Site icon Lebanese Forces Official Website

عام الثورة

كتب نجم الهاشم في “المسيرة” – العدد 1702

 

إذا كان لا بد من إختيار شخصية العام 2019 فهي من دون منازع ثورة 17 تشرين. هو ليس تاريخًا منزلاً ولا مقدسًا ولم يتم إختياره مسبقاً. بل كان عفويًا ولكنه صار تاريخًا أو يومًا ثابتاً في روزنامة الأحداث التي هزت لبنان. كما تاريخ 13 نيسان 1975 الذي يُعتبر التاريخ الرسمي المتوافق عليه أنه تاريخ بدء الحرب في لبنان. 13 نيسان كان يمكن أن يكون قبل ذلك. ربما في العام 1969 عندما تم توقيع إتفاق القاهرة الذي كرّس العمل الفلسطيني المسلّح في لبنان. أو في 4 أيار 1973 عندما حصلت الإشتباكات بين الجيش اللبناني والفلسطينيين وتوقفت بعد أيام. وهو كما تاريخ 8 أيار 1958 المُعتبر أيضًا تاريخ بدء أحداث «ثورة» ذلك العام التي كان يمكن أن تبدأ في العام 1957 أو في أي يوم آخر في العام 1958.

 

إنفجار 17 تشرين الشعبي كان يمكن أن يحصل قبل 17 تشرين أو بعده. ولكنه كان سيحصل. كان من شبه المُتفق عليه أن لبنان لا يمكن أن يكون أرضًا خصبة لثورة شعبية بسبب الإختلافات والإنقسامات الطائفية والمذهبية والسياسية. ولكن الإنهيار المالي والإقتصادي وتفشّي الفساد والرشوة وتجاوز القوانين وتخطي المعقول في فرض الضرائب كلها كانت كفيلة برد الفعل الشعبي الذي بدأ في 17 تشرين.

كان يعتقد البعض أن ليل 17 تشرين سينتهي مع فجر 18 تشرين. وأن المسيرات الليلية ستكون كمسيرات كثيرة سابقة إنتهت إلى لا شيء. ولكن 18 تشرين كان فجرًا جديدًا في يوميات الثورة التي كانت تولد. تعاطى الحكم والحكومة مع هذه الحركة الشعبية وكأنها مجرد حركة فوضوية بلا أهداف وبلا برنامج وبلا مستقبل. ولذلك حاولوا احتواءها ببعض الأوراق والطروحات التي كانت فقدت قيمتها وتأثيرها لأن السلطة القائمة كانت فقدت مصداقيتها وقدرتها على أن تكون جديرة بالثقة. ولذلك زادت أعداد الناس في الشوارع والساحات.

 

كانت «القوات اللبنانية» الأسرع في قراءة ما يحصل. لأن «القوات» كانت سبقت ثورة 17 تشرين في طرح المطالب التي حملتها هذه الثورة بطريقة عفوية وغير منظمة.

يوم الخميس 17 تشرين الأول الماضي عاد رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع من كندا إلى لبنان. بعدما وصل إلى معراب بدأت محطات التلفزة تنقل مباشرة على الهواء مشاهد التظاهرات الشعبية في بعض شوارع بيروت. خلال الساعات الأولى لم يكن من الممكن تقدير حجم ما يحصل. في البداية لم يكن هناك موقف من «القوات». كانت لا تزال الصورة ضبابية ولكن بعد ذلك صارت «القوات» في قلب الحدث. الشعارات التي تُرفع تشبه ما كانت تطالب به، ولكن في المقابل كان هناك من يريد أن يتهمها بالتآمر وركب موجة الثورة. تلك التهم بدل أن تؤذي «القوات» كانت تزيد من رصيدها.

عادة ما يحيط الدكتور سمير جعجع تحركاته بسرية تامة وإن كان بعض الأحيان يغامر بزيارات محددة في أوقات محددة ومفاجئة. في 30 أيلول كان البعض يعتقد أنه لا يزال في معراب عندما تم الإعلان أنه وصل إلى كندا مع زوجته النائبة ستريدا جعجع في جولة تشمل عدداً من المقاطعات الكندية يلتقي في خلالها القواعد القواتية واللبنانية هناك.

في كندا كما في لبنان لم يتغيّر خطاب جعجع. في أول أيلول في قداس شهداء المقاومة اللبنانية في معراب كان له خطاب اعتبره كثيرون نارياً لأنه سمّى فيه الأشياء بأسمائها. بعدما وصف تحركات بعض «أرانب السياسة الذين يركضون من منطقة إلى أخرى ويثيرون الغبار ويخلّفون الحصى ويعتقدون أنهم يسابقون «القوات»، معتبرا أن «من أسباب التدهور هو القصور في إدارة الدولة والعقلية الزبائنية التي تحكّمت بها فتحولت مؤسسات الدولة وإداراتها إلى مكاتب انتخابية للبعض، كما أن بعض الجماعات التي كانت تنتقد كل الممارسات الشاذة داخل الدولة من سرقة وهدر وفساد ومحسوبية وتوريث وعائلية أصبحت هي نفسها عندما وصلت إلى السلطة الشريك الأساسي والمضارب في هذه الممارسات كلها». هذه الصورة التي رسمها جعجع هي التي كانت الإنتفاضة الشعبية ضدها.

في 2 أيلول كانت هناك دعوة للإجتماع الاقتصادي في قصر بعبدا لإعلان ما يشبه حالة الطوارئ الاقتصادية. البعض اعتبر أن جعجع لن يحضر إلى القصر ولن يشارك في هذا اللقاء الذي دعا إليه رئيس الجمهورية بعد الكلام الكبير الذي قاله في معراب واعتبر كثيرون أنه موجّه إلى العهد، لأن هناك مخاطر أمنية لا يمكن إلا أن يأخذها في الإعتبار على أساس أن الوقت المحدد للقاء معلن ومكانه أيضاً والطريق إليه طويلة ومكشوفة. ولكن على رغم كل ذلك غامر جعجع وحضر. حضوره كان مفاجئاً للمشاركين أولاً وللبنانيين، كما أن كلامه كان أكثر مفاجأة عندما طلب من المشاركين الذهاب إلى حكومة جديدة توحي بالثقة والتخلي عن السلطة ودعم هذه الحكومة الجديدة التي يمكنها وحدها أن تنقذ لبنان من الإنهيار الاقتصادي، الذي كانت بشائره قد بدأت بالظهور منذ بدأ الإعداد لموازنة العام 2019 ثم لموازنة 2020، في ظل التشكيك الدولي بقدرة لبنان على الخروج من هذه الأزمة في ظل الحكومة الموجودة، وفي ظل تمنّع الدول التي وافقت على المساهمة في دعم لبنان في مؤتمر «سيدر» عن البدء بتنفيذ إلتزاماتها ما لم يكن هناك حكم رشيد يدير المرحلة السياسية.

لم تكن تلك المرة الأولى التي يطالب بها جعجع بحكومة جديدة. إعتراضه على طريقة إدارة الدولة كان سياسة ثابتة اعتمدتها «القوات» منذ بدأت المشاركة في الحكومة بشكل فاعل بعد انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية قبل ثلاثة أعوام.

في 9 تشرين الأول أعلن الدكتور جعجع من كندا أن «خيار الخروج من الأزمة في المدى المباشر هو أن نبدّل الحكومة الحالية بحكومة أخرى مختلفة، فمنذ عشر سنوات حتى اليوم نرى الأكثرية الوزارية نفسها». كانت «القوات» تجاهر بكل ذلك ولم تكن تدرك أن مطالبها ستكون في أول لائحة مطالب الثورة. بعد يومين فقط إتخذت القرار الذي أجّلته أكثر من مرة وأعلنت إستقالة وزرائها الأربعة من الحكومة. وتركت لمن تبقّى في السلطة والحكومة مواجهة مطالب الثورة.

لقد حاولت القوى المعارضة للثورة في تحالف «التيار الوطني الحر» و»حزب الله» التصويب على «القوات». قالوا إنها تريد أن تركب موجة الثورة واستغلالها وإنها تقطع الطرقات في الشيفروليه وجل الديب وزوق مصبح وجونيه وجبيل وشكا والبترون، وأنها عادت إلى الحواجز، تفرض الخوات، تقوم بمحاولة إنقلاب على العهد وتحرّك التظاهرات من وراء الستارة، وقد اعتبروا أن إستقالة وزراء «القوات» لم تكن إلا من ضمن هذه الخطة. ولكن كل هذه الإتهامات لم تفسر كيف أن «القوات» يمكن أن تؤثر أيضاً في طرابلس والنبطية وصور وبعلبك وصيدا…

خلال 12 يوما إستطاعت الثورة أن تثبت أنها أقوى من محاولات الإحتواء بالحيلة أو المنع بالقوة. ظهر أنها تقف في مواجهة مع تحالف أطراف السلطة الذي تمسك بالرئيس سعد الحريري لمنعه من تقديم إستقالته بينما كان الجيش اللبناني يتفهم في أكثر الأحيان مطالب الثورة ويمتنع عن قمعها بالقوة مما أثار الكثير من الإنتقادات التي وجهها تحالف السلطة إليه. هذه المرحلة من عمر الثورة إنتهت بإعلان الرئيس سعد الحريري إستقالة حكومته في 29 تشرين الأول ليتحقق الهدف الأول من المطالب، وليبدأ العمل على تحقيق الهدف الثاني بتشكيل حكومة جديدة مستقلة تضم إختصاصيين يوحون بالثقة ويستطيعون إنقاذ الدولة والشعب من الهاوية.

بعدما نفذ الجيش عملية فتح الطرق لم تتوقف الثورة. نزل التلامذة والطلاب إلى الشوارع وانتفضت الساحات بطاقات متجددة وفي كل يوم كانت تطل بتحرك جديد. صحيح أنها لم تكن حاشدة على مدى الأيام المتعاقبة ولكنها دائمًا كانت حاضرة وفي أكثر من مكان ومناسبة. منذ البداية تعاطى معها «حزب الله» بأنها تستهدفه وأنها تحمل أهدافاً خارجية وترتدي وجه المؤامرة. وتجلى ذلك في إطلالات الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله وفي الغارات التي شنها مؤيدون للحزب ولحركة «أمل» على تجمّعات المعارضة في أكثر من ساحة ولكن بعد كل غارة كانت الساحات تستعيد حضورها وفاعليتها.

سقطت أكثر من محاولة لتشكيل حكومة جديدة تشبه الحكومة المستقيلة. وبقي مطلب الحكومة المستقلة هو الأساس. وبقيت المشكلة بين حدين: حد تحدي الثورة ومحاولة قمعها بالقوة وبالفوضى. وحد انتظار الظروف التي تتيح الوصول إلى هذه الحكومة.

 

رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل أعلن عزوفه مع التيار عن المشاركة في الحكومة الجديدة طالما أن الرئيس سعد الحريري مرشح لتشكيلها ويريدها من دون سياسيين. و»حزب الله» متمسك بالحريري ولكن بحكومة تكنوسياسية ويريد تلافي تحول الصراع سنيًّا ـ شيعيًا، وهو لذلك لم يساير العهد في الذهاب نحو حكومة من لون واحد لأنها تفاقم المشكلة في ظل تمسك المجتمع الدولي بما تطالب به الثورة. وبالتالي إن التأخر في اعتماد هذا الخيار سيؤدي إلى بقاء الثورة في الشارع مستفيدة من الإنهيار الإقتصادي الذي سيكون السبب الرئيسي في بقاء الناس في الشوارع ورفد الثورة بجرعات جديدة من الدعم ولذلك ستبقى مستمرة حتى إشعار آخر. وحتى يصبح ثمن القبول بمثل هذه الحكومة أقل من ثمن الإنتظار والرهان على تعب الثورة واستسلامها وانسحابها من الشارع لأن ما يهم هذه الثورة ليس رئيس الحكومة فقط بل الحكومة التي ستتشكل.

سواء حققت الثورة أهدافها سريعًا أو طال انتظارها وسواء انهزمت وتراجعت إلا أنها ستبقى حية كتجربة رائدة في تاريخ لبنان وسيبقى 17 تشرين محفورا في ذاكرة السنين وذاكرة شعب وذاكرة وطن. وستبقى «القوات اللبنانية» في قلب الثورة حتى تحقيق أهدافها.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com

Exit mobile version