الشعب يريد إسقاط النظام

مع اندلاع الثورة اللبنانية في 17 تشرين الأول 2019، علت هتافات تطالب بإسقاط النظام. فأي نظام يطالب الثوار بإسقاطه؟ اهو النظام اللبناني الدستوري والمؤسساتي الذي ولد مع ولادة الدولة اللبنانية أم النظام الطائفي أم يريد اسقاط الطبقة التي يعتبرها فاسدة والمتمثلة في هذا النظام السياسي.

وعلى وقع الثورات خصوصاً مع بداية الربيع العربي العام 2011، كان هناك مطلب موحد في تلك الثورات وهو إسقاط النظام، لكن الفارق ان هذه البلدان كانت تتوغل فيها الانظمة الديكتاتورية والتيوقراطية (الحاكم هو ممثل الله)، اما في لبنان الذي يتمتع بنظام ديمقراطي والشعب هو مصدر السلطات يعتبر اول دولة في العالم تندلع فيه ثورة وتطالب بتغيير هذا النظام.

يتمتع لبنان بنظام برلماني وقائم على مبدأ فصل السلطات وتوازنها بحسب الفقرتين “ج” و”ه” اللتين تنصان على أن “لبنان جمهورية برلمانية” و”النظام اللبناني قائم على مبدأ فصل السلطات وتوازنها وتعاونها”. فالنظام الديمقراطي البرلماني بقدر ما يؤكد على فصل السلطات وتوازنها يؤكد ايضا على التعاون بين هاتين السلطتين.

استورد لبنان نظامه السياسي من “امنا الحنونة” فرنسا تلك التي عدلت نظامها ولبنان أبقى عليه. فديمقراطية الدستور اللبناني تؤكد ان الشعب مؤلف من افراد لا من جماعات طائفية ولا قوة سياسية او حزبية للهيئات والنقابات بنظر الدستور.

دستورياً، يتجلى النظام الديمقراطي في لبنان بحق السلطة التنفيذية بحل مجلس النواب والمسؤولية الوزارية امام هذا الأخير، غير ان الواقع السياسي والعملي ادى الى انحراف العمل الدستوري نتيجة الطائفية التي أصبحت ركناً من اركان الدولة، والتي ادت الى انقسام جميع مؤسسات الدولة واداراتها خصوصاً مجلس النواب الذي أصبح متجزئاً لشِيَع وفئات متنافرة وكل فئة تعمل لمصلحة طائفتها، بدلا من أن يكون النائب ممثلاً للأمة، فهذه العوامل أدت إلى شرذمة السلطة الشعبية المتمثلة بمجلس النواب، فكان من نتيجتها اختلال التوازن السياسي بين أعضاء الدولة حتى أصبح من المؤكد انحراف الدستور عن واقعه البرلماني.

على الأرض، طغت التوازنات الطائفية على الأصول والقواعد البرلمانية: فالمشاركة الطائفية والتوافقية أدت الى حصر اتخاذ القرار بالرؤساء الثلاثة، كما لا اكثرية برلمانية داعمة للحكومة وأقلية معارضة تراقب عمل الحكومة. فمنذ اتفاق الطائف والحكومات المتتالية هي حكومات “وحدة وطنية” اي الجميع متمثل فيها، اما الترويكا الرئاسية شكّلت انتهاكاً لمبدأ فصل السلطات وأثرت سلباً على دور مجلس النواب المراقب لعمل الحكومة، وذلك بسبب الأدوار المتبادلة في ما بينها لتأمين مصالحها تحت غطاء “الوحدة الوطنية” على حساب الشعب.

ولا بد من ذكر الوضعين الاقتصادي والاجتماعي المذري. فنسبة البطالة تخطت الـ40% واكثر من 37% من الشعب اللبناني تحت خط الفقر واصبح الانهيار الاقتصادي هو حديث الساعة. كل هذه العوامل جعلت من خلق روح من النقمة بداخل اللبنانيين تجاه هذا النظام. فعند اندلاع الثورة، نزل اللبنانيون ليس لتغيير الدستور ولا لتغيير النظام البرلماني والديمقراطي، بل ارادوا وضع حدّ للمحاصصات وللسمسرات والتسويات، ارادوا ان يسقطوا هذه الطبقة الفاسدة التي استخدمت الطائفة كغطاء لتمرير صفقاتها وتسوياتها التي تنتهك كل الاعراف والقوانين الدستورية.

نزل الشعب اللبناني وانتفض على كل هذه التركيبة ليقول كفى لكل هذه المخالفات، نزل ليطالب بالدستور وبتطبيقه، نزل ليقول كفى للطائفية وللتفرقة بين ابناء البلد الواحد، ليطالب بقضاء عادل ونزيه وغير مسيس وتكون احكامه باسم الشعب اللبناني لا باسم الزعيم. نزل لينتفض على هذه التركيبة التي لا تمت بالدستور وبالنظام اللبناني بأيِ من الأشكال، لا ضد النظام.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل