لدى الرئيس حافظ الأسد، وأعتقد أن المسألة بلغت نقطة اللاعودة. والحال هذه أنا متجه لتقديم إستقالتي.

رواية ألبير منصور

بين الانتخاب والتمديد

يروي الوزير السابق والنائب الدكتور ألبير منصور في كتابه «الإنقلاب على الطائف»، فصولاً من اللحظات التي أعقبت إغتيال الرئيس رينيه معوض فيقول: «إستشهد الرئيس.. تأكد الخبر، فتوجهت إلى الرئيس الحسيني وقلت: يا دولة الرئيس الرد في أن ننتخب اليوم قبل غد رئيساً للجمهورية، ليست الساعة للحزن، الساعة للإنقاذ وإلا ضاع الوطن». فرد الرئيس الحسيني: «ألبير على حق.. إستعدوا.. نذهب إلى بعلبك، وننتخب فيها الرئيس الجديد، نذهب الليلة وننتخب غدًا». وسرعان ما استدرك الأمر بأنَّ المصلحة الوطنية تقضي الإسراع، ولكن من هو الرئيس البديل؟

ويشير منصور إلى أنه طرح إسم النائب السابق بيار حلو الذي وصفه أمام الرئيس الحسيني بأنَّ «مواقفه معتدلة، وصديق للرئيس الشهيد، وجه موثوق، وصاحب كفاءة، من صلب الموارنة في الجبل، لم يسبق أن اعترض عليه أحد، حسن الأخلاق، وسمعته طيبة». ويرد الرئيس الحسيني بالقول: «إتكلنا على الله، إحكِ معه». ويتساءل ألبير منصور: «هل يقبل السوريون؟».

يرد الحسيني بالقول: «نحن مقتنعون، وهكذا تقضي المصلحة الوطنية، نحاول إقناعهم، وأعتقد أن الأخوة لن يقولوا لا».

ويتابع ألبير منصور روايته: «قصدت بيار حلو، وهو صديق أحترمه وله في قلبي مودة وتقدير، وبيني وبينه إمكان حوار صادق… تباحثنا طويلاً.. ماذا سيحصل؟ كان تقديره أن السوريين سيدخلون إلى المنطقة الشرقية، وأنه بعد إغتيال الرئيس معوض لا بدّ سيعطون ضوءا أخضر بذلك. قناعتي كانت غير ذلك: سياسة الدول لا تعرف الإنتقام والتصرفات الإنتقامية، سياسة الدول تحكمها موازين القوى والمصالح، وستحاذر سوريا الدخول بالقوة إلى المناطق المسيحية، لأنَّ لا مصلحة لها بذلك».

وفي مطلق الأحوال، إن قضت المصلحة الوطنية بعملية عسكرية محدودة على بعبدا تحسم الوضع دون إلحاق الضرر بالمواطنين والجيش في المناطق الشرقية فهي مبادرة حسنة النتائج، وهي لن تتم على كل حال إلا بطلب منك كرئيس للجمهورية وبأقلَّ كلفة ممكنة. وأعتقد أنه بضغط سياسي كبير وتهويل عسكري جدي، يُمكن أن يتم الأمر من دون إطلاق رصاصة واحدة».

يضيف ألبير منصور: «إقتنع بيار حلو، أبلغنا الرئيس الحسيني بما حصل، فقرر التوجه إلى دمشق لبحث الأمر مع المسؤولين السوريين والتشاور في الخطوات اللاحقة، (فالإخوان السوريون شركاء في اتفاق الطائف ومعنيون في تنفيذه ومتعهدون بمساعدة الشرعية اللبنانية على إستعادة الدولة)، وكان قد طلب مني ترتيب إنتقال النواب إلى بعلبك وتواعدنا على اللقاء في فندق «بلميرا» صباح اليوم التالي في 23 تشرين الثاني 1989».

وفيما توقع الكثير من المراقبين والمتابعين للتطورات، أن يكون النائب بيار حلو الرئيس الجديد للجمهورية، فوجئ الجميع برفض النائب حلو لمنصب رئاسة الجمهورية. وعزا البعض أسباب هذا الرفض، إلى تمني أسرته عليه بذلك بعد أن روّعهم مصير الرئيس رينيه معوض. ويقول الوزير والنائب السابق ألبير منصور إنه، عند فجر 23 تشرين الثاني «ونحن نستعد للذهاب – إلى بعلبك – دخل عليّ الأستاذ بيار حلو ليقول لي: أنا ما بدي، قررت أن لا أترشح.. نزل الخبر عليّ كالصاعقة، ودخلت مع بيار في محاولة إقناع جديدة، أصرّ على الرفض، وتبيّن لي أنه أجرى إتصالات بعائلته وبعض الأصدقاء، حسم في نهايتها أمره بعدم الترشيح».

وإذ يعلن ألبير منصور أنه لا يستطيع الجزم بالأسباب الحقيقية التي دفعت بيار حلو إلى إتخاذ هذا الموقف، يقول: «أعتقد أنه خشي عواقب دخول عسكري سوري إلى المناطق الشرقية، لكن البعض يقول إن حادثة إغتيال الرئيس رينيه معوض روّعته فأحجم».

عند وصول النواب إلى بعلبك، كان الرئيس حسين الحسيني قد سبقهم إليها قادماً من دمشق، ليبادر ألبير منصور بالقول: «أين بيار حلو… مشي الحال». ويسرد منصور حواراً جرى مع الرئيس الحسيني على النحو الآتي:

منصور: بطل يترشح ومعنّد.

الحسيني: لم أنم كل الليل، لم يكن هناك مسؤول سوري واحد يعرف بيار حلو. جهدت حتى أقنعهم، والآن بعد أن وافقوا يقول لا… ماذا نفعل؟

منصور: جان عبيد.

الحسيني: أين هو؟

منصور: في باريس.

الحسيني: تستطيع إحضاره؟

منصور: طبعاً.

الحسيني: حاول… ولكن إن لم يحضر؟

منصور: طارق حبشي.

الحسيني: لا يقبلون به.

ويقول ألبير منصور: «الرئيس الحسيني إتصل بالمسؤولين السوريين وأبلغهم بالأمر، فاتصل نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام برفيق الحريري في باريس طالباً منه إحضار جان عبيد».

يتابع منصور: «وصل جان عبيد إلى دمشق مساء 23 تشرين الثاني بصحبة السيّد رفيق الحريري على متن طائرته الخاصة. وفي الليلة نفسها وصل أيضاً الياس الهراوي بصحبة ميشال المر».

وإذ يُؤكّد ألبير منصور أن الحريري لم يكن يريد جان عبيد للرئاسة، لأنه كان أكثر ميلاً للياس الهراوي بتشجيع من السفير جوني عبدو الذي يعرف الياس الهراوي جيداً منذ أن ساهم في تعيينه وزيراً للأشغال العامة في عهد الرئيس سركيس.

في 24 تشرين الثاني إجتمع النائب الياس الهراوي مطولاً بالرئيس الحسيني والنواب… وفي مساء نفس ذاك اليوم، عقد مجلس النواب ثلاث جلسات متتالية في «بارك أوتيل» في شتورا. فانتخب النائب الياس الهراوي بأكثرية 47 صوتاً في الدورة الثانية. بعد أن كان قد نال في الدورة الأولى 46 صوتاً من أصل 51 نائباً حضروا تلك الجلسة، وعلى الفور عقد المجلس النيابي جلسته الثانية، وأقسم الرئيس المنتخب اليمين القانونية. وألقى خطاباً في المناسبة شدد فيه على الوحدة الوطنية ووقف التدمير والهدم وإعادة البناء وتعزيز المؤسسات وإصلاح الإدارة وتحقيق العدالة الاجتماعية على أساس الإنماء المتوازن للمناطق، وتعزيز الإنتماء الوطني المحض على حساب الإنتماء الطائفي من دون المساس بحقوق أية طائفة أو وجودها وحريتها.

ووعد الرئيس الهراوي في خطابه بإنهاء حال الفلتان، وبأن تبسط الدولة سلطتها تدريجياً على كامل أراضيها وبواسطة قواتها الذاتية، فتحلّ جميع الميليشيات وتجمع السلاح وتعزز قواها الأمنية والعسكرية لتعود السلطة الضامنة الوحيدة لحقوق المواطنين، وأن تحلّ قضية المهجرين جذرياً، فيعود كل منهم إلى المكان الذي هجّر أو هاجر إليه ليعيش بأمان وكرامة وحرية، وتحرير الجنوب بتطبيق القرار 425 الصادر عن مجلس الأمن الدولي، وإعادة بناء جيش وطني قادر… ونستغني عن أي وجود عسكري غير لبناني.. وأكّد بقوله: لقد إخترنا باسم اللبنانيين بناء الدولة القادرة على بسط سلطتها على كامل أراضيها وألا تبقى مرتفعة في لبنان سوى البندقية الشرعية اللبنانية… ثم عقد مجلس النواب جلسته الثالثة التي مدد فيها لنفسه إلى 31/12/1994.

فور انتهاء جلسات المجلس النيابي إستدعى الرئيس الهراوي، الرئيس سليم الحص وجدّد تكليفه برئاسة الحكومة، وبدأ معه الرئيس حسين الحسيني مشاورات لتأليف الحكومة الجديدة، وفي اليوم التالي أي 25 تشرين الثاني 1989 صدرت مراسيم تأليف الحكومة التي تشكّلت من 14 وزيراً، والتي كان يُفترض أن تضم جميع الأطراف الموافقين على إتفاق الطائف، لكن الحكومة شكلت من دون «القوات اللبنانية» بسبب تداخل مواقعها مع مواقع العماد ميشال عون، خشية صدام مسلح معه، وإن كان إشراك وليد جنبلاط ونبيه برّي واستبعاد سمير جعجع قد ألقى كما يقول ألبير منصور: «ظلالاً من عدم التوازن على الحكومة، بددتها موافقة «القوات» على تركيبتها واستعدادها لانتظار حسم موضوع عون للمشاركة المباشرة في الحكومة.

وبشكل عام فقد كانت حكومة العهد الأولى هي الحكومة نفسها التي كان سيصدر مراسيمها الرئيس الراحل رينيه معوض مع تعديل بسيط، إذ حل إدمون رزق والياس الخازن مكان بيار حلو وأوغست باخوس.

جعل الرئيس الهراوي، مقر إقامته إثر انتخابه وتشكيل الحكومة الجديدة في ثكنة أبلح، ومن أوّل قرارات الحكومة كان تعيين قائد جديد للجيش. فرسا الإختيار على العميد إميل جميل لحود الذي كان الرئيس معوض قد وقع إختياره عليه، فرقِّي إلى رتبة عماد، واستدعي فوراً لتسلم مهماته، فباشر القائد الجديد للجيش رحلة الألف ميل في بناء المؤسسة العسكرية، التي استهلها بخطوة إصدار «أمر اليوم» الذي دعا فيه الضباط والجنود إلى الإلتحاق بالقيادة الشرعية، كما جعل مقر قيادته في بادئ الأمر في قاعدة رياق الجوية في البقاع.

إبتداء من العام 1994 بدأت تطرح مسألة خلافة الرئيس الهراوي، وعلى الرغم من شرارة التمديد التي أطلقها الرئيس الحريري من دارة الرئيس الهراوي في حوش الأمراء في زحلة بمناسبة عيد شفيع الرئيس الهراوي في ذلك العام، إلا أن الحديث عن انتخابات رئاسية لم يتوقف، وقد عارض العديد من النواب آنئذ التمديد، فرئيس مجلس النواب نبيه برّي أعلن أن مجلس النواب سيّد نفسه والرئيس عمر كرامي رمى التمديد في البحر، والوزير سليمان فرنجية رشح العماد إميل لحود، وهكذا ظلت الأمور تتراوح بين مد التمديد وجزر انتخاب رئيس جديد إلى أن صدرت الكلمة التي دعت للتمديد للرئيس الياس الهراوي بإيحاء سوري لمدة ثلاث سنوات جديدة.

وهكذا اجتمع مجلس النواب في 18 تشرين الأوّل 1995 واقر بأكثرية 110 أصوات ومعارضة 11 نائباً وتغيب سبعة نواب عن الحضور مشروع تعديل المادة 49 من الدستور الذي استمرت بموجبه ولاية رئيس الجمهورية الياس الهراوي من 24 تشرين الثاني 1995 إلى 23 تشرين الثاني 1998.

هذا التعديل الذي أقره مجلس النواب حمل الرقم عشرة في سلسلة التعديلات التي تناولت الدستور اللبناني منذ صدوره في 23 أيّار 1926، وهو التعديل الثالث الذي تعرّض له الدستور لمرة واحدة أو بصورة إستثنائية، وقد يكون من طريف المصادفة أن التعديلات المذكورة إستهدفت المادة 49 من الدستور في إثنين منها، وارتبطت الثالثة بانتخاب رئيس الجمهورية أيضاً.

وكان التعديل الأوّل قد طال المادة 49 مضافاً إليها المادة 73 التي تحدد فترة إجراء «إنتخاب فخامة الرئيس» وقد اقر يوم السبت في 22 أيّار سنة 1948 في جلسة إستمرت ثلاثين دقيقة، وتم تصديقه بالإجماع، وعلى أساسه تمّ تجديد ولاية رئيس الجمهورية الأوّل في عهد الإستقلال الشيخ بشارة الخوري لمدة ست سنوات، إلا أن الرئيس الخوري لم يستطع استكمال ولايته المجددة كاملة بفعل ما أطلق عليه «الثورة البيضاء» التي حملته على الإستقالة، وهو ما حصل يوم 18 أيلول 1952.

أما التعديل الثاني فقد طاول المادة 73 التي تحدد المدة التي يتم فيها انتخاب رئيس الجمهورية وقد أقرّ المجلس تعديلها في جلسة يوم السبت الموافق في العاشر من نيسان من سنة 1976، وقد استغرقت تلك الجلسة نحو عشر دقائق.

أما الجلسة الثالثة، فاستهدفت التمديد لنصف ولاية واستغرقت ثلاث ساعات وربع الساعة لإقرار مشروع التعديل الدستوري.

أما النواب الذين عارضوا التمديد أو مشروع القانون القاضي باستمرار ولاية رئيس الجمهورية ثلاث سنوات إضافية فهم: مخايل الضاهر، مصطفى سعد، حبيب صادق، سليم الحص، عصام نعمان، زاهر الخطيب، نجاح واكيم، رياض أبو فاضل، بيار حلو، كميل زيادة، نسيب لحود.

وتغيّب عن تلك الجلسة بعذر النواب: فتحي يكن بداعي السفر، حبيب كيروز بداعي المرض، وطلال أرسلان، وغاب أربعة نواب بدون عذر وهم: الرئيس حسين الحسيني، ميشال سماحة، إيلي سكاف، ويحيى شمص الذي كان في السجن.

(انتهى)

إقرأ أيضاً: الياس الهراوي وصاية وتجنيس واعتقال جعجع واستعادة قصر بعبدا – 1 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل