الثورة ستكلّف وتؤلّف

 

لا يمكن إلا التوقف أمام مشهدية الأحداث اليومية التي إن تبدلت تكتيكاتها فاستراتيجياتها واضحة. نحن أمام معادلة واضحة ما بين شارعين: شارع الثورة، وشارع السلطة. ولا تقوم ثورة في بلد ما إلا على سلطة ظالمة وفاسدة. وإن سقطت تكون السلطة أمام حالتين اثنتين: إما أنها زادت من قمعها وظلمها، وإما أن مطالب الثورة غير محقة. فهل ستستطيع السلطة اللبنانية أن تسقط الثورة ضدها؟

ما لا شك فيه أن هذه السلطة لا توفر أي جهد لإظهار الثوار بموقع مفتعلي الشغب. لا سيما بعدما واجهوها بعبارتهم المشهورة: ” سلمية سلمية.” وبالتالي هم أسقطوا عنهم أبريوريا صفة “مفتعلي الشغب”. مما حدا بالسلطة إلى اختراقهم بطوابير خامسة تواجه بها نفسها بنفسها، بطريقة عنفية لتثبت سقوط لا عنفية الثوار. وفي الوقت عينه، تستخدم الشارع لتوجه رسائل سياسية إلى الثوار من جهة، وإلى خصومها التقليديين من جهة أخرى.

ونحن ما زلنا ننتظر انطلاق الاستشارات النيابية الملزمة التي سيجريها فخامته في بعبدا مع السادة النواب كل في كتلته. ونأمل ألا تؤجل بعد أبعد من الخميس الموعود، لأن الوضع ما عاد يحتمل أي تأجيل. وقد بات المشهد السياسي أمام مرشح معلن ومعروف وهو الرئيس الحريري؛ وأمام بعض الأسماء غير المعروفة، والتي قد لا ترغب بدورها بحمل كرة النار الحكومية بوجه الثورة. من هنا، يبدو أن الرئيس الحريري، إن كُلف فهو سيكلف بأقلية، لذلك سيبقى مكلفًا من دون تأليف وستبقى حكومة تصريف الأعمال على حالها.

وأمام أصوات الناس المنتفضين في الشارع، أعلنت القوات اللبنانية أمس موقفها بتأييد حكومة اختصاصيين مستقلين مع عدم تسمية أحد. منهم من رأى في هذا الموقف رمادية لاسترضاء بعض حلفاء الأمس، ومنهم من رأى فيه انسجامًا تاريخيا كيانيا مع موقع القوات الأساسي الذي يبدأ مع الناس وينتهي عندهم، بعيدًا من أي مركز أو سلطة أو منصب؛ وعلى الناس أن تحكم على الأداء، والصناديق الانتخابية لن تكون خاوية في الانتخابات المقبلة.

يبقى أن موقف الثوار واضح حتى الآن من مسألة ” كلن يعني كلن”، ما يؤشر ذلك إلى احتمال رفضهم تكليف الحريري، لأنه يندرج في سياق منظومة الفساد التي يثورون على أقطابها. وعلى ما يبدو أن الحريري قد تحول إلى ضمانة دولية لحزب الله الذي لا يبحث الآن عن مواجهة مع المجتمع الدولي، لا سيما أنه حصن دويلته، وهو مستعد تمامًا للحصار المرتقب عليه.

من هنا، ما يجب الركون إليه، هو البحث عن الشخصية المستقلة والمختصة التي تعتبر مؤهلة لقيادة هذه المرحلة الانقاذية، بعيدًا من النادي السياسي. أو على الأقل العمل على إقناع الثوار بضمانة وجود الرئيس الحريري على رأس هذه السلطة، مع الأخذ بعين الاعتبار أنه سيكون ” المدير” فقط في مجلس الوزراء حيث سيترك حرية العمل للأخصائيين الذين سيختارهم، ليشرف بدوره على مهامهم الانقاذية.

لذلك كله، الثورة لن تسقط، مهما حاولوا اجتراح بدع لاسقاطها. ليس إلا لأنها حبلت بها النفوس طيلة ثلاثة عقود وهي ولدت حية ترزق في 17 تشرين، ولن يتمكنوا من إنهائها إلا بقتلها. ما يعني ذلك بإراقة الدماء. وهذا ما لن يسمح به الثوار، ولا حتى المجتمع الدولي الذي يرصد تحركات السلطة يوميا؛ ما يدفع بالقادة الأمنيين والوزراء المعنيين بالتصريح دائمًا بأنهم بصدد حماية حرية الرأي والتعبير؛ عملا بنص المادة 19 من الشرعة العالمية لحقوق الانسان.

من هذا المنطلق، كرة التكليف والتأليف سقطت من يد أغلبية الوكلاء، لأنهم لم يكونوا أمناء على الوكالة التي منحهم إياها الشعب. والكرة اليوم بملعب الشعب الذي استرجع وكالته وعاد عن حق هو ممثل السلطات. فهل سيتحول لبنان من الديمقراطية البرلمانية إلى الديمقراطية المباشرة؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل