
أزمة تكليف، أزمة تأليف بعد التكليف، وضع اقتصاديّ صعب وانهيار لليرة، تجاهل واستعلاء واستقواء على الشعب المنتفض لحقوقه. هذا هو واقع الحال إن سألتم عن لبنان اليوم.
كل هذه الازمات والتطورات المتسارعة منذ 17 تشرين نقلت لبنان من السيء إلى الأسوأ. بات الغموض يخيم على الاجواء العامة والخوف من المستقبل سيد الموقف.
تسألون عن الأوضاع فيأتيكم الجواب كورقة نعوة. لكن إن نظرنا إلى لبنان بشعبه، فلا نرى إلا تكاتفاً ووحدة بعكس ما يحصل في السياسة.
فعلى الرغم مما حاول البعض خلقه او الإيحاء به من انقسامات من خلال “أتباعهم” لإظهار “شارع مقابل شارع”، خالفت الوحدة التي ظهرت منذ 17 تشرين كلّ المعتقدات التي كانت سائدة عن الطائفية والمذهبية والانانية التي قيل إنها حكمت أذهان الشعب لسنوات ولا تزال.
من الشمال إلى الجنوب، ومع اقتراب الاعياد، ومع تردي الوضع الاقتصادي، مبادرات كثيرة أُطلقت للتأكيد على أن الاختلاف ليس خلافاً والمكيال واحد والمأساة واحدة.
محمد شوك، من “حراس المدينة” في طرابلس، يؤكد على أن “الحراس” هم ليسوا جمعية مرخصة إنما مبادرة جماعية صادرة عن مجموعة أشخاص متطوعين، حاولوا العمل على خطة استباقية بما ان الوضع الاقتصادي إلى تدهور، للوقوف إلى جانب الطبقة الفقيرة في طرابلس التي تتعدى في الاساس 65%.
ويضيف في حديث لموقع “القوات اللبنانية”، “في اليوم الاول من الثورة ائتمنا الثوار على امنهم وطلبوا منا حمايتهم وتنظيم تحركاتهم في ساحة النور”. ويشير محمد إلى أن الحراس يحاولون تأمين الثياب للعائلات الاكثر حاجة، كما انهم يؤمنون وجبات غذائية لـ800 إلى 1200 شخص يومياً في ساحة النور في مبادرة أخرى أطلقوا عليها اسم “مطبخ وجبة الخير”.
ويتابع: “نؤمن أيضاً الأدوية للمرضى الذين ليس لديهم القدرة على شراء ادويتهم، ونلجأ إلى استشارات أطباء معنا في بعض الحالات”.
وعن مصدر التمويل، يؤكد شوك أن “الحراس” لم يحتاجوا يوماً اللجوء إلى سياسي أو سفارة، “بعض المؤسسات وبعض الاشخاص هم الذين يتبرعون بما يستطيعون به من أطعمة ومواد غذائية وغيرها. إن اراد شخص التبرع بملغ مالي نطلب منه مساعدات عينية كبدل، وإن أصرّ نسجل كل ما يأتينا من مبالغ مالي بشكل رسمي”.
من طرابلس إلى الزوق، حيث أطلق الثوار مبادرة لمساعدة العائلات الأكثر حاجة خصوصاً مع اقتراب الأعياد.
وفي هذا الإطار، يشدد أحد منظمي هذه المبادرة ميشال بستاني، على أنها جماعية لا تقبل إلا بالمساعدات الغذائية والثياب والمواد الأولية، لا المادية، مشيراً إلى أن ثوار الزوق بصدد تنظيم حفلة ميلادية لأطفال كسروان، مؤكداً على أن “الهدايا هي أيضاً تبرعات من أشخاص أرادوا إعطاءنا مبالغ مالية ورفضناها حرصاً منا على الشفافية، فكان الاتفاق معهم بأن يذهبوا هم بأنفسهم لشراء هدايا للأطفال”.
ويذكر بستاني أن التجمع يومياً في ملعب فؤاد شهاب والثوار يستقبلون المتبرعين كما المحتاجين، طيلة أيام الأسبوع.
وإلى صيدا، حيث يؤكد ماجد زهرة، أن ثوار صيدا أطلقوا حملة تبرعات منذ 9 ايام كحملة مواد غذائية تستهدف العائلات الأكثر فقراً، ويضيف: “درسنا كل حالة بحالتها وجهزنا المؤن بالتعاون مع إحدى المحلات التجارية”.
ويتابع، “أخذنا تبرعات مادية لكنها كانت على قدر سعر الحصة، لم نطلب المساعدة من أحد. أعلنّا عن حملتنا عبر وسائل التواصل الاجتماعي ورحّبنا بكل من بادر إلى المساعدة، كما رحّبنا بكل من هو بحاجة إلى مساعدة. ندرس كل حالة بحالتها، ووضعنا سلمّ اولوياتنا بحسب العائلات الاكثر حاجة ونعمل بحسب التبرعات التي تصلنا”.
ويلفت إلى أن المبادرة لا تتلقى دعماً من أحد، و”نوثق عملنا عبر مواقع التواصل الاجتماعي بالصور والمعلومات لنكون محط ثقة عند المتبرعين خصوصاً”.
بالطبع هؤلاء هم عيّنة صغيرة من المبادرات الانسانية التي أطلقت منذ بداية ثورة 17 تشرين، ومع اقتراب الأعياد. والمشترك بين كافة المبادرات هو التأكيد على الاستقلالية والحرص على الشفافية لبناء ثقة بينهم وبين المتبرعين لمساعدة أكبر عدد ممكن من الأشخاص المحتاجين والمتضررين من الوضع الاقتصادي الحالي.
لبنان بألف خير؟ نعم، لأن الإنسانية عابرة للطوائف والمناطق والاختلافات، ولبنان لا يمثله إلا شعبه وكرامته التي وضعت أولوية وكسرت كل الحواجز الوهمية. من هنا، عندما تُسألون عن لبنان، اجيبوا إنه بألف خير، لأن شعباً كشعبه لا يعرف الاستسلام، والقيامة آتية بعد الموت لا محالة.