يحلّ مساعد وزير الخارجية الأميركية للشؤون السياسية ديفيد هيل، المنتظر وصوله إلى بيروت خلال ساعات، “ضيفاً ثقيلاً” على الطبقة الحاكمة في لبنان، نظراً لتوقعها ما يمكن أن يبادرها به من كشف حساب على ما تعهدت به من إصلاحات وإجراءات جدية لتطوير مؤسسات الدولة ومكافحة الفساد بينما كانت تشحذ المساعدات الدولية طوال السنوات الماضية، فيما سلوكها وممارساتها المشبوهة أوصلت البلاد إلى أخطر أزمة اقتصادية ومالية في تاريخها.
زيارة هيل، هي الأولى لأرفع مستوى مسؤول أميركي منذ انطلاق ثورة 17 تشرين، والثانية له بعد زيارته مطلع العام الحالي في كانون الثاني الماضي. وهنا المفارقة، لكون حضوره إلى بيروت تزامن في الزيارتين، مع أزمة من طبيعة مشابهة، ألا وهي تعثر وعرقلة تشكيل حكومة جديدة تنكب على استنهاض الدولة والمؤسسات والوضع الاقتصادي والمالي بشكل عام، بسبب منطق المحاصصات والتنفيعات والصفقات وتناتش مواقع السلطة بين الأطراف الفاعلين.
المحلل السياسي مهند الحاج علي، يرى أنه كما يبدو “السياسة الأميركية تجاه لبنان في مرحلة تروٍّ، بخلاف سياسة الضغط القصوى في المرحلة السابقة”، لافتاً إلى أن “الإدارة الأميركية أفرجت عن جزء من برنامج المساعدات العسكرية المخصصة للجيش اللبناني كما لاحظنا منذ أسابيع”.
ويضيف في حديث إلى موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أن “الولايات المتحدة تضغط أيضاً لتشكيل حكومة جديدة مقبولة من المجتمع الدولي، من أجل القيام بإجراءات لمساعدة لبنان، لأن هناك قلقاً حقيقياً لدى المجتمع الدولي حيال تدهور الوضع المالي والاقتصادي في لبنان”.
ويشير إلى أن “زيارة هيل تأتي في إطار التأكيد على هذا الموضوع، بضرورة تشكيل حكومة تلبِّي طموحات المتظاهرين من جهة، وتشكيلها في أسرع وقت للحصول على المساعدات للخروج من الأزمة من جهة ثانية”.
أهمية زيارة هيل، تبرز أيضاً من خلال طبيعة مهمته، باعتباره موفدا من قبل وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو لاستطلاع ومواكبة الوضع المأزوم والخطير في لبنان، واستكشاف الواقع على الأرض مباشرة بعد انطلاق الانتفاضة الشعبية وموقف سائر الأطراف منها وطريقة مواكبتهم لها، سلباً أو إيجاباً، ليبنى على الشيء مقتضاه في دوائر الخارجية الأميركية.
وفي السياق، يلفت الحاج علي إلى أننا “نلاحظ دائما وجود حراك دبلوماسي بالتزامن مع أي عقوبات تُفرض على حزب الله، بما يعني أن واشنطن تحاول التمييز بين مسارين منفصلين في السياسة الأميركية: أولا مسار العقوبات على حزب الله، وثانياً التأكيد على الاستقرار وضرورة تشكيل الحكومة والاسراع في الاجراءات لإنقاذ الاقتصاد اللبناني، علماً أن المسارين غير منفصلين تماماً عملياً ما ينعكس سلباً على الاقتصاد اللبناني”.
ويوضح أن “ما تحاول واشنطن قوله إن هذه العقوبات لا تعني أنها تستهدف لبنان بأسره إنما تستهدف أشخاصاً محددين، علماً أن في هذه الرؤية الأميركية إساءة تقدير، لأن العقوبات أثَّرَت في نهاية المطاف على الاقتصاد اللبناني وسرَّعَت في الانهيار الحاصل حالياً، لجهة أنها استهدفت مصرفاً لبنانياً بأكمله (جمال ترست بنك)، وهذا أثَّر بشكل كبير في استقرار القطاع المصرفي اللبناني، وهي بذلك تتحمَّل جزءاً ولو صغيراً من المسؤولية عمَّا آلت إليه الأمور اقتصادياً ومالياً”.
ويشير إلى أن “لائحة العقوبات تتسع من الدائرة الضيقة التي بدأت أولا بمؤسسات تابعة لحزب الله ومن ثم إلى رجال أعمال قريبين من الحزب وصولاً إلى شخصيات من غير الطائفة الشيعية”، معتبراً أن “هذا مؤشراً”. لكنه يضيف أننا “لا نزال في دائرة الأشخاص ولا نتحدث عن استهداف الدولة اللبنانية بأسرها، علماً أننا قد نشهد في الفترة اللاحقة استهدافاً لشخصيات حليفة لحزب الله”.
وعن مسألة الترابط بين طبيعة الحكومة الجديدة وترك مسافة بينها وبين حزب الله والتزام سياسة النأي بالنفس لعودة المساعدات الدولية للتدفق إلى لبنان، يعتبر الحاج علي أن “أي حكومة تشكَّل من مستقلين واختصاصيين ستعني حكماً عدم وجود حزبيين مسيَّسين ومن الوجوه القديمة، وهذا طبعاً يجعلها مقبولة أكثر من المجتمع الدولي، وليس فقط من الولايات المتحدة، وأخيراً تابعنا جميعا مقررات مؤتمر باريس للدول المانحة برعاية فرنسية أممية”.
ويؤكد أنه “في نهاية المطاف لبنان بحاجة إلى المساعدة من المجتمع الدولي، وأيضاً من دول عربية يضعها حزب الله في خانة الخصومة، فكيف يمكن أن تتدفق المساعدات إذا كانت الحكومة تضم وجوهاً معادية؟ وإذا لاحظنا الدول المشاركة في مؤتمر سيدر والتي تعهَّدت بتقديم الأموال والاستثمارات، كلها دول يضعها حزب الله في خانة الخصومة والهجوم، وهذا أمر غير مفيد”.
لكنه يلفت إلى أن “الولايات المتحدة أيضاً تلعب على الحبلين: من جهة تقول إنها مع استقرار لبنان، فيما توجّه سهام العقوبات من جهة ثانية، في وقت يحتاج فيه لبنان إلى الثقة الدولية”، مستخدماً المقولة العربية المعروفة “ضرب الميت حرام”.
ويوافق الحاج علي على أن “الولايات المتحدة ستحاول التمييز أكثر بين المسارين، لأن الوضع الاقتصادي في لبنان لم يعد يحتمل وكي لا ينهار الوضع برمته”. ويقول: “سمعنا في فترات سابقة عن إجراءات وعقوبات أكثر حدة من التي وقعت، وبأنها ستطاول سياسيين لبنانيين كبار. وهناك من يرى أن ما كان يتم تداوله كان يحمل رسائل مبطّنة”.
ويعتبر أنه “نظراً لحساسية الوضع اللبناني خصوصاً في هذه المرحلة، تمرير مثل هذه الرسائل غير مفيد، ومن الأفضل مراعاة الوضع الاقتصادي والمالي الحساس في لبنان على الأقل في الفترة المقبلة، فالوضع لا يحتمل المزيد من الضغط على القطاع المصرفي والمالي، علماً أن الأموال في المصارف شبه مجمّدة، فبماذا تفيد العقوبات اليوم على فلان من السياسيين فيما عمليات السحب مقيَّدة في الأساس؟”.
ويرى الحاج علي أن “هناك مؤشرات باتجاه تسهيلات وتساهل دولي من أجل تشكيل حكومة والتعامل مع الوضع نظراً لمدى الخطورة التي وصل إليها”. ويضيف أن “الزيارات الدولية إلى بيروت التي بدأت، ستزداد في الفترة المقبلة لتحذير المسؤولين اللبنانيين من خطورة الوضع، وإبلاغهم بحقيقة شعور المجتمع الدولي”، لافتاً إلى أن “ثمة حاجة تنشأ لدى المجتمع الدولي متعلقة بضرورة تنبيه وتحذير الطبقة السياسية في لبنان عن وجود وعي دولي بأنها طبقة غير مسؤولة”.
ويكشف عن أن هناك “صدمة دولية من طريقة سلوك الطبقة السياسية اللبنانية، على الرغم من المآسي التي يمر بها لبنان”، مشيراً إلى أن “بعض الدبلوماسيين يعبّرون عن هذه الصدمة في بعض اللقاءات، وعن المفاجأة والذهول إزاء الخفة التي يتعاطى بها المسؤولون مع الأزمة، ويقولون ما يشبه على الطريقة اللبنانية (العمى شو هيدا؟)”.
