5 “مواد متفجّرة” تورّط لبنان بالوحل الإقليمي والدولي

مع بداية العام 2020، وانطلاقا من المشهد الاقليمي والدولي والمحلي الذي طبع نهاية العام الماضي، يمكن ايجاز أبرز التقاطعات التي لن تخلو من تأثيرات على الوضع اللبناني، وفق الاتي:

أولاً: صحيح أن لبنان حاليا في خضم الازمة المصيرية وهو بصدد انتظار ولادة حكومة جديدة برئاسة حسان دياب، لكن الصحيح أيضاً أن المخاض الذي عاشته تلك الولادة مع من يفترض بهم أن يكونوا فريقاً سياسياً واحداً ذا لون واحد، أظهر عمق التضارب الذي تعانيه الطبقة السياسية السلطوية، إنْ لجهة الحسابات الشخصية والحزبية والفئوية أو على مستوى الحسابات الاقليمية والدولية التي وصلت الى حد املاء على تلطي الطبقة الموافقة على حكومة اختصاصيين بالكامل (بعد الاصرار السابق في مرحلة التفاوض مع رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري على حكومة تكنو ـ سياسية)، لكن غير مستقلة خصوصاً في ما يعود للوزارات السيادية كلاسيكياً وتلك الخدماتية.

فالجميع ممن هم في السلطة يتحسب ويحسب ويجرد حسابات ربحه وخسائره للمرحلة المقبلة التي لن تكون سهلة ولا نزهة للفرقاء الداخليين ذات التحالفات العابرة للحدود.

ثانياً: لبنان والمنطقة امام مشهد جديد ارتسمت ملامحه في الربع الاخير من العام الماضي ألا وهو مشهد الصراع المتوسطي على الغاز والنفط.

فمع ازدياد أنشطة التنقيب والحفر في الآونة الاخيرة واكتشاف عدد من حقول الغاز وبكميات هائلة تجذب اهتمام ومصالح الحكومات والشركات الكبرى، وغياب اي اتفاق اقليمي حول المناطق الاقتصادية الخاصة في المتوسط، مضاف الى ذلك الاهتمام الاميركي بمستقبل قطاع النفط والغاز في رسم الخريطة الاقليمية للتحالفات في المنطقة، جميعها ادت وستؤدي الى بروز نزاعات اقليمية تبدأ من مصر الداخلة في مواجهة مفتوحة مع تركيا التي استبُعدت من منتدى الغاز والى تراجع اهتمام اوروبا بالغاز الطبيعي الروسي بضغط اميركي كبير، ولصالح بناء سوق طاقة متكامل لتحفيز التعاون الاقليمي وامن المنطقة.

وكانت اولى ثمار هذا الضغط، منتدى شرق البحر الابيض المتوسط للغاز الذي سجل في القاهرة تلاقياً اسرائيلياً فلسطينياً للتعاون المشترك مع اكتشاف غاز في مياه غزة. علما ان الرئيس الأميركي دونالد ترمب يدفع باتجاه تشكيل تحالف استراتيجي في الشرق الاوسط لمواجهة إيران فلا يتوانى عن استخدام منتدى الغاز لتعزيز المصالح الاميركية في المنطقة بعدما تخلت واشنطن لموسكو عن المكتسبات السياسية في الشرق الاوسط ولا سيما في سوريا المحورية والشرق الاوسط بصورة عامة باستثناء إسرائيل وحربها على النظام الايراني لإخضاعه لشروط اتفاقية نووية جديدة، ما يرجح استعار المواجهة الاميركية ـ الايرانية في كل من العراق ولبنان كل بحسب متطلبات وامكانات الارض لدى الدولتين ـ الساحتين. علماً أن الحكومتين اللبنانية والعراقية ستجدان نفسيهما في المرحلة المقبلة محاصرتين بين مطرقة عدم اغضاب واشنطن وسندان الحفاظ على مصالح إيران وما تبقى من سطوتها.

ثالثاً: امام انحدار الاهتمام الاقليمي والدولي بما كان يسمى بالقضية الفلسطينية الى ادنى مستوياته في العام الماضي، تحت وطأة سقوط صيغة ما سمي بـ”صفقة القرن” وأزمة رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو الحكومية وتدهور العلاقات الاميركية الفلسطينية من جهة، والصراع الفلسطيني ـ الفلسطيني المستحكم بين فتح وحماس على خلفية توقف المصالحة التي كانت القاهرة قد رعتها وانطلاق معركة وراثة الرئيس محمود عباس بغياب مرشح توافقي وتوفيقي وتآكل شرعية السلطة الفلسطينية في الاراضي الفلسطينية، لم يعد الملف الفلسطيني هذه المطية او الشماعة التي كانت تستعمل من قبل محاور الممانعة الاقليمية لتبرير وجودها. خصوصاً ان هذا المحور اثبت أن كافة خطاباته السياسية والاعلامية بالقضاء على اسرائيل وإنهائها من الوجود لم تكن الا مناورات استخدمت لتحقيق اهداف استراتيجية اخرى في المنطقة تصب في خانة بسط نفوذ اقليمي على دول المنطقة خصوصاً من جهة طهران تحت شعار محاربة اسرائيل.

رابعاً: اقفل العام 2019 على تورط تركي مفتوح في المنطقة، من سوريا وصولا الى ليبيا، وما بينهما: شبح عقوبات اميركية محتملة على أنقرة في حال اصرار الرئيس رجب طيب اردوغان على السير في صفقة الصواريخ الروسية (اس 400) وشبح الصراع المحتدم على موارد البحر الابيض المتوسط وخطر اندلاع مواجهة مدمرة في المنطقة المتوسطية انطلاقا من التدخل التركي في ليبيا ومن تكتل دول متحالفة لكبح جماح اردوغان والمكون من مصر واليونان وقبرص والسعودية والامارات والاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة في وقت يبدو ان ثمة صفقة مبرمة بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين واردوغان، يتخلى بموجبه الرئيس التركي عن ادلب وشمال سوريا لموسكو مقابل دعم موسكو لتدخل أنقرة في ليبيا.

ومن المؤشرات على ذلك، ارسال عناصر سورية من فصائل اسلامية موالية لأنقرة الى ليبيا لقتال جيش المشير خليفة حفتر، (دعماً لحكومة الوفاق الوطني الاسلامية الموالية لأنقرة برئاسة فايز السراج)، وممارسة التنقيب في المتوسط الذي هدد اردوغان بعقوبات إذا استمر في محاولات التنقيب عن الغاز في المياه القبرصية، في وقت يسجل الاقتصاد التركي تدهورا كبيرا يدفع أردوغان الى المضي في هجمته المتوسطية.

خامساً: التمدد الروسي في المنطقة لا بل السيطرة الروسية على اوراق اساسية ومنها سوريا. فالرئيس بوتين حقق الرؤية الاستراتيجية التي لطالما اعتبرت بموجبها موسكو الشرق الاوسط جزء استراتيجيا من الجوار الروسي الحيوي. روسيا اليوم اصبحت لاعبا اساسيا في المنطقة، وفي تقرير مصيرها انطلاقا من سوريا، الامر الذي وضعها في تماس مع:

أ – إيران: موسكو قلقة من سياسة طهران في سوريا، ما ساعد على تقارب الرئيسين بوتين وترمب لحفظ امن اسرائيل أولاً ولتقاسم الثروات بين شرقي الفرات (للأميركيين) وغربييه (للروس) ثانياً. وتتوجس موسكو من وضع طهران يدها على حكم الاسد في سوريا خصوصاً في المرحلة الانتقالية الحالية مع تنافس المصالح الروسية الايرانية لما بعد انتهاء الحرب وتحصيل مغانمها، إذ لا تقبل روسيا بوضع اليد الايرانية على سوريا، خصوصاً ان سياسة طهران لا تبالي من ان يؤدي ذلك الى ازدياد الفرز المذهبي بين السنة والشيعة، الامر الذي يضر بمصالح موسكو في المنطقة والساعية والناجحة، لغاية الان، في التقرب من الدول العربية والخليجية.

ب – اسرائيل: اعطت موسكو لتل أبيب ما ارادته تحديداً ابعاد الخطر الايراني الصاروخي عن مداها الحيوي في الشمال الشرقي (الجولان المحتل) وجنوب سوريا كما انها تنسق معها عسكريا ومخابراتياً بدعم أميركي مباشر. واسرائيل من جهتها مرتاحة للتعاون الروسي والتحالف حتى معها خصوصاً ان واشنطن اودعت موسكو حماية امنها.

ج – تركيا: التفاهمات بين موسكو وانقرة لا تزال صامدة لغاية الان، وآخر تجلياتها اخلاء ادلب من المسلحين وقبول موسكو بمنطقة الحزام الامني التركي الذي توقف عند التخوم المرسومة بين البلدين شمال سوريا.

د – دول الخليج: موسكو بحاجة لعلاقات اقتصادية وسياسية قوية مع الخليج والعالم الاسلامي لاعتبارات جيو ـ استراتيجية داخلية في روسيا ومحيطها كما لاعتبارات اقتصادية غازية ونفطية. من هنا تطمح موسكو لإنشاء جسر بري الى اوروبا عبر الشرق الأوسط، ما سيعرض المنطقة لموجة تجاذبات تصادمية بين موسكو والغرب. ومن هنا الحاجة الى حلفاء عرب وخليجيين ومسلمين، ولعل بوتين يستفيد في مكان ما من ضعف ثقة حلفاء واشنطن العرب والخليجيين والمسلمين التقليديين بالرئيس ترمب ومن مصداقية تحالفهم معه ليقطف الروسي ثمار التقارب والتعاون والتحالف الى حد ما.

مشهدية عامة منذرة بتشنجات وصراعات مقبلة هذا العام، لن نغالي إنْ قلنا إن لبنان سيتأثر بأي من عواملها المذكورة، لأنه على الصفيح الساخن لالتقاء المصالح الاقليمية والدولية وتصادمها وفيه عنصري التفجير والتبعية.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل