
تتنافس وكالات التصنيف والمصارف الدولية على تحليل الوضع الاقتصادي للبنان، بعضها يحذر من الازمة المالية ويحض المسؤولين على اجراءات اصلاحية يمكن أن تفرمل حدة الانهيار، وبعضها الآخر يذهب بعيدا في نعي الأوضاع المالية مشككاً في قدرة لبنان على تسديد ديونه بالعملات الأجنبية.
وفي عتمة النفق الذي فرضته الظروف السياسية، جاء تقرير لمصرف “غولدمان ساكس” بعنوان “هل تخلُّف لبنان عن سداد الديون الخارجية أمرٌ محتوم؟” ليضيء شمعة ولو خافتة في طريق اعادة تصويب الآراء في الوضع الاقتصادي، فاعتبر “أن قدرة الحكومة اللبنانية على السداد هي على الأرجح أعلى مما تتصوره الأسواق، وأنه قد يكون كافياً تطبيق إصلاحات مالية مقرونة بإعادة هيكلة الديون الداخلية لتصويب مسار المالية العامة وتثبيته على أسس مستدامة من دون التخلف عن سداد الديون الخارجية. ولكن ذلك رهنٌ بتحلّي الحكومة بالإرادة السياسية لتطبيق الإصلاحات الاقتصادية الضرورية وترسيخها في المدى الطويل على رغم ما قد يترتب على ذلك من مخاطر على الاستقرار الاجتماعي”.
وأشار قسم الأبحاث الاقتصادية في المصرف إلى أن العجز في الحساب الجاري والعجز المالي هما في صلب الأزمة الاقتصادية الراهنة. وقد تسبب خروج الرساميل المتواصل في إطار ميزان المدفوعات بتراجع حاد في السيولة بالعملات الأجنبية في الأعوام القليلة الماضية، ما أدّى إلى تقويض ثقة المودعين، واقتضى فرض قيود على السحوبات والتحويلات (كابيتال كونترول) الأمر الذي يُلحق أذى شديداً بالآفاق الاقتصادية في المدى المتوسط. وتبلغ نسبة الدين العام أكثر من 150% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما تستهلك الفوائد نحو 10% من هذا الناتج، ما يثير مخاوف بشأن استدامة المالية العامة.
هذه الاختلالات المستمرة على المستوى المالي تزيد مخاوف المودعين والمستثمرين في ما يتعلق بالنظرة الاستشرافية الاقتصادية وتراجع آفاق النمو، وتتسبب أيضاً، استناداً الى التقرير، باختلالات على الصعيد الخارجي، وذلك لسببَين: أولهما أن المستويات المرتفعة من الإنفاق الحكومي ساهمت مباشرة في عجز الحساب الجاري عبر خفض المدخرات الوطنية. وثانيهما أن عبء الديون المتضخمة تسبب بتراجع الاستثمار العام وضعف نمو الإنتاجية، مع ما يترتب على ذلك من عواقب سلبية على المنافسة في قطاع السلع القابلة للتداول التجاري.
ولفت التقرير إلى أن الترابط بين الاختلالات على المستويين المالي والخارجي في لبنان يستدعي إجراء إصلاحات واسعة لمعالجتها. وفي حال اللجوء إلى إعادة هيكلة الديون، يجب أن يندرج هذا الإجراء في سياق مجموعة أوسع من الإصلاحات الاقتصادية ويصب في إطار مجهود مستمر لضبط أوضاع المالية العامة.
وتوقّف معدّو التقرير عند العائدات الضريبية التي تبلغ نسبة 14% من الناتج المحلي الإجمالي وتعتبَر منخفضة وفقاً للمعايير الدولية. واعتبروا في هذا السياق أن رفع الضريبة على القيمة المضافة من 11 إلى 17%، انسجاماً مع المعدل الإقليمي، يساهم في زيادة إيرادات الموازنة بواقع 2.5 نقطتَين مئويتين من الناتج المحلي الإجمالي. غير أن التداعيات السياسية (والاقتصادية) لمثل هذه الخطوة على عامة الناس تحول على الأرجح دون الإقدام عليها في المدى القريب. والدليل على ذلك أن شرارة الاحتجاجات الحالية انطلقت بفعل اقتراح فرض ضريبة متواضعة على الاتصالات بواسطة التطبيقات الإلكترونية.
وفي ما يتعلق بالإنفاق، استحوذت 3 مكوّنات أساسية على 120% من الإيرادات الحكومية العام الماضي، وهي الخسائر في مؤسسة كهرباء لبنان، والرواتب، والفوائد. ولذلك يجب أن يركّز ترشيد الإنفاق الحكومي على هذه المجالات الثلاثة:
– إصلاح قطاع الكهرباء: تُقدر الخسائر في شركة كهرباء لبنان بنحو 50% من عبء الدين العام. من شأن تطبيق إصلاحات قطاع الكهرباء التي أقرّها مجلس الوزراء في نيسان الماضي أن يساهم في الحد من خسائر مؤسسة الكهرباء في المدى المتوسط.
– إصلاح القطاع العام: تستحوذ رواتب القطاع العام (بما في ذلك المعاشات التقاعدية والمنافع) على 50% من الإيرادات الحكومية. وفي هذا الإطار، من المهم اتخاذ إجراءات لمعالجة مسألة الرواتب وإصلاح نظام الخدمة المدنية في المدى الطويل، لكن اللجوء إلى مثل هذه التدابير في المدى القصير قد يكون فائق الحساسية على الصعيد السياسي.
– إعادة هيكلة الديون: تستحوذ الفوائد على النصف الثاني من الإيرادات. وفي ظل الظروف الراهنة، حتى لو خفّض لبنان العجز بواقع 5 نقاط مئوية من الناتج المحلي الإجمالي، ستظل نسبة الديون أكثر من 200% من هذا الناتج بحلول نهاية العقد المقبل، وستستهلك الفوائد ثلثَي الإيرادات الحكومية. ولذلك يجب إعادة هيكلة الديون في المدى المتوسط.
وأشار التقرير إلى أن إعادة هيكلة الديون بالعملة المحلية أفضل من التخلف عن سداد الاستحقاقات بالعملات الأجنبية، وذلك لجملة عوامل منها أن نحو ثلثَي الدين العام (و60% من عبء الفوائد) هو بالليرة اللبنانية، فضلاً عن أن نسبة 100% من رصيد الدين بالليرة اللبنانية مملوكٌ من المقيمين، وتبلغ حصة مصرف لبنان أكثر من نصف الدين بالليرة اللبنانية، في حين أن النصف الآخر مملوك من المصارف المحلية. أما المستثمرون غير المقيمين فيملكون نحو 25% من مجموع سندات الأوروبوند. ومن العوامل الأخرى انخفاض كلفة إعادة الهيكلة عند تطبيقها على الديون بالعملة المحلية وتراجع خطر رفع دعاوى قضائية احتجاجاً على إعادة الهيكلة. وللمسألة علاقة بالسمعة أيضاً، فالتخلف عن سداد الديون الخارجية قد تكون له تداعيات أكبر على الأسعار والوصول إلى الأسواق، فضلاً عن تركيز صنّاع السياسات في لبنان على التزام البلاد المستمر سداد الديون المستحقّة على رغم التحديات التي واجهتها في السابق.
وفي هذا السياق، اعتبر معدّو التقرير أن إعادة هيكلة الديون بالليرة اللبنانية كافية لتثبيت المالية العامة على أسس مستدامة في المدى الطويل. واقترحوا أن تعمد الحكومة إلى استبدال جميع الديون المستحقة بالعملة المحلية، بحيث تقوم بإصدار سندات طويلة الأجل لحاملي سندات الخزينة بالليرة اللبنانية بفائدة 1%، وهكذا تتراجع قيمة الفوائد على الديون بالليرة اللبنانية إلى 0.5% فقط من الناتج المحلي الإجمالي. وينخفض معدل الفائدة الحقيقية على مجموع الدين العام من 4.1% إلى 0.9% (إذا افترضنا أن معدل التضخم سيبقى ثابتاً في المدى الطويل عند نسبة 2%).
الاحتياط الاجنبي 10 مليارات دولار في 2023؟
بحسب التقرير، يُرجَّح أن يستمر احتياط العملات الأجنبية بالتراجع تدريجا، لكنه سيحافظ على مستوى أعلى من 10 مليارات دولار بحلول نهاية 2023، أي انه يكفي لتغطية فجوة التمويل الخارجي وخدمة الدين السيادي الخارجي.
ولم يوافق واضعو التقرير على الرأي القائل بأنه ستكون لتراجع قيمة الليرة اللبنانية تداعيات سلبية على الموازنة العامة للدولة وبأنه سيزيد احتمالات التخلف عن السداد. فعلى رغم العوامل التي تُشير إلى تراجع سعر صرف الليرة في المدى المتوسط، سوف يكون تأثير ذلك على الميزانية العامة للدولة ضمن حدود المعقول ويمكن تخطّيه. فبحسب التحليل الذي أجراه “غولدمان ساكس”، سوف يؤدّي تراجع قيمة الليرة إلى انخفاض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، ولو بصورة هامشية. ولكن سيحصل تغيير في عبء الديون، مع تراجع حصة الدين المحلي وارتفاع حصة الدين الخارجي كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي. وهذا يؤدّي إلى ارتفاع خدمة الدين الخارجي، لكن خدمة الدين في المجمل ستبقى على حالها نسبياً، وفقاً لتقديرات “غولدمان ساكس”. ويُرجَّح أن يكون التأثير على عجز الموازنة صغيراً، لأن مفاعيل الارتفاع في الإنفاق الحكومي على الواردات سيحدّ منها على الأرجح انكماش الإنفاق بالليرة اللبنانية، والارتفاع الضئيل في الإيرادات الضريبية والجمركية.