
بعد أكثر من شهرين على انطلاق الثورة التي تلتها استقالة رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري بعد أيام، ومسلسل التخبط لدى السلطة الحاكمة ومناوراتها المتوالية المترافقة مع الشغب المفتعل في الشارع، قرر حزب الله، بالتضامن مع العهد وفريقه، وقف المسلسل وخلع الأقنعة وقفازات الحرير، ورمى تكليف حسان دياب بتولي تشكيل الحكومة الجديدة، من طرف واحد، مدمغاً بتوقيع الحزب الفاقع.
وعلى الرغم من وعد الرئيس المكلف بتشكيل حكومة من شخصيات متخصصة ومستقلة، وانفتاحه على الحوار مع الثوار لتلبية مطالبهم المحقة، طالباً منحه مهلة ستة أسابيع لتأكيد وعوده وولادة الحكومة، تبقى العبرة في التنفيذ، وعند استحقاق موعد الامتحان الذي حدده دياب “يُكرم أو يهان”. علماً أن الشارع يغلي رفضاً لهذا التكليف، وخصوصاً الشارع السني، احتجاجاً على امتهان الميثاقية في تعيين الرئيس المكلف، فيما الحريري يغرّد عبر “تويتر”: “يلي فعلاً بحبني يطلع من الطرقات فوراً”.
في السياق، تتوقف مصادر مطلعة لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، عند “توقيت الخطوة التي أقدم عليها حزب الله، قبل ساعات من وصول مساعد وزير الخارجية الأميركية للشؤون السياسية ديفيد هيل إلى لبنان، كمحاولة لفرض أمر واقع يمنح الحزب عنصر المبادرة في المفاوضات، سواء الحاصلة أو اللاحقة، مع المجتمع الدولي، حول المرحلة المقبلة”.
وتشير إلى “المواقف التي أطلقها هيل عقب لقاءاته مع رئيسَي الجمهورية ميشال عون ومجلس النواب نبيه بري والحريري، وتشديده على أنه “لا بد من وضع المصالح السياسية جانباً وتشكيل حكومة قادرة على تحقيق الإصلاحات ومطالب المتظاهرين”، وتقصّده التأكيد على دعوة بلاده “القوى الأمنية إلى مواصلة ضمان سلامة المتظاهرين السلميين”. ما يعني من وجهة نظرهم أن “واشنطن لم تمنح بركتها الواضحة للتطور الحكومي الجديد، لكنها لم تقفل الباب بانتظار ما سيكون”.
من جهته، يرى المحلل السياسي الياس الزغبي، أن “عرض التكليف في قصر بعبدا، كان نوعاً من المشهد السياسي العبثي في عملية فرض لخيار واتجاه سياسيين بشكل فاقع، والنتيجة ستكون حكماً على قاعد المعادلة المعروفة (كل مفروض مرفوض)”.
ويعتبر، في حديث إلى موقع “القوات”، أن “هذه التجربة الصعبة والخطيرة التي أنتجت هكذا تكليف، تعني أن هناك فريقاً أحادياً فرض مشيئته وإرادته على سائر الأفرقاء”، مشيراً إلى أن “الفريق الشيعي، من خلال بعض تحالفاته في بعض الطوائف الأخرى، فرض رئيساً مكلَّفاً للحكومة على ثلاث أكثريات: السنية والمسيحية والدرزية. وهنا تكمن الخطورة، في تغيير الموازين الوطنية اللبنانية التاريخية”.
ويلفت بناء على ذلك، إلى أن “قدر هذا التكليف سيكون محفوفاً بمخاطر كثيرة. فالأخطر في عملية الفرض هذه، ليس فقط تجاهل أو تجاوز الأكثريات الثلاث وكسر القاعدتين المتَّبعتين منذ سنوات بعيدة، أي الميثاقية والقوي في طائفته، بل إن الأخطر هو أنهم تجاوزوا إرادة الناس المنتفضين في الساحات والشوارع منذ أكثر من شهرين”.
ويشدد الزغبي على أن “هذه الخطورة ستؤدي إلى عزلتين: فالفريق الذي سيتولى الحكم باللون الواحد والشكل الأحادي، سيعرض نفسه لعزلة داخلية من هذه الأكثريات الثلاث أولاً، والأهم من الأكثرية الشعبية المنتفضة تحت عنوان الثورة أو الانتفاضة اللبنانية.
ثم هناك العزلة الخارجية تجاه هذه الحكومة، العربية والدولية، وهي أشد إيلاماً، والتي يقرّ الجميع ويعلنون، في الغرب والشرق، أنها حكومة حزب الله. ولا أحد يستطيع إقناع الإعلام والرأي العام الغربي والعربي والحكومات الغربية والعربية، بأن حزب الله بريء من هذه الحكومة، فهو فرض الاسم الذي يريده ولو تحت ستار تقني أو تكنوقراطي أو أستاذ جامعي وما إلى ذلك”.
ويذكّر أن “دياب معروف منذ توليه وزارة التربية في حكومة حزب الله الأولى، أي حكومة الرئيس نجيب ميقاتي العام 2011، أنه محسوب على فريق 8 آذار بشكل أو بآخر. وما نبش اسمه بشكل مفاجئ سوى تأكيد بأن المسألة كانت تدار بهذه الطريقة المريبة للوصول بالنهايات إلى هكذا اسم أو تكليف. فالمسألة لم تكن بنت ساعتها، بل نتيجة تراكم خيارات وقرارات في الغرف السرية المغلقة التي يديرها حزب الله، بالتعاون والتكافل والتضامن مع العهد وفريقه”.
ويشير الزغبي إلى أن المشكلة ليست في اسم الرئيس المكلف، بل في الجسم الحكومي والتشكيلة الحكومية. فهل تكون الحكومة فعلاً من اختصاصيين مستقلين كما تطالب الثورة والساحات المنتفضة، أم تحت ستار بعض التكنوقراط يعيدون وضع وتأسيس حكومتهم تحت عنوان التكنو ـ سياسية؟”.
ويضيف، “المسألة هنا. فما يتم تحضيره، لكن بصعوبة حكماً، حكومة فردية فئوية وحكومة اللون الواحد والغلبة، أو حكومة المواجهة كما تتحدث الأوساط القريبة من حزب الله، ويدّعون أنها مواجهة للأميركيين وللمؤامرة الخارجية. وفي الحقيقة، الاسم الذي اختاروه لتشكيلها هو من ضمن بيئة محسوبة بشكل أو بآخر في الجامعة الأميركية على الاتجاه الأميركي العام”.
وفي هذه النقطة، يلفت الزغبي إلى أنه “من الممكن أن حزب الله يحاول أن يفتح مسلكاً حوارياً مع واشنطن والغرب عموماً، من خلال التشكيلة الحكومية التي ينوي صياغتها، وبذلك يتفادى ردة فعل قاسية من قبل الولايات المتحدة وأوروبا والعرب”.
ويشير إلى أن “هذه المسألة مطروحة الآن ويجب مراقبتها خلال الأيام القليلة المقبلة. ولا بد من مراقبة حركة الموفد الأميركي هيل، كي نعرف ما إذا كان هناك نوع من قطبة مخفية في العلاقة ما بين هذا الإسراع في تسمية رئيس مكلف قبل ساعات من وصوله إلى بيروت؟ أو أن المسألة مرتَّبة بشكل أبعد من الظاهر ومن الاتجاهات السياسية المكشوفة والمعروفة وهناك ما هو أعمق؟”.
ويرى الزغبي أنه “لا يمكن بعد الحسم في الأمر، وما إذا كان حزب الله تمكن من كسب موافقة غير مباشرة من المجتمع الدولي على اسم دياب تحديداً وتشكيل حكومة معينة في المرحلة اللاحقة. كما أنه يمكن في الداخل البناء على حركة أو إشارات الحريري، باستقباله رئيس الحكومة المكلف والضغط الذي يمارسه على الشارع السني تحديداً لوقف حراكه وقطع الطرقات”.
ويضيف: “لعل الرئيس المكلف، في جولته على رؤساء الحكومات السابقين والخطاب الهادئ لاحتواء غضب الناس، يلبِّي نصيحة مكلِّفيه بأن يمدّ الكف الناعمة كي يمرروا هذه العاصفة الشعبية بأقل خسائر ممكنة، وكي يتمكنوا من أن يؤسسوا حكومتهم في أجواء هادئة نسبياً”.
