الإنهيار تخطى الخطوط الحمر… فتِّش عن الدولار

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1702

 

كان العام 2019 عاما مفصليا بامتياز على الصعيد الإقتصادي.وربما أرّخ لفترة هي من أدق المراحل التي عرفها لبنان منذ قيام الجمهورية.الضغوط الإقتصادية والمالية التي كانت تتجمع غيومها منذ سنوات، بدأت تميل إلى السواد أكثر في مطلع العام 2019، منذرة بعام عاصف. وبحسب معظم الخبراء والمراقبين كان يمكن التخفيف من حدّة الأزمات الزاحفة، لكن أحدا لم يبادر ولم يستمع لمن بادروا وحذّروا. وفي عرض ومقارنة لأرقام النشاط الإقتصادي والمالي خلال العام يتبين أن بعض الإيجابيات الخجولة في الفصلين الأول والثاني، تبددت في النصف الثاني من العام لتلامس في الفصل الرابع الخطوط الحمر وتبلغ المحظور. فالعام 2019 كان عام الأزمة بامتياز، لكنه في الوقت عينه عام التأسيس للإنفراج الآتي كما يتوقع المحللون. فكيف تطور الوضع؟ وكيف يرى الإقتصاديون المخارج والوضع بعد الإنفجار؟

بفعل ضخامة الأحداث الإقتصادية وتسارعها في الفترة الأخيرة، تشوَّشت الصورة أمام الجميع تقريبًا. فكان التطلّع أكبر لما يقوله المحللون الإقتصاديون لتلمّس ما يحمله المستقبل وكيف يجدر بهم التصرّف. فماذا حملوا في جعبهم، سواء من عرض لتوالي الأحداث ومخاطرها، أو من اقتراحات حلول لكيفية الخروج من الأزمة وإعادة وضع قطار الإقتصاد على سكة النمو من جديد؟

 

وقائع وأحداث وأزمات

يرى البروفسور جاسم عجاقة أن «تراجع الوضع الإقتصادي والمالي في لبنان يعود من دون أدّنى شكّ إلى الفساد المُستشري وإلى غياب السياسات الإقتصادية على مر العقود. ألاف الصفحات من الخطط والإجراءات الإصلاحية تمّت كتابتها من دون أن يُطبّق منها شيء، وفي كل مرّة كانت الأحداث الأمنية والخلافات السياسية تُشكّل الحجّة الأساسية لعدم تطبيق الإصلاحات والخطط». ويضيف عجاقة أنه «مع زيادة مدخول المواطنين وبالتالي زيادة الإنفاق، بدأ الإستيراد من الخارج بالإرتفاع بهدف سدّ حاجة السوق المحلّي التي زادت مع غياب صناعات وزراعات تُلبّي الطلب. وأدّى غياب الدعم لقطاعي الصناعة والزراعة إلى فقدان تنافسية البضائع اللبنانية أمام البضائع المُستوردة وبأرقام خيالية وصلت إلى أكثر من أربعين في المئة من الناتج المحلّي الإجمالي».

من جهة ثانية، نبّه عجاقة إلى أن «العقوبات الأميركية قد تطال إستيراد السلع والبضائع، وهذا الأمر وحده سيُعقّد الواقع الإجتماعي مع عدم قدرة لبنان على الإستيراد. ومن الناحية المالية، فإن فرض قيود على تحاويل المغتربين اللبنانيين وعلى تدفقات المودعين والمُستثمرين، سيؤدّي إلى مزيد من التراجع الداخلي في النشاط الإقتصادي والتراجع في المالية العامّة، وهذا ما قد تكون عواقبه وخيمة بحيث لا يخرج منها لبنان سليمًا».

الخبير الاقتصادي الدكتور إيلي يشوعي اعتبر أن لبنان أصبح أمام حائط مسدود من الناحية الاقتصادية، مشيرا إلى أن العملة المحلية قد تنهار، وقد يتم التوقف عن دفع الديون ما لم يتم تدارك الأمور وتشكيل حكومة من اختصاصيين. ورأى يشوعي أن تداعيات خفض العملة -إن حصل- يتجلى في ارتفاع الأسعار وزيادة الغضب الشعبي في كل المناطق، لافتا إلى أن لبنان لن يحصل بسرعة على عملات صعبة، سواء في إطار برنامج «مؤتمر سيدر» للدول المانحة لدعم لبنان أم عبر إقتراض خارجي، نظرا إلى ظروف البلاد المالية وتصنيفاتها السلبية وفقدان الثقة بالطبقة السياسية.

وأوضح يشوعي أن الاستثمارات العربية شكلت سابقا ما بين أربعة وخمسة مليارات دولار سنويا، كما أن تحويلات اللبنانيين في الخارج كانت بحدود التسعة مليارات دولار، عدا عن إتاحة باب الاقتراض الخارجي. وقال إن هذه الظروف المؤاتية حجبت الأخطاء والمشكلات الداخلية، لكن تبدل الأمور منذ العام 2011 بعد الأحداث والحروب في المنطقة، إضافة إلى تقلبات أسعار النفط، جعلت تأمين عملات أجنبية أمرا صعبا. واعتبر أن حجم الدين، والحاجة إلى تمويله، إضافة إلى الهدر والسرقات وخروج الرساميل جعلت احتياط المصرف المركزي يتراجع بشكل دراماتيكي.

مدير الدراسات في بلوم إنفست مروان مخايل يصف العام 2019 بأنه كان عام القلق على المدخرات والقدرة الشرائية والمستقبل عموما. فعلى الصعيد الاقتصادي، تم تقييد النمو في الاقتصاد اللبناني بين 0 في المائة و0.5 في المائة في الأشهر التسعة الأولى من العام 2019، لكن التضخم ظل ضعيفًا. أما نشاط القطاع الخاص فتوقف عند أدنى مستوى له على الحد الفاصل بين الإنكماش والنمو. ولفت إلى أنه ضمن بيئة من معدلات الفائدة المرتفعة والتباطؤ المستمر، بشكل ملحوظ في العقارات وسوق الإسكان، كانت السياحة نقطة مضيئة في بداية العام 2019 حيث نمت بنسبة سنوية بلغت 8.3 في المائة في النصف الأول منه، بالقرب من أعلى مستوياتها المسجلة في العام 2010. أما العجز في ميزان المدفوعات فزاد بشكل كبير في العام 2019 حيث وصل إلى 5.3 مليارات دولار في الأشهر السبعة الأولى من العام في مقابل 4.8 مليارات دولار في العام 2018. كما تدهورت بشكل كبير مؤشرات الضغوط المالية الأخرى مثل التخلف عن سداد القروض.

وأضاف أن التدابير التقييدية التي تعتمدها البنوك ستجعل من غير المرجح أن يتدفق رأس المال إلى الاقتصاد، حيث سيصبح المستثمرون قلقين بشأن خطر عدم القدرة على سحب الأموال من النظام المصرفي، وبالتالي، سوف يصبح جذب الأموال أكثر تعقيدا، وسيتعين على الاقتصاد الإعتماد على مخزونه الحالي من الأصول الأجنبية لتمويل وارداته من السلع والخدمات. لكن ستنخفض الواردات نتيجة لذلك وستظل تشكل المشكلة الرئيسية. ولفت إلى أن المصدر الآخر الذي يستنزف الودائع، هو السحب النقدي من البنوك. فهذا المال يتم حفظه في صناديق آمنة في المنازل. وقد وصلت المبالغ النقدية المسحوبة من البنوك في شهري تشرين الأول وتشرين الثاني إلى أكثر من2.5  ملياري دولار. ويشير إلى أن العجز المالي في العام 2019 كان كبيرا على خلفية ضعف الثقة، وتباطأ النشاط الاقتصادي بشكل كبير وبدأت البلاد في دخول الركود وجميع مؤشراته كانت ظاهرة.

 

مخارج مقترحة للحل

في ظلّ هذا الواقع يجدر السؤال عمّا هي الحلول الناجعة التي يمكن أن تُخرِج لبنان من هذه الأزمة الإقتصادية والمالية والنقدية التي تنعكس على الماليّة العامة والواقع المعيشي والسياسي في العام 2020؟

رئيس مجلس إدارة بلوم بنك سعد الأزهري قال في هذا السياق: «رغم أن لبنان يمر بمرحلة صعبة، فإن الإصلاحات الاقتصادية الجادة ستنفذ في نهاية المطاف في جوانب مرتبطة بالاستدامة المالية والحوكمة والمشاريع الحكومية وجودة بيئة الاستثمار. ويرى الأزهري أن التعهدات التي حصل عليها لبنان في مؤتمر «سيدر»، بالإضافة إلى عمليات التنقيب عن النفط والغاز في البحر المتوسط أمام السواحل اللبنانية والتي ستبدأ في كانون الثاني من العام 2020، سيؤديان إلى إحداث تحوّل في الإقتصاد اللبناني على نحو مستدام.

من جهته شدّد الباحث في الشؤون الإقتصادية والمستشار السابق في البنك الدولي الدكتور روك – أنطوان مهنا، على وجوب أن تشارك المصارف في الحلول انطلاقًا من المسؤولية الإجتماعية لاسيّما وأنّها استفادت من الهندسات المالية، فتعمد في الفترة الراهنة إلى زيادة رساميلها بنسبة 10 في المئة من اليوم وحتى رأس السنة، وزيادة 10 في المئة إضافية خلال الأشهر الستة الأولى من السنة المقبلة بحيث تصل إلى نسبة الـ20 في المئة المطلوبة من مصرف لبنان. فالمصارف تملك الكثير من الأصول، ولديها استثمارات بأصول خارجية، واحتياط إلزامي في المصرف المركزي، كما لديها أصول مع البنوك المراسلة لها بقيمة 9 مليارات دولار، واستثمارات خارجية بقيمة 22 مليار دولار. وبالتالي في ظل الأزمة الراهنة لا بد من تسييل بعض هذه الاصول وتحويلها من الخارج الى لبنان. ويكفي أنّ تحوّل المصارف 6 مليارات دولار فقط من أصولها في الخارج من أصل 22 مليارا لتنحل الازمة.

وبالتوازي مع تسييل بعض ما تمتلكه المصارف من أصول أجنبية في الخارج وتحويلها الى لبنان بأسرع وقت، يجب العمل على الإسراع في تأليف حكومة تستعيد ثقة اللبنانيين والمجتمع الدولي، وعندها تتكامل الخطوتان المصرفية والحكومية، وتشكّلان منطلقًا للحل، تنصرف بعده الحكومة العتيدة لتنفيذ رؤية اقتصادية إصلاحية شاملة وحقيقية. وليس هناك من خلاص سوى بوقف الهدر ومكافحة الفساد بشكل جديّ ومتكامل وإلا فسندخل في نفق مجهول لسنوات طويلة. ويبقى المهم أنّ عامل الثقة يشكّل مرتكزًا محوريًا للخروج من الأزمة، والمسؤولية ملقاة على عاتق السلطة السياسية بالدرجة الأولى بدءًا بأعلى الهرم، من خلال حكومة تحدث صدمة إيجابية. وإذا سلمنا جدلًا بنظرية المؤامرة على لبنان، فسياسة الهروب إلى الأمام التي تنتهجها السلطة وإنكارها لمشهدية 17 تشرين سيجعلها من أكبر السلطات المتآمرة على شعبها .

ويعتبر مهنا أن الـ Hair cut خطير ويُعد بمثابة «انتحارٍ استراتيجيٍّ» لاقتصاد لبنان لأنّ الميزة التفاضلية في المصارف اللبنانية أنها جذبت التحويلات من الخارج والتي تعتبر خشبة خلاص لسدّ العجز في ميزان المدفوعات، والمسّ بها عبر هكذا إجراءات ستكون كلفته باهظة على الدولة. ويشدّد على «ضرورة أن تبادر الدولة الى اتخاذ إجراءات تُعيد ثقة المجتمع الدولي عبر اعتماد آليات مُحدَّدة في إدارة الدولة أبرزها الكفاءة، وتقشف المسؤولين من رؤساء ووزراء ونواب وموظفي الفئة الأولى من مخصّصات سفر مفروشات صيانة تجهيزات مؤتمرات الأبنية المستأجرة وتوحيد العطاءات…»

وبعد هذا التوصيف والشرح للخيارات التي يتم التداول بها، يطرح مهنا الحل المناسب لامتصاص الأزمة من خلال إعادة النظر بسلسلة الرتب والرواتب عبر تجزئتها لثلاث سنوات على الأقل، وهذا الحل برأيه أقل ضررا ومستدام، لأن الاستمرار على هذا النحو قد يقودنا الى التجربة اليونانية حيث أُجبرت الحكومة على تخفيض رواتب القطاع العام أكثر من الثلث. إضافة إلى القيام بورشة اصلاح في القطاع العام واقفال المجالس والصناديق الفرعية والإدارات غير المنتجة والبدء بورشة الإصلاح واعتماد موازنة تقشفية كي نقول بوضوح أمام المجتمع الدولي إننا بادرنا الى خطوات إنقاذية جدية علها تعيد للبنان الثقة المفقودة.

الخبير مروان مخايل يقول إن هناك سؤالا واحدا في أذهان الجميع: هل لا يزال ثمّة مخرج من الأزمة الحالية، أم أننا سنقع في الهاوية مع تدهور شديد لجميع المؤشرات الاقتصادية ما يمكن أن يؤدي إلى عواقب وخيمة؟ بالإجابة عن هذا السؤال يشدد مخايل على تشكيل الحكومة ووضع الدولة على المسار الصحيح من الإصلاحات. فالقضية الأكثر إلحاحا هي إستعادة ثقة المستثمرين من أجل أن تكون الحكومة قادرة على فرض تدابير على البنوك التجارية ورأس المال لبدء تدفّقه من جديد. إذ مع تشكيل حكومة تحظى بدعم دولي، ستصبح المشكلات أسهل، حيث إن تدفق الودائع من حكومات دول مجلس التعاون الخليجي يتراوح بين 7 مليارات دولار و10 مليارات دولار كودائع في مصرف لبنان، سيكون أيضا حيويّا جدا لدعم الثقة. ويؤكد أن بإمكاننا الخروج من الأزمة من دون «Hair cut» على الودائع وخفض قيمة العملة. ولكن إعادة هيكلة الدين الحكومي، هي الأفضل من أجل تخفيف العبء عن المالية العامة.

وشدد مخايل أنه لاستعادة ثقة المستثمرين، يتعين على الحكومة وضع جدول زمني واضح للإصلاحات، بدلاً من مجرد ذكر قائمة المشاريع، وخفض العجز المالي بنسبة 1 في المائة سنويًا، إلى جانب الإصلاحات وتأمين الحصول على أموال «سيدر». لكن ما يعوّل عليه لصنع الفرق هو التنقيب عن النفط والغاز الذي سيبدأ مطلع العام 2020، خصوصا إذا ما تم اكتشاف كميات تجارية بدءا من المراحل الأولى للحفر. في هذه الحالة، سوف تتبدّل توقعات المستهلكين والمستثمرين بشكل كبير مع وجود تأثير إيجابي على الاقتصاد، ولكن الأهم من ذلك، أنها ستكون قادرة على تحويل الحلقة المفرغة إلى دورة إيجابية. كما يجب على النظام المصرفي التحرك باتجاه خفض أسعار الفائدة، فهذه الخطوة سوف تؤدي إلى انخفاض في تكلفة الأموال للبنوك، ولا سيما بالدولار، فتتحرك البنوك بعد ذلك لتخفيض الفوائد على ديون الشركات والبدء في تقديم القروض لها من جديد.

في المحصّلة يمكن القول إن الإقتصاديين اتفقوا حول نقاط ثلاث جوهرية لحل الأزمة: تشكيل حكومة إختصاصيين مستقلين توحي الثقة، والمبادرة فوراً إلى إجراءات تقشفية وضبط الهدر في الإدارة وإصلاح المسار الإنحداري للمالية العامة، وثالثا بروز بوادر جدية بالنسبة للتنقيب عن النفط والغاز. فهل يمنح العام 2020 اللبنانيين ما حجبه عنهم العام 2019 دافعا بهم إلى قعر الهاوية؟

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل