
من الصعب التفاؤل بأن شيئاً ما سيتغيّر ويدفع ما تبقى من السلطة القابضة على الحكم لوقف المكابرة والمناورة، خلال الساعات القليلة المتبقية من مهلة الـ72 ساعة الفاصلة عن موعد الاستشارات النيابية الملزمة الخميس المقبل، الثالث بعد تأجيلين، لتكليف رئيس بتشكيل الحكومة الجديدة، والتي أعطاها رئيس الجمهورية ميشال عون لرئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري، بناء على طلبه، بعدما كانت تأجلت للمرة الثانية على التوالي.
الأمور عادت إلى نقطة الصفر، وأزمة التكليف والتأليف باتت بحاجة إلى ما يشبه المعجزة لإخراجها من عنق المأزق، المقفل بألف عرقلة ومناورة وتعطيل وتسويف، والمفتوح على المجهول. كل ذلك، للتهرب من مواجهة الحقائق الفاقعة الوضوح والاعتراف باستحالة إبقاء القديم على قدمه، وألا حياة لمحاولات التمسك حتى الرمق الأخير بإعادة إنتاج الطبقة الحاكمة بصور وأشكال مموهة، والتي أنتجت هذا الواقع الاقتصادي والمالي والاجتماعي والمعيشي الذي لم يشهده لبنان في تاريخه، والمتدحرج إلى أعماق مرعبة تنذر بأبشع الكوارث.
المحاولات مستمرة، بنوايا ورغبات متضاربة أحيانا، لإيجاد مخرج ما، على الرغم من عدم استبشار المحاولين المختلفين خيراً كثيراً. والأنظار من دون شك تتركز على موقف الحريري والخيارات التي يمكن أن يلجأ إليها. وثمة سيناريوات عدة ترسم لتخريجات الحل المتعددة، علما أن لكل منها محاذيره المختلفة من حيث الترددات المحتملة أو النتائج المأمولة:
– احتمال أن يلجأ الحريري إلى رفض تكليفه بنسبة متواضعة، بعد تأكيد “القوات اللبنانية” على أن النقطة الجوهرية بالنسبة إليها تتخطى التكليف إلى التشديد على طبيعة الحكومة المقبلة، وتأكيدها أنها لن تعطي الثقة سوى لحكومة اختصاصيين مستقلين، وموقفها يتمحور حول هذه النقطة المركزية وتحقيقها بشكل مؤكد لا يحتمل أي التباس. وإعلان وزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال جبران باسيل أنه لن يسمّي الحريري، فيعمد الأخير إلى الاعتكاف عن قبول التكليف، والعودة إلى منطق تكليف وتأييد شخصية أخرى غيره، و”ليتدبروا أمرهم”.
انفجار حرب البيانات والاتهامات المتبادلة بين القصر الجمهوري وبيت الوسط والتيار الوطني الحر في الساعات الماضية، بشكل غير مسبوق منذ التسوية الرئاسية، جعلها بحكم الميتة سريرياً. خصوصاً مع رفض الحريري “أن يتحول موقع رئاسة الحكومة الى طابة تتقاذفها بعض التيارات والأحزاب”، وتأكيده أن “هذا الموقع أكبر من كل هذه الهرطقات، ولن يكون رهينة عند أحد مهما علا كعبه”، مضيفا: “إذا كانت هناك فرصة لتلبية مطالب الساحات فليكن. واذا كانت هناك فرصة لتسمية شخصية سنية بمستوى الموقع فليكن أيضاً”.
وهنا تعود إلى الواجهة أسماء شخصيات عدة تحوز على الاحترام والقبول من أطراف عدة، خصوصاً في أوساط الثوار والمجتمعين العربي والدولي. ويبرز اسم من بينها نظراً لتجربته في ميادين العمل السياسي والدبلوماسي التي خاضها، تجعله مؤهلاً ليكون رجل المهمات الصعبة المتوقعة في المرحلة المقبلة.
– امكان أن يقبل الحريري التكليف، بمن حضر وسماه من الكتل والنواب، وبالنسبة التي يحوزها. وهو ما ظهر جلياً في ساعات الأمس، إذ توجه إلى عين التينة والتقى صاحب الدار رئيس مجلس النواب نبيه بري، وكان خبز وملح بينهما على مائدة الغداء. ومن ثم يقوم الحريري بتشكيل حكومة الاختصاصيين التي يراها مناسبة ويقدمها إلى رئيس الجمهورية، فتصبح كرة النار بين يدي الأخير، وليتحمل مسؤولية قبولها أو رفضها.
– كما لا يمكن اغفال ان ينجح الثنائي الشيعي، خصوصاً حزب الله، في اقناع باسيل بالعودة عن قراره بعدم تسمية الحريري ودغدغته بوعود معينة. وذلك في إطار محاولة إعادة ضخ الروح في التسوية السلطوية، عبر استيعاب الحالة السنية من جهة، وترميم علاقته مع التيار من جهة أخرى، بهدف تحقيق هدفه الأبعد المتمثل بالتضييق على الانتفاضة الشعبية ومحاولة خنقها، نظراً لما يستشعره من مخاطر عليه في حال نجاحها باستنهاض واقع الدولة بمؤسساتها كافة، ما يضعف دوره حكماً في المعادلة الداخلية ويطرح وضعيته على بساط البحث الجدي.
– ولعل السيناريو الأقوى الذي يمكن أن يلجأ إليه الحريري، في حال رغبته بأن يكون المرشح الوحيد، يتمثل في امكان اتخاذه قراراً جذرياً بمقاطعة الاستشارات الخميس المقبل ورمي الميثاقية في وجه الجميع، باعتبار أنه لا يزال الأكثر تمثيلاً لدى المكون السني، ما يؤدي عملياً إلى حرق مختلف الأسماء الأخرى التي يمكن أن تطرح مسبقاً. على الرغم من أن كثيرين، من المطلعين والمراقبين، يبدون شكوكاً في لجوء الحريري إلى هذا الخيار، إذ يكون بذلك قد انجر طواعية إلى لعبة الآخرين الطائفية والمذهبية، خصوصاً أن غالبية القوى السياسية المعنية تصر على أن يحوز الرئيس المكلف، في حال لم يكن الحريري ذاته، على موافقة الأخير ودعمه، وأنه لن يكون بطبيعة الحال بعيدا عن عباءة بيت الوسط أيا يكن.
بناء على ما تقدَّم، ليس مستبعداً أن تؤدي التعقيدات المطروحة والضبابية التي تلف السيناريوات المتعددة وعدم إمكان الجزم بنجاح أي منها بشكل قاطع، بل الخوف من فشلها والترددات السلبية التي يمكن أن تستدعيها في الشارع، إلى تأجيل الاستشارات للمرة الثالثة على التوالي. عندها تصبح البلاد أمام واقع أزمة طويلة ومفتوحة على المجهول من دون أفق محدد، فيما الانعكاسات على الواقع الاقتصادي والمعيشي من سيّئ إلى كارثي.
يبقى أن الثابت الوحيد والأكيد وسط هذا التخبط والتردد والتأجيل المتكرر والضياع الغالب على تحركات المعنيين في مختلف مواقعهم، هو أن الثورة نجحت في فرض واقعها ونمطها على مجمل الأحداث المتسارعة منذ 17 تشرين الأول. ولا غلو في القول إن الانتفاضة الشعبية هي مصدر التخبط والضياع لدى أهل السلطة، الأبرز، بحيث بات من الجنون استمرار إنكار حيثيتها والالتفاف على مطالبها المحقة، وعدم تغيير النهج السياسي القائم أو محاولات التذاكي المفضوحة الممجوجة. كما لن ينفع أسلوب القمع والعنف، الرسمي والبلطجي منه على حد سواء، في جعلها تتراجع أو تلين، إنما سيعمّق تشبث الثوار بقضيتهم، بل ربما التصعيد بما لا يمكن توقعه ضد السلطة المتسلطة.
