ماذا نفعل لنقضي على الثورة؟ بسيطة، نفلّت الزعران في وجه القوى الامنية. ماذا نفعل لتموت الثورة؟ هينة، نتسلّح نتلثّم نخفي وجوهنا في ظلامها الدامس، ونزرع الساحات بلطجة وخرابا. ماذا نفعل لنرتاح من هذه الثورة اللعينة التي تقضّ مضاجعنا نحن المحتلين الجدد للبنان، نحن فاسدو لبنان، نحن الذين ننهب خيراته على مدار الساعة؟ ما بدها تفكير القصة، نجيّش ناسنا مذهبيا وطائفيا ونفلتهم كالجراد على ناس البلد، على الآخر الذي فيه، على هؤلاء التافهين الذين يطلقون على أنفسهم اسم “الثوار”، وخلّي عصينا وحجارتنا وقنابلنا تعلّم بثورتهم خرابا واشاعات وطائفية وشتائم، ولنرى من سيقاوم ويصمد حتى النهاية. نحن بلطجية لبنان وزعرانه ام تلك الثورة التي حوّلت احلامنا بالهيمنة الابدية كوابيسا، وجعلت منا نحن من كانت اسلحتنا وقمصاننا السود تزرع الرعب في القلوب، جعلتنا مهمّشين تافهين خارجين عن القانون، نرفع العصي ولا من يهرب، نحرق خيم الثوار فيعمّرون العشرات غيرها، نهجم في الليل والنهار ليسود الفراغ والرعب في الساحات، فاذ بها تمتلئ أكثر وأكثر فماذا نفعل بعد؟!
هذا ما جرى في ساحات بيروت، وهذا ما قد يجري كل يوم وفي كل ساحة. هذا هو الكر والفر في ساحات لبنان، الصراع المباشر على الهواء بين الخير والشر. بين لبنان الحلو الثائر الشجاع، ولبنان آخر اسود مرّ لا يشبهنا في شيء، وهو ليس سوى صورة عمن يحرّكه، ومن يحرّكه ليس صورة عن وحش جائع يريد التهام ذاك اللبنان ليبقى ويسود ويتحكّم.
كرّ وفرّ بين زعران يدّعون انهم من الثوار والثوار يهرعون لنفض اياديهم منهم، وكل الهدف زرع الفتنة بينهم والقوى الامنية، ليخرجوا في ظلام لياليهم وليعلنوا ان الثوار يتعرضون لتلك القوى، بينما في الواقع ان الثوار يحتمون بالقوى الامنية، على الرغم من بعض الشوائب واستعمال القوة المفرطة لبعض العناصر والتي مورست بحق بعض الثوار في مناطق محددة.
على مدى يومين بدت بيروت وكأنها ساحة حرب فعلية، او كأن فيلم اكشن يتم اخراجه في وسط بيروت. عبر الشاشة الصغيرة دخان يغطي الساحات والناس خيالات تتراقص على وقع الهروب حينا الهجوم احيانا، الصراخ في كل الاوقات، القوى الامنية ترمي القنابل المسيلة للدموع وملثمون مدججون مسبقا بأقنعة خاصة يزرعون الفوضى بفرح لا يقارب وكأن الجريمة هوايتهم، والحقد الغريب فرحهم، يتحدون قنابل شرطة مكافحة الشغب ويلملمون تلك القنابل ويعيدونها الى احضان الشرطة.
آخرون بقمصانهم السود مدججون بالعصي يفلتون من دون اي رادع انساني اخلاقي، ومن دون اي تردد على رؤوس الثوار رجالا نساء لا يهم وعلى القوى الامنية طبعا، ليلتبس الامر على الناس والناس صارت تعرف هؤلاء من وجوههم حتى قبل ان يتصرفوا، الناس وهم في منازلهم ثوار غاضبون متربصون بهؤلاء، يدافعون عن الثورة بأقلامهم وقلوبهم، وكلما حزّت المحزوزية يهرعون الى الشارع لمساندتهم. كل لبنان ثوار الا هؤلاء، ومن ليس ثائرا في لبنان وهو قادر ان يكون، ليس سوى متواطئ مع الفاسد والازعر والبلطجي، متواطئ على شرف لبنان وكرامته ولقمة عيشه وعلى الانسان في لبنان.
قد تقولون وانا منهم، انها كانت ليالي القبض على ما تبقى من هيبة الدولة، اذ بدت وكأن عصا الزعران تنهال على قفا “الدولة” كي تؤنبها على انها لا تزال “دولة” في حدها الادنى، ولو بدت وكأنها في نهاياتها المدوية بسقوطها، لكن عمليا وعلى الرغم من المشهد الموغل في سواده، لم ار في كل تلك المشهدية السوداء الا نهاية هؤلاء.
كانوا كمن يستنجدون عنفهم المطلق لإثبات ما تبقى من وجودهم، ووجودهم لا يدوم الا بمنطق العنف. كان ليل السبت الاحد 14 كانون الاول وصولا الى ليل الاحد الاثنين، بداية اخرى فعلية لثورة 17 تشرين، في وقت كان يظن هؤلاء انهم ينهون هذه الحال الشاذة بفرض ايقاع الرعب، ولم يفعلوا. لم ينجحوا، لم يفلحوا بفرض اجندة العنف ولن ينجحوا، اذ نعرف انهم سيحاولون مرارا وتكرارا وكل ذلك ليضمنوا بقاءهم. هذا ما علّمهم اياه “اسيادهم” انهم لا يدومون في البلد الا بالبلطجة، وان البلد لهم بالبلطجة وانهم الاقوى والاشرس لأنهم يخالفون القوانين ويخالفون انسانيتهم.
ويبقى نصيحة هيك من القلب، مني انا الثورة والثورة نحن، قولوا لأسيادكم انهم ما عادوا اسيادا الا على تلك البقع الجغرافية الصغيرة التي يعيشون فيها، حتى لو درزوا لبنان درزا من ترسانتهم العسكرية الجبارة. قولوا لأسيادكم واساتذتكم، انهم ما عادوا كذلك ولو انحنى لهم ألف مواطن ومليون مواطن، فالكراسي لا تدوم للابد، وحده الرب أبدي ويرى ويحاسب، وفي كل هذا المشهد لا ارى الا حساب الله ينهال عليكم بالنهايات وفي الوقت الذي تنهالون علينا، نحن نرسم البدايات، والثورة تحيا ولبنان سيبقى…
