
فى أيلول من العام المنقضى دخلت الجمهورية الإيرانية عقدها الخامس، بدأته مع تحديات هيكلية داخلية صعبة وحصاد مر لسياستها الإقليمية التي تعد الجزء الرئيس في تهديد الأمن القومي لدول المشرق العربي والعمق الاستراتيجي لمنظومة الأمن الإقليمي ممثلة في منطقة الثروة وهى منطقة الخليج العربي .
نوبات متعددة تهز نظام الملالي في طهران خلال الأعوام الثلاث الماضية على وجه الخصوص التي تراجعت فيها “الجزرة” الأمريكية التي قدمها أوباما في صيغة الاتفاق النووي وحضرت فيها “العصا”، التي حملها ترمب منذ دخوله إلى البيت الأبيض كأسلوب أكثر نفعا مع إيران. وبهذه العصا بطحت جبهة إيران الدولة والنظام والمشروع بمقتل قاسم السليمانى، ذراع دولة المرشد الإيراني الذى استقبله العالم يوم أمس مبتورا.
بالأمس عاشت الولايات المتحدة أجواء سياسية صاخبة بعد إعلان البنتاجون نبأ مقتل السليماني وتبع ذلك تغريدات متلاحقة من الرئيس الأميركى ترمب وسريعا ما سحب الأمر على المعركة الأنتخابية بهجوم من قبل اعضاء الحزب الديمقراطي ولكن في المحصلة حقق ترمب عدة انتصارات.
بداية لا بد أن نقف أمام دلالة معنوية، أن القراءة المدققة للأحداث وتتبعها يبدأ من الـ29 من أيلول بقيام الولايات المتحدة بقصف خمسة كتائب تابعة لحزب الله فى العراق وسوريا قامت بتنفيذ 11 هجوم ضد مواقع أميركية وخلالها قتل مقاول أيمركى، ولكن وفى تقديري وعلى عكس ما يفسر البعض أن قتل سليماني جاء ردا على قتل المقاول بعد تحذيرات ترمب من المساس بأي أميركي، فإن المنطق يقود إلى أن انتقام أمريكا بهذا الشكل العنيف جاء ردا على حصار السفارة الأمريكية في بغداد، والذى تقف خلفه إيران ويقف خلفه السليماني بشكل تنفيذي على الأرض.
وفى هذا الأمر نتحدث عن جرح أمريكي غائر يعود إلى نوفمبر عام 1979 المعروف بأزمة الرهائن الأمريكية في إيران عندما تم اقتحام السفارة الأمريكية في طهران واحتجز 52 دبلوماسيا أمريكيا لمدة 444 يوما وانتهت في 20 يناير 1981 .. وبالتالي فإن ما جرى في حصار السفارة الأمريكية في بغداد كانت تدرك إيران مدى ألمه النفسي كمن يتعمد إلقاء “سبرتو” على جرح لم يلتئم فكان الرد الأمريكي عنيفا بشكل يتجاوز الاستيعاب الإيراني.
بعض المحللين ذهبوا إلى أنه تصرف متسرع من دونالد ترمب وهو رأى لا أميل له أخذا في الاعتبار ديناميكية صناعة القرار الأميركي، إن هذه العملية بشكلها المبسط تداخل فيها عدد ليس قليل من المؤسسات الأمنية الأمريكية فضلا عن البنتاجون ومجلس الأمن القومي الأميركي حتى وإن تم تجاهل الكونجرس على النحو الذى صرحت به السيناتور نانسي بجلوسي .
وهنا مكسب دونالد ترمب الثاني أنه فعل ما لم يجرؤ عليه أوباما وقد تعمد إظهار ذلك في تغريداته المتعددة بشكل مبطن وكانت رسالة للناخب الأمريكي في الأساس أو كتلة ترمب الانتخابية، التي يتم تصوير الكونجرس لها الآن على أنه يتعمد إيقاف ما يحققه ترمب لهم من مكاسب اقتصادية، وبالتالي سيذهب ترمب إلى استجواب العزل المنتظر على الرغم من كونه محسوم النتيجة مسبقا بوضعيه أفضل، ففي شهرين تخلص من زعيم داعش أبوبكر البغدادى ومن بعده ضربة هيكلية في النظام الإيراني بمقتل السليماني.
المكسب الثالث وهو رسالة لحلفاء أمريكا في الخليج العربي وخاصة المملكة العربية السعودية أن إدارة ترمب أكثر حسما مع خصمها الاستراتيجي في الشرق الأوسط من إدارة أوباما.
ولكن هل الأمر بهذه السهولة ، المؤكد أن إيران ستسعى إلى الرد عبر وكلائها وهذا هو “خاتم السليماني” سواء فى قيام حزب الله بتوجيه عمل انتقامي تجاه إسرائيل وفى هذه الحالة وبالنظر للظرف السياسي والاقتصادي في لبنان، الذى يمر بحالة ثورية فإن أي عمل عسكري على لبنان مشابه لما قامت به إسرائيل عام 2006 قد يدفع بلبنان مباشرة إلى مصاف الدول المنكوبة.
فى حين أن القلق الحقيقي يتجه نحو استهداف الأمن القومي للمملكة العربية السعودية من خلال الذراع الإيراني المعروف بميليشيات الحوثي في اليمن. وهنا مكمن الجرم الإيراني فهي لن تستطيع الرد المباشر ولكن عبر وكلاء وعلى حساب الأمن القومي للدول العربية.