2019: بدأ بانفراج وانتهى بانفجار… 1

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1702

2019: بدأ بانفراج وانتهى بانفجار…

لو أخذوا بنصائح «القوات» لما انهار الاقتصاد (1)

 

إنطلق العام 2019 بأمل وانتهى بفشل. ففي بدايته تشكلت حكومة جديدة بعد تعثّر وتأخّر، وُصِفت بأنها حكومة العهد الأولى وأنها ستعمل بجد على إنجاز الكثير مما ينتظره الناس والمجتمع الدولي من حلول للأزمات على أنواعها وتشعّب أخطارها. وعلّق الناس عليها آمالا كبيرة، ليس ركونًا للوعود، بل لأن الوضع بلغ حد الإنفجار ولا بد من حلول قبل وقوع الكارثة. لكن مع توالي الأشهر واحدًا بعد آخر، كانت نُذُر الكارثة تقترب وملامح العجز عن ردها تقترب أيضا. وكان المعنيون منشغلين عن درئها بترتيب مصالحهم وتسيير أمورهم.

صحيح أن أسباب الأزمة ليست كلها داخلية وأنها لم تبدأ في العام 2019 أو العام الذي سبق، لكن الصحيح أيضا أنه كان هناك ما يمكن فعله لتداركها ولم يفعله من بيدهم الربط والحل. كان يمكن على الأقل التخفيف من وطأتها أو تأجيلها، لا الإسهام في تسريع انفجارها. فتسارعت الأحداث وتوالت الأزمات والإنهيارات على المستويات المالية والإقتصادية والمعيشية. إلى أن وقع المحظور وأصبح لبنان وسط عاصفة الإنهيار المالي والإقتصادي… فكانت أزمات نهاية العام خاتمة غير سعيدة خلافا لما ظهر أو تمناه الناس في بداياته.

أُنجزت موازنة 2019 بصعوبة ولم تُنجز شقيقتها موازنة 2020. تعثرت المصارف فقلق الناس، وزاد الهلع من سوء الحال المضطربة أصلا. تخلى الدولار عن ضوابطه وخرج من شرنقة الـ1500 ليرة ليحلّق فوق الـ2300 ليرة. اتُخذت إجراءات مالية لاجمة وعُقدت اجتماعات متعاقبة، وما غيّر ذالك في الحال أمرًا، لأنه لم يتطرّق إلى لب المشكلة، فتناثرت الأرقام صعودا للدين والعجز والبطالة والفقر، وهبوطا للمؤشرات الإقتصادية كافة… فكانت الثورة!

 

أرسلت بداية العام 2019 إشارات إيجابية عدّة كانت كافية، في المبدأ، لترسي بعضًا من الثقة والركون إلى بصيص أمل يمكن أن يكبر مع تقدم العام. أبرز تلك الإشارات كان تشكيل حكومة جديدة اعتبرها رئيس الجمهورية وفريقه حكومة العهد الأولى، باعتبار أنها نتيجة الانتخابات النيابية التي جرت عام 2018، وعلّق عليها الناس آمالا ولم يكن باليد غير ذلك. والإشارة الثانية كانت القمّة الإقتصادية العربية التي عُقدت في بيروت وما أعطت من انطباعات جيدة عن أن لبنان ما زال واحة العرب وقبلتهم. القمّة التي شابها بعض الثغرات لناحية التنظيم والفعّالية، حصلت على وعد من أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني بدعم لبنان بمبلغ 500 مليون دولار لإنعاش اقتصاده، تلاها بعد فترة وعد سعودي من جنيف بـ 500 مليون دولار أخرى. ولكن هذه الوعود لم تتحقق بعد.

الحكومة الوليدة، وبعد أشهر قليلة على انطلاقتها بدت عليها عوارض الوهن ونوبات التعثّر، إلى أن انتهت قبل نهاية العام، وبعد دخول لبنان زمن الثورة والتغيير. أما القمة التي عُقدت من 14-20 كانون الثاني 2019، فتطلّبت من لبنان نقل اعتماد من احتياطي الموازنة إلى موازنة رئاسة الجمهورية بقيمة 11.3 مليار ليرة كمساهمة مالية للجنة العليا لتنظيم القمة. وبعد مباشرة اللجنة عملها تبين أن هذا الاعتماد غير كاف فتقرر نقل اعتماد آخر بقيمة 3.7 مليار ليرة ليصل المجموع إلى 15 مليار ليرة. وهناك من يقول أنه تم صرف مبالغ أخرى. فيما لم تكن النتائج حقا بقدر التوقعات… والتكاليف.

وحتى ما تم الإتفاق عليه لم يلقَ طريقه إلى التنفيذ، إذ كان المفترض باستضافة مؤتمر بهذا الحجم أن تعطي دفعًا للاقتصاد الوطني وتشجّع على عودة الإستثمارات العربية، وهو ما لم يحصل. وبحسب البيان الختامي، فقد تم التوافق خلال القمة على «ضرورة تكاتف جميع الجهات الدولية المانحة والمنظمات المتخصصة والصناديق العربية من أجل التخفيف من معاناة هؤلاء اللاجئين والنازحين وتأمين تمويل تنفيذ مشاريع تنموية في الدول العربية المستضيفة لهم من شأنها أن تدعم خطط التنمية الوطنية وتساهم في الحد من الآثار الاقتصادية والاجتماعية المترتبة على هذه الاستضافة المؤقتة»، بجانب الدعوة الى «جذب مزيد من الإستثمارات العربية والدولية إلى الدول المضيفة».

 

أبرز المحطات الإقتصادية والمالية خلال العام

نُذُر الشؤم الإقتصادي كانت بادية منذ الأشهر الأولى من العام، لكنها ظلّت متخفّية وراء الوعود الزاهية والآمال الواهية، إلى أن اضطر الجميع إلى مواجهة الحقائق الصعبة والوقائع المرّة في النصف الثاني من العام، وبلوغ الإنفجار الكبير في الربع الأخير منه. لم تكن علامات الوهن في الإقتصاد اللبناني مجرد عوارض بسيطة. كانت الأزمة تعتمل منذ سنوات، لكن من غير أن تعرف حدًّا أدنى من المعالجات.

ففي شهر تموز من العام 2018 أنهت شركة ماكينزي العالمية تقريرها حول الإقتصاد اللبناني وسبل النهوض به. ويومها أطلع وزير الاقتصاد السابق رائد خوري وفريق عمل الشركة، رئيس الجمهورية ميشال عون، على تصميم دراسة «الخطة الاقتصادية للنهوض». وكانت الحكومة قد كلفت الشركة بإعدادها، بهدف «ايجاد بيئة أعمال جاذبة للاستثمارات الخارجية، وتفعيل قطاعات إنتاجية تنافسية قادرة على تعزيز مؤشرات الأداء الإقتصادي وخلق فرص العمل»، وأعلن خوري أن الدراسة «تبحث معمقاً في القطاعات الإنتاجية القادرة على خلق فرص العمل». وقد شملت الدراسة «مشاريع محورية ملحّة من شأنها تحريك عجلة الإقتصاد على المدى القصير، مثل إنشاء منطقة لتكنولوجيا البناء قرب الحدود اللبنانية ـ السورية، للإستفادة من عملية إعمار سوريا والعراق».

الدراسة كان يُنتظر أن تُطبق في العام 2019 بعد أن تكون الحكومة العتيدة قد أبصرت النور. فحتى منتصف كانون الثاني الماضي كانت الحكومة التي تسلمت الدراسة لا تزال حكومة تصريف أعمال، وعُلقت الآمال على الحكومة الجديدة. لكن بعد انطلاق تلك الحكومة، طلبت فترة سماح على ألا تتعدى المئة يوم لتظهر بعدها الإنجازات. ولذلك فالأشهر الأولى من العام لم تشهد تطورات أو محطات إقتصادية ومالية هامّة. حتى أنّ لا خطة ماكينزي أخذت طريقها ولو للإستئناس بها، ولا التزمت الحكومة بتنفيذ الوعود التي قطعتها للناس وللمجتمع الدولي.

 

موازنة 2019: عجز نسبي وتحذير دولي

النصف الثاني من العام كان مختلفا تماما لناحية الحركة والمحطات والأحداث. ففي شهر أيار كانت دراسة الموازنة وإقرارها هما الهم الأول للدولة. أولًا لأنها متأخرة عن موعدها الدستوري، وثانيا لأن لبنان في حاجة إلى موازنة منخفضة العجز محفّزة للإقتصاد ومستقطبة للإستثمارات، ما يُطمئن المانحين ويُفرج عن أموال «سيدر» المنتظرة. وفي 29 أيار أحالت الحكومة اللبنانية إلى المجلس النيابي مشروع موازنة 2019، ووصل الإنفاق في تلك الموازنة إلى الـ23340 مليار ليرة لبنانية، تضاف إليها 2500 مليار، ‏وهي سلفة لدعم كهرباء لبنان. في المقابل، بلغت الواردات 190016 مليار ليرة، بزيادة عن المعدل المقرر سابقا، مما ‏يعني أن نسبة العجز بالمقارنة مع الناتج المحلي وصلت إلى 7.59 في المئة، وهو رقم اعتُبر مرضيًا نسبة للموازنة السابقة، ويُعبِّر عن التزام سجل خلال النقاشات التي جرت خلال عملية الإعداد، ويعكس إرادة لدى الحكومة في ان تسلك المسار التصحيحي للوضع المالي بعدما وصلت كل المؤشرات إلى الخط الأحمر.

بدت أرقام الموازنة معقّدة، ولو أنّ الحصيلة النهائية للأرقام اختصرتها الحكومة، بالادّعاء أنها ستخفّض العجز بنسبة كبيرة. لكن السؤال بقي عن الكلفة التي سيتحمّلها المواطن، وما هي الأثقال التي ستُفرض على القطاعات الاقتصادية المختلفة. والأهم من كل ذلك هل إنّ أرقام العجز المقدّر واقعية، أم أنّ تجربة العام 2018 ستتكرّر في العام 2019؟ وهو ما لم يطل الزمن قبل الإجابة عنه بالوقائع المزدحمة والثورة المتأججة، قبل نهاية العام. فقد لحظت الموازنة رفع الضريبة على فوائد وعائدات وإيرادات الحسابات الدائنة كافة المفتوحة لدى المصارف بما فيها حسابات التوفير، فوائد وعائدات الودائع، وغيرها من 7 إلى 10 في المئة كما رفعت الرسوم على المستوردات. واعتبرت وكالة «ستاندرد آند بورز»  للتصنيف الائتماني، أن مشروع الموازنة العامة في لبنان لسنة 2019 الذي استهدف خفض العجز المالي إلى 7.6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام، «قد لا يكون كافياً لاستعادة الثقة التي تضررت في البلد المثقل بالديون».

وتوقعت وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني أن يصل العجز المالي في موازنة 2019 إلى 9 في المئة، فيما توقّع صندوق النقد الدولي أن يصل العجز إلى نحو 9.75. وتأتي توقعات «فيتش» نتيجة تضخم رواتب القطاع العام وزيادة حجم فوائد الديون، ودعم الكهرباء. وحذر صندوق النقد من أن المخاطر وأوجه الضعف مازالت قائمة بالنسبة للبنان، وعدم تحقيق الأهداف وإحراز تقدم في الإصلاحات قد يؤدي إلى تآكل الثقة.

وبموازاة ذلك، أقر مجلس الوزراء أيضا، إقامة سبع مناطق صناعية حديثة، كانت وزارة الصناعة مهدت الطريق لمشروع إنشائها في مختلف المناطق اللبنانية. وينتظر أن يباشر العمل باقامة البنى التحتية في ثلاث مناطق مطلع العام 2020. أهمية هذه المناطق أنها تتيح الفرص أمام رجال الأعمال الراغبين بالاستثمار في القطاع الصناعي، بعدما ضاقت المساحات وانعدمت في المناطق الصناعية القائمة. وقالت الحكومة يومها أن هذه المناطق الجديدة ستكون متخصصة بحسب الصناعات فلا تتداخل الصناعات الغذائية مثلا مع صناعة الأدوية.

ورقة بعبدا المالية: إسمع تفرح جرّب تحزن

في شهر تموز أعدّت رئاسة الجمهورية ورقة إصلاحات تحت مسمّى «ورقة بعبدا المالية والإقتصادية». ودعا الرئيس عون إلى تطبيقها كخطة عمل لإنقاذ الوضعين المالي والإقتصادي. وفي 8 آب عُقِد اجتماع لهذه الغاية في القصر الجمهوري. وقد انطوَت الورقة على مجموعة من الخطوات التي وصفها الرئيس سعد الحريري بالأساسية. وتتضمّن: إقرار موازنة العام 2020 في مواعيدها الدستورية، والإلتزام بتطبيق دقيق لموازنة 2019، ووضع خطة تفصيلية للمباشرة بإطلاق المشاريع الإستثمارية المقررة في مجلس النواب والبالغة 3.3 مليارات دولار، إضافة الى مشاريع «سيدر»، والإلتزام بالتطبيق الكامل لخطة الكهرباء بمراحلها المختلفة، وإقرار جملة قوانين إصلاحية لاسيما منها المناقصات العامة، والتهرّب الضريبي، والجمارك، والإجراءات الضريبية، وتفعيل عمل اللجان الوزارية، خصوصاً في ما يتعلق بإنجاز إعادة هيكلة الدولة والتوصيف الوظيفي، والتشدّد في ضبط الهدر والفساد والإسراع في انجاز المعاملات، وإلغاء المؤسسات غير المجدية.

خبراء الإقتصاد اعتبروا أن هذه الخطوات يمكن أن تكون إصلاحية إذا ما تم الإلتزام بها حقا، ونُفّذت من غير مواربة، معتبرين أنّ معظم الخطوات الواردة في ورقة بعبدا المالية هي بداية نحو الحوكمة الرشيدة للإدارة المالية للدوّلة اللبنانية والقطاع العام، بمعنى أنه يلزمها متابعة وتنفيذ، وإلا بقيت حبرا على ورق. فالفساد الذي يعصف بمؤسسات الدولة وإداراتها له تأثير سلبي كبير على عجز الموازنة، حيث أنّ الكلّفة على خزينة الدولة في أقلّ تقدير نتيجة هذا الفساد تفوق الـ 5 مليارات دولار، فضلا عن التداعيات الناتجة من عدم تحصيل إيرادات الدولة التي بلغت نسبة تحصيلها العام الماضي 62 في المئة.

(يتبع)

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected] ​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل