
بعد ان عاش الاعلام اللبناني عصره الذهبي في تسعينيات القرن الماضي والعشر الأوائل من الألفية الجديدة، بات اليوم يترنح تحت ضربات كبيرة ظاهرها اقتصادي بالدرجة الأولى، وباطنها قد يخفي انقساماً سياساً يبدأ من اصحاب المؤسسات الاعلامية ومموليها ليصل إلى الاعلاميين والصحافيين.
فالأزمة المالية عصفت بالصحافة الورقية منذ 7 سنوات، وادت الى اقفال عدد من كبريات الصحف، ارتبط اسم بعضها باسم لبنان، ثم انتقلت لتطول كل وسائل الاعلام المرئية والمسموعة والالكترونية التي بدأت تعاني من ازمة مالية خانقة، اضطرت معها محطات تلفزة واذاعة ومواقع اخبارية الى الاقفال وصرف موظفيها (كان آخرها راديو جرس سكووب)، وفي أحسن الاحول الى تخفيض عدد الموظفين او الاتفاق معهم على «نصف راتب». واذا كان وقف التمويل او الدعم الخارجي عن بعض هذه المؤسسات سببا من اسباب الازمة، فإن تراجع سوق الاعلانات كان له الاثر الاكبر في ظل توجه الجمهور إلى استخدام الهواتف الذكية وتطبيقات وسائل التواصل، وفي الاشهر الاخيرة أتت الأزمة المالية التي يتعرض لها لبنان على ما تبقى من أمل في هذا القطاع.
ومع اندلاع ثورة 17 تشرين انبرى الاعلام إلى تغطية هذا الحدث بشكل كامل على امتداد خريطة الوطن، ففتحت القنوات المرئية الهواء للمتظاهرين للتعبير عن معاناتهم ومطالبهم، وكذلك فعلت الصحف الورقية، ولكن وراء هذه التغطية المميزة وهذا المجهود الكبير من قبل الاعلاميين على الارض، برزت خفايا كبيرة موجعة في هذا القطاع، فإلى الاعتداءات التي تعرض لها معظم المراسلين وحملات التنمر والشتم، كان الانقسام السياسي لدى بعضهم والانحياز لهذا الفريق او ذاك سبباً في توجيه انذارات مهنية للبعض منهم.
نصف راتب
وبالعودة إلى الأزمة الماليّة في المؤسسات الإعلاميّة، فإنه من المتوقع أن تستفحل في الفترة المقبلة بسبب أزمة السيولة التي قد تؤدي إلى دفع مبالغ مقتطعة من الراتب.
وبات معلوما تقاضي موظفي عدة وسائل إعلاميّة نصف راتب عن شهر تشرين، لا سيما قناتي او تي في التابعة للتيار الوطني الحر، وقناة “إل بي سي آي” والذي اكد هذا الامر، ومن الممكن أن تتعثر الرواتب إذا استمرت القنوات بتغطية الاحتجاجات على حساب برامجها التي تدر عليها المداخيل، ما يُهدّد بعض الموظفين بأن تخفض رواتبهم إلى نحو 300 دولار.
رئيس مجلس إدارة محطة “إم تي في” ميشال المر قال خلال برنامج صار الوقت قبل اسبوعين ان “لا أحد يمول الإعلام، وفي قناته حوالي 800 موظف لا أحد يسأل كيف يمكن أن تؤمن لهم رواتبهم الشهرية. وبرر عودة القناة إلى بث بعض برامجها في هذه الظروف الاستثنائية من الثورة، بأنها الطريقة الوحيدة للصمود”.
والحال نفسه في قناة الجديد التي يملكها رجل الاعمال تحسين خياط. وكانت قناة المستقبل قد اقفلت قبل شهر من الثورة بسبب ازمة مالية في مؤسسات يملكها الرئيس سعد الحريري. وأمس نفّذ موظّفو تلفزيون المستقبل اعتصاماً أمام مدخل القناة في سبيرز وقطعوا الطريق احتجاجاً على عدم دفع مستحقاتهم كما ورفعوا يافطات كتب عليها “وين المصاري”.
وفي سياق المعالجات القسرية للقنوات التلفزيونية، أعلنت قناة «LDC» أنها ستودّع مشاهديها على قمر نيل سات مع نهاية العام والاكتفاء بالبث عبر «عرب سات».
وقالت ان احد الاسباب يعود إلى «اتفاق القنوات اللبنانية الخاصة على الانتقال إلى البث عبر «عربسات» بعد ان قدم لها عرضاً مغرياً ومنحها فترة بث مجاني وسط هذه الازمة.
أنتم حبرُنا
اما في عالم الصحافة الورقية، فكانت صرخة صحيفة النهار فجر أمس مدوية، حيث طلبت التبرع بالحبر على الصفحة الاولى من الجريدة العريقة التي صدرت بنصف صفحتها الاولى بيضاء مع شعار «الصحيفة التي قدمت الدماء اليوم تطلب التبرع بالحبر».
وقالت النهار في افتتاحيتها ان الاعلام الحرّ يصارع من أجل البقاء في عالم تكثرُ فيه التحوّلات التكنولوجية والاقتصادية، وتتعقد فيه الأزمات السياسية والأمنية. واضافت ان «النهار» واحدة من المؤسسات التي عانت منذ تأسيسها مخاض هذه التحوّلات، وتمكنتْ بفضل وفاء قرائها من الصمود.
واضافت انه «بين غسان وجبران تويني كتابٌ وصحافيون خطّوا بالحبر معاني الحرية والحرفية الصحافية، فتمكنوا من تحويل الصحيفة ديواناً سياسياً وثقافياً وأدبياً..». واردفت الصحيفة: «نشهدُ اليوم لحظة مأزومة غير مسبوقة تضربُ المؤسسات وتهدّد وجودَها، فتعجزُ عن تسديد رواتب موظفيها..».
وأطلقت «النهار» حملة “#donateink” او تبرع بالحبر، لمن يرغب من القراء والمتابعين في دعم وجودها، وتمكين صحافييها من أداء مهماتهم على أكمل وجه. وختمت الصحيفة قائلة ان: «لا شيء يساوي الدماء التي سالت من أجل الحرية.. تكاتفنا من أجل الاستمرار والتحدّي هو دليل على أن تلك الدماء لم تذهب هدراً. الحبر سيدافع عن الدم».