ترمب لطهران: طبق المفاوضات يؤكل ساخناً

 

أمام الزلزال الذي ضرب المنطقة باغتيال الرجل العسكري القوي لنظام الملالي في إيران، الجنرال قاسم سليماني، تطرح اكثر من علامة استفهام حول مستقبل المنطقة ولا سيما في ظل احتدام المواجهة الاميركية – الإيرانية. في قراءة أولية لما حصل وللتداعيات المحتملة، لا بد من استخلاص بعض الملاحظات: اولاً:

الجنرال سليماني كان ومثله العديد من القادة الايرانية محط رقابة وتتبع منذ سنوات من قبل الاستخبارات الاميركية والإسرائيلية، خصوصا في عهدي الرئيسين جورج بوش وباراك أوباما، وقد استبعد مرارا وتكرارا سيناريو تصفية سليماني، انطلاقا من قواعد اشتباك في الصراع الاقليمي كانت واشنطن تعتبر ان الورقة الايرانية يمكن ان تفيد السياسة الاميركية البراغماتية في المنطقة.

أما اليوم ومع الرئيس دونالد ترمب، اصبح ما كان يتم اجتنابه مباحاً، الامر الذي يثبت حصول تبدل في استراتيجيات واشنطن وان الخطوط الحمر وقواعد الاشتباك القديمة لم تعد قائمة، ما يفتح الباب واسعا امام احتمالات وتطورات جمة.

ثانياً: منذ بدء العقوبات الاميركية على ايران والاخيرة تراهن على امرين اساسيين: الأول؛ عدم قدرة واشنطن لا بل عدم رغبتها بالدخول في حرب ضدها خصوصاً أن الرئيس ترمب بنى ولايته الاولى على وعد للشعب الاميركي بعدم التورط في حروب وصراعات، ما دفع طهران الى استفزاز الادارة الاميركية لمحاولة فرض اجندتها على الاميركيين في المنطقة، فكان الهجوم على منشآت ارامكو في المملكة العربية السعودية، ومن ثم اسقاط الطائرة الاميركية المسيرة والهجوم على ناقلات النفط العابرة من مضيق هرمز وسواها من تصرفات استفزازية واجهها الاميركيين بهدوء وبرودة اعصاب وضبط للنفس، ما حمل ايران على الاعتقاد أن واشنطن لا تريد المواجهة.

الأمر الثاني؛ اشتداد الضغط على ترمب منذ البدء بإجراءات عزله من قبل الكونغرس ومرورا بالتحضير لحملته الانتخابية ومحاصرته بملفات فساد، ما حمل الايرانيين على الاعتقاد أن اللحظة في المنطقة هي لحظة الاستفادة القصوى من الضعف الاميركي وتخلي واشنطن عن حماية حلفائها في المنطقة ولا سيما الخليج.

لكن رهانات طهران وتماديها في الاستفزاز وصولا الى الهجوم الاخير على السفارة الاميركية في العراق كان بمثابة تخطي واضح للخط الاحمر الذي لا تستطيع واشنطن بعده الاستمرار بالالتزام بالصمت خصوصا ان الهجوم عرض ارواحاً اميركية للخطر وتوفي احد المتعاقدين الاميركيين، فكان القرار في البيت الابيض بتأنيب ايران طاول اقوى قائد عسكري في الجيش الايراني ولا سيما الحرس الثوري.

ثالثاً: الغريب ان واشنطن وبمقتلها سليماني قلبت المعادلة التي كانت لمصلحة ايران في فترة ما، اذ عوضاً ان تبقى واشنطن مستفزة وملتزمة عدم الرد، اذا بردها يضع طهران امام خيار صعب احلاهما مر. الرد الانتقامي الذي سيجابه برد اميركي على الرد او الاكتفاء بالتهديد والوعيد بالانتقام، والاكتفاء بهذا القدر للتوجه نحو مفاوضات.

فيتبين اليوم ان واشنطن بسكوتها عن هجمات بقيق والطائرة المسيرة من دون رد منها انما هي التي استدرجت ايران الى توسيع استفزازاتها فأوقعتها في فخ استسهال الغطرسة ضد الاميركيين والمصالح الاميركية في المنطقة، حتى فوجئت طهران بما حصل فجر 3 كانون الأول الحالي في مطار بغداد.

رابعاً: عكس ما يراه بعض المحللين والمعلقين، ان اغتيال سليماني من شأنه ان يعطي زخما شعبيا للرئيس ترمب انطلاقا من انه بذلك انقذ الاميركيين من مؤامرات ذلك الارهابي الخطير، كما تصفه واشنطن، والتي كانت تحاك لاستهداف ارواح اميركية في المنطقة ما من شأنه زيادة شعبية الرئيس الاميركي على ابواب حملته الانتخابية. والجميع يذكر عندما قطف الرئيس السابق براك اوباما شعبية كبيرة في الولايات الأميركية، غداة اغتيال المخابرات الاميركية بأمر منه اسامة بن لادن بعد سنوات من التعقب الاستخباري. واعلن ترمب ووزير خارجيته مايك بومبيو أن سليماني كان بصدد التحضير لهجمات نوعية ضد الاميركيين عندما وصل الى العراق حيث اغتيل.

خامساً: غداة الاغتيال تقف ايران بين حدين: حد الانتقام وحد عدم الانغماس في مواجهة مباشرة مع الاميركيين، خصوصاً أنه معروف عن الايرانيين قتالهم في المنطقة من خلال اذرعتهم العسكرية على غرار الحشد الشعبي في العراق وحزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن، ما يرجح ان اية عملية انتقامية ستقوم بها تلك الاذرع وليس الجيش الايراني مباشرة.

أما واشنطن، فبعد العملية تقف بين حدين: حد حماية الاميركيين من اية عمليات انتقامية في المنطقة ضد مصالحها وجنودها ورعاياها وحد عدم الرغبة في الدخول بمواجهة مباشرة مع ايران. وقد اكد البيت الابيض ومعاونو ترمب انهم لا يزالون لا يريدون حربا ويرفضون اسقاط النظام في ايران، وان اغتيال سليماني كان دفاعا عن النفس ليس الا، ما يعني ان المواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران غير ممكنة ان لم تكن غير متوقعة في المدى المنظور.

طبعاً تبقى كل الاحتمالات واردة، لكن ما لا يجب ان يغيب عن بالنا ان ترمب سيحاول بشتى الوسائل حمل طهران على التفاوض على قاعدة ان الطرفين اظهرا قدرتهما على الذهاب الى الحرب والمواجهة وان الطرفين ليسا مستعدين للحرب، خصوصاً الا ترمب يناسبه عشية انطلاق حملته الانتخابية رؤية جثامين جنود اميركيين يعودون الى ارض الوطن، ولا طهران مستعدة لخوض مواجهة تعرفها غير متكافئة مع الاميركيين ومن ورائهم الاسرائيليين.

سادساً: اغلب الظن، حتى هذه الساعة، ما لم يطرأ تطور لم يكن في الحسبان، ان تغير قواعد الاشتباك باغتيال سليماني فتح افاق مرحلة جديدة في المنطقة عنوانها “احتدام الصراع الحذر” تمهيدا للتفاوض، انطلاقا من ان كل طرف بات يحذر الطرف الاخر. فمن الان وحتى تتحقق المفاوضات، فإن اذرع ايران في المنطقة جاهزة لتنفيذ اوامر عمليات لتأتي المفاوضات لاحقا على نار حامية، ما يجعلنا نتوجه بالانظار الى اسرائيل وجبهاتها الشمالية مع سوريا ولبنان والعراق حيث الحشد الشعبي وحزب الله العراقي، حيث احتمالات الردود “المضبوطة” لن تجعل على الارجح الامور تخرج من عقالها، الا إنْ كان المطلوب عمل ما “لفك زنقة” رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو الحكومية، و”زنقة” ترمب في مواجهة إجراءات عزله.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل