مستقبلُ لبنانَ بين الثوابتِ والهواجس -1

كتب الأب البروفسور جورج حبيقة – الرئيس الفخري لجامعة الروحِ القدس – الكسليك في “المسيرة” – العدد 1702

 

من ثوابتِ لبنان أنّه لم يكن يوماً بلداً عادياً. وتقومُ معجزةُ استمراريّته على أنه لم يخرج قطُّ من دائرةِ المخاطر عبرَ كلِّ حقباتِ تاريخه الطويل والضارب في عُمق الزمنِ الإنساني. قدرُه أن يعيشَ في خطر، لأنه بلد الحياة. والحياة لا تنمو إلا في المخاطر (Vivre c’est risquer). ذلك أنه كان على الدوام، حتى الآن أقلّه، تلك المساحة الحرّة والفريدة لبشريّةٍ متألّمة، هاربةٍ من عذاباتِ ماضيها، تائهةٍ في حاضرٍ متقلّب وغامضٍ ومتوجّسةٍ من غدٍ أفجع وأهول، في شرقٍ ميّال، بالرغم من تكدُّساتِ حضاراته وثقافاته وتقاطعِها الغني، إلى نوعٍ من الأحاديّة اللغويّة والدينية والسياسيّة والمجتمعيّة. من مصائب هذا الشرق الكبرى أنه يتوهّم أحياناً أنَّ الوحدة التي يسعى إليها كمدخلٍ إلى القوّةِ المنشودة، تولَدُ من رَحم الانصهار. وحدَهُ لبنان الذي تأنسنَ حتى المرضِ والهزال على وقعِ حُريّات الناس وتطلّعاتهم وآلامِهم وتشرّدهم، استطاع أن يُسقط، بممارسةٍ يوميّة دؤوبة وهادفة، مبدأين خطيرين، الانصهارَ والتسامحَ اللذين يتعارضان وحقوقَ الإنسان الطبيعيّة والأساسيّة، ويتهدّدان بالتالي، باستمرار، شرقنا الذي غالباً ما ينزلقُ إلى منطقِ اختزالِ الآخر المختلف وتهميشه ثم إلغائه.

 

1 – مفهومُ الانصهار

إنَّ الانصهارَ الذي تتناوله وتُشدِّد عليه، بكلّ أسف، نصوصُ اتفاقيّة الطائف ويطفو كزبدٍ مَرَضيٍّ على سطح الخطب السياسيّة، إنما هو مصطلحٌ يُستعمَل، أصلاً وحصراً، للمعادن التي تدخل متنوّعةً إلى الأتّون لتخرج منه شكلاً واحداً ولوناً واحداً وتركيباً كيميائياً واحداً. فلبنان لم يعشْ قطُّ هذه الحالةَ الانصهارية المذوّبة لحقِّ الآخر بالاختلاف. تقومُ رسالةُ لبنان الاجتماعيّة والسياسيّة على أنّه ليس مطلقاً مشروع انصهارٍ، بل دائماً مشروعُ وحدةٍ إنسانيّةٍ ووطنيّةٍ بين عائلاتٍ روحيّةٍ ومجموعاتٍ إتنيّةٍ وثقافيّةٍ وحضاريّة، على شاكلة وحدة الجسد القائمة على التكاملِ الوظائفي بين خلايا وأعضاء لا يجمعها إلاّ الاختلاف في التآلف. وكما كانت الفلسفاتُ اليونانيّة تنطلقُ من هيكليّةِ الجسد البشري لتضعَ تصوّراً لأكمل تصميمٍ إداري للمدينة الفاضلة والمثاليّة، كذلك علينا أن ننظُرَ إلى سرِّ الحياةِ الذي يأخذُ من جسدِنا مدىً مميّزاً لتمظهره. هل أمعنّا النظرَ في وظيفةِ كلِّ عضو وكلّ خليّة، وكيف يتمُّ التكاملُ والتناسقُ في التمايز؟ إذا انصهر جسدُنا وأصبح عضواً واحداً، هل يبقى حياً؟ ألا تهجره الحياةُ وتدعه أشلاء هامدةً ترتعُ فيها سكينةُ الموت؟ هل نريدُ للبناننا خطرَ الحياة في الوحدة، أم طمأنينةَ الموتِ في الانصهار؟ الحياةُ لا تسكنُ إلاّ في التنوّع، والموتُ لا يقيمُ إلاّ في الأحاديّة.

فإذا طالعنا ما يُنشَرُ في أيّامنا الحاضرة من أبحاثٍ علميّة حول علم الوراثة، لَنَرانا منذهلين أمام ما ينجلي من أسرار طبيعتنا البشريّة. في كتابه «ما هي الوراثة؟ مدخلٌ إلى علم الحياة»، يقول العالِم الفرنسي Albert Jacquart إنَّ الأهلَ في أقصى درجات رغبتهم يتمنّون أن ينقلوا إلى أولادهم كُلَّ مخزونهم الجيني وحتى ذاكرة العائلة بأكملها، غير أنَّ نواميس الطبيعة تتدخّل لتردَعهم. فهي لا تسمحُ بالعبورِ إلى الأولاد إلاّ للنصف فقط من هذا المخزون الجيني الآتي من الأب والأم، وأما النصف الثاني فيخضع إلى تراكيبَ تتحكَّمُ فيها الفوضى الكاملة. فتكونُ الحصيلةُ أنَّ المزيجَ الناتجَ من الوراثة والجينات الجديدة المتمرّدة على كلّ تنظيم، يضعنا أمام إنسانٍ جديد، لم تعرف البشريّة مثله من قبلُ ولن تعرفَ مثيلاً له من بعدُ. والقسماتُ الخارجيّةُ حيث نفرحُ بتلمّس بعضٍ من الشبه مع أحد الأهل، لا تتعدّى كونَها وشاحاً سطحياً يُخفي تحت طيّاته إنساناً فريداً من نوعه. وهذا الأمر ينطبق على جميع الكائنات الحيّة والجامدة من دون استثناء.

أمام هذا التنوّع المذهل في المخلوقات، من يجرؤ منطقياً أن يفكّر بإطلاقِ برنامجٍ انصهاري للجماعات والثقافات واللغات التي تدخل في صياغة الأوطان كافّة؟ إنه ضربٌ من المحال. لنأخذ مثالاً على ذلك الانصهار اللغوي الذي قامت به فرنسا في الأجيالِ الغابرة من خلال فرضِها اللغةَ الفرنسيّة الباريسيّة على كلّ مقاطعات الأمبراطوريّة الفرنسيّة، ومنعت بتدابيرَ قمعيّةِ التداول باللّغات الإقليميّة من بروتون وباسك وأُكسيتان وغيرها. ما كانت النتيجةُ بعد أجيالٍ من القمع اللّغوي؟ انهارت قراراتُ السلطة المركزية أمام مناعة حقّ الاختلاف في البلد الواحد، وما كان من البرلمان الفرنسي إلاّ أن شرَّع أخيراً الإقليميّة اللغويّة Régionalisme linguistique، وبات بمقدور كلّ فرنسي أن يتابع دروسه باللغة الإقليميّة التي يختارُها. في كندا التي تتكوّن من جماعاتٍ متعدّدة التاريخ والدين والثقافة والحضارة، تعمل الحكومةُ هناك على تعزيز هذه الفروقات وإدارتها بحكمةٍ كبيرة عبر تشجيعٍ مالي وسياسي للإبقاء على هذه المكوّنات الحضاريّة كإرث تعدّدي للدولة الكنديّة الاتحاديّة. لذا نرى أنَّ من يهاجر إلى كندا لا يصطدمُ برفضٍ لذاته المختلفة، بل بالعكس، يلقى تشجيعاً رسمياً للمحافظة على فرادة آخَريّته، الأمرُ الذي يرتدُّ خيراً على المجتمع بأسره، إذ يندمج المرء فيه بقدرٍ عال من التناغم في الاختلاف. وإذا عدنا إلى التاريخ اليوناني القديم، نرى أنَّ الإغريق طوَّروا صيغتَين متناقضتَين لإدارة الموارد البشريّة.

كانت اسبرطة شديدةَ الحرص على تماسك أهلها وانصهارهم في بوتقةٍ واحدة؛ فطردت كلَّ غريبٍ ولم تدع في المدينة إلاّ من ثَبتت أصالةُ دمِه ودينِه وثقافتِه. وأرست حكماً عسكرياً اوليغرشياً مرهوبَ الجانب. في مقابل اسبارطة، كانت أثينا تجسّدُ صورةً معاكِسة. نظامُها ديموقراطي بفضلِ عبقريّة بريكلس. أبوابُها مشرّعةٌ أمام كلِّ عاشقٍ للمعرفة وللبحثِ عن المطلق. مدارسُها متنوّعةٌ وحرّة. عند اندلاع الحرب بين هاتين الحضارتين، كان الانتصار العسكري لعصبية اسبارطة، والهزيمةُ لأثينا الكوسموبوليتيّة والديموقراطيّة. ولكن أمام محفل التاريخ، من يذكر بعدُ أمجادَ اسبارطة العسكريّة، وعُنصريّتها واعتزازَها الفارغ بالمحافظة على نظافة عرقِها ودمِها ودينِها؟ اندثرت حضارةُ اسبارطة المجوَّفة ثقافيّاً وإنسانياً، وأثينا المهزومةُ عسكرياً خَلُدت في سجلاّت الفكر والإبداع والفلسفة والعلوم. نستخلص مما سبق أنّه كلما كانت الدولةُ حاضنةً للفروقات وراعيةً لها بإخلاصٍ واقتناع، كان المجتمعُ أكثر تماسكاً وأشدَّ اتّحاداً وأصلبَ استمراريّةً في الاستحقاقاتِ الحرجة. وبقدْرِ ما تسعى الأنظمةُ إلى عمليّاتٍ انصهاريّة، بالقدْر عينه تمسُّ حقوقَ الإنسانِ الأساسيّة ونواميسَ الطبيعةِ كما بيَّنا أعلاه، وتجذِّر بالتالي الهشاشة في جسدِ الوطن، فيتداعى وينهار عند كلّ اهتزازٍ قوي. وخيرُ دليلٍ على ذلك ما حدثَ في الاتّحاد السوفياتي.

 

2 – مفهومُ التسامح

أما بالنسبة إلى مفهوم التسامح، ولئن عَرَفَ هذا المصطلح رواجاً كبيراً بشكلٍ خاص في عَصر التنوير واعتُبر شرطاً أساسياً لتلاقي الشعوب المتمايزة وتضَامُنِهم، فإنني أرى فيه، من زاويةٍ بحت فلسفيّة، مسّاً قاسياً بحقوق الإنسان الطبيعيّة والأساسيّة، إذ ينطوي على المدلولات السلبية التالية: المتسامحُ هو المقتدرُ الذي يتحمّل وجودَ الآخر المختلف والمستضعَف ويسمحُ له بالبقاء معه لا كشريكٍ متساوٍ في الحقوق والواجبات، بل كإنسانٍ ينتهي طموحه عند سقف الاستمراريّة في الحياة ليس إلاّ. في التسامح، يستعطي الإنسانُ الأقلي بقاءَه في الوجود من الآخر الأكثري والقوي. وإذا رجعنا إلى اللغة العربية، لوجدنا أن: سَمُح وسمَح سماحة، يعني جاد وأعطى ولان وتساهل. وسامحه في الأمر: ساهله ولاينه ووافقه على مطلوبه. وسامحه بذنبه، صفح عنه. وبوجيز الكلام: المتسامح دينياً، هو الذي يغفر للآخر المختلف كونَه من دين آخر ومن ثقافة مغايرة، ويجودُ عليه بالإذن له بالبقاء في المجتمع ذاته، ويتساهل معه بغض النظر عن تقاليده المجتمعية وطرائق تفكيره وعيشه. وإذا قاربنا المفردات الأوروبية، لوجدناها تتقاطع مع المصطلح العربي. الفعل اللاتيني tolerare يعني تحمّل مع معاناة. وفي اللغة الفرنسية tolérer quelqu’un، يعني تحمّل شخصاً ما على مضض. والفعل الالماني dulden يفيد المدلول ذاتَه. انطلاقاً من حقوق الإنسان الطبيعية، فالكائن البشري لا يستجدي وجوده من أحد، وبناءً على ذلك، فهو ليس بحاجة إلى تسامح الآخرين في حقه اللامنقوص في الوجود الحر وبالتالي في الاختلاف. له الحريةُ المطلقة في أن يكون كما هو يريد أن يكون، ضمن حدود احترام الآخر في الأمور عينها والمحافظة على السلم العام. هذا المنطق الذي أدى إلى قيام لبنان والميثاق اللبناني والطائفية البناءة، يجد دعما قويا في ما يسميه تشارلز تايلور (Charles Taylor) «سياسة الاختلاف»  (la politique de la différence). فهو يقول: «قبل نهاية القرن السابع عشر، لم يكن أحد يفكر بأن التمايزات بين البشر تحمل مدلولا معنويا وشخصيا. إن هناك طريقة خاصة لكي أكون كائنا بشريا، ألا وهي طريقتي أنا. إنني مدعو إلى أن أعيش حياتي بهذه الطريقة، وليس بتقليد شخص آخر» . وينتهي في تحاليله إلى إطلاق مبدأ الفرادة (le principe d’originalité) الذي يجب أن يرافقَ تكوين المجتمعات الديمقراطية ويؤطّرَ سياساتها وبرامجها التنموية. وفي السياق ذاته، تشدد ماري غاي (Marie Gaille) في مؤلفها «ألمواطن»، على «أن كلَّ واحد منا إنما هو فريد من نوعه ولديه أمورٌ ما ليقولَها، ليس بمقدور أي شخص آخر أن يعلنَها. في مجتمع ديمقراطي، على الحكومة، وهي تعترف بالمساواة بين المواطنين، أن تعطي الجميع الفرص عينها لتنمية الذات الحقيقية» . إن هذا الحق في الاختلاف، الذي يقوم عليه لبنان، مجتمعا ودولة وحكما، يتعارض كليا مع مفهوم التسامح.

في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ترِدُ كلمة تسامح مرةً واحدة في المادة 26، الفقرة الثانية التي تعالجُ أهدافَ التربية ومنها «تعزيزُ التفاهم والتسامح والصداقة بين جميعِ الشعوب والمجموعات العنصريّة أو الدينية». ونظراً إلى المضامين السيّئة التي ينطوي عليها هذا المصطلح، كان لزاماً على الاونسكو أن تُصدِر وثيقةً دولية تحت عنوان: «إعلان المبادئ في التسامح» في 16 تشرين الثاني 1995 تُشدِّدُ فيها على أنَّ التسامح هو احترامٌ غيرُ منقوصٍ لحقوق الإنسان بكاملها.

 

3 – الميثاقُ اللبناني وميثاقُ المدينة

سعى لبنانُ دوماً إلى احترام كامل لحقوق الانسان، وبخاصة إلى صون حقّ الاختلاف وتحصين مبدأ الفرادة في ميادين الحياة كافة، بإعطائه كلَّ مضطهد وكلَّ هاربٍ وكلَّ امرئٍ خائفٍ على ذاته في هذا الشرق المعلّقِ على خشبة الأحادية، بعضاً لا يستهانُ به من حقّه الإنساني في وجودٍ حرٍّ ومتفاعل ومتناغم وفريد ومتنوّع. فكان ما نسمّيه الميثاقُ الوطني اللبناني الذي أعاد الحياةَ بعد أربعة عشر قرنا إلى «ميثاق المدينة» أو «صحيفة المدينة» أو «دستور المدينة» أو «كتاب المدينة»، المبرمِ بين نبيّ المسلمين محمّد على رأس المهاجرين، الجماعة الإسلامية الأولى، التي هجرت مكة تحت الضغط العسكري لقبيلة قريش سنة 622م، من جهة، واليهود، الجماعة الأكبر في مدينة يثرب والأغنى، والنصارى والصابئة والوثنيين، من جهة ثانية. هذا الميثاق يُنشئُ في مدينة يثرب بصريحِ العبارةِ مجتمعاً سياسياً واحداً تحت لفظة أمّة، في تعدّديةٍ دينيةٍ وثقافية. العديدُ من الباحثين والمستشرقين الأوروبيين توقفوا مليا عند الأهمية القصوى التي يكتسيها «دستور المدينة» الموقّع من قبل نبيّ المسلمين. على سبيل المثال لا الحصر، نذكر الدراسةَ القيّمة للدكتورة Phyllis Ghim-Lian Chew التي تقيم مقارنة بين معاهدات وستفاليا المبرمة عام 1648 والتي تنشئ الدولة الأمّة من جهة، و»ميثاق المدينة» الذي يعطي حقوقا متساوية لكل مواطن في مجتمع تعدّدي، وخصوصا حق المناقشة والتصويت والتقرير في شؤون المدينة  ، من جهة ثانية.

غير أنَّ هذا الاتفاق الذي يعتبرُه الباحثون، أمثال المستشرق، هنري بايمن Henry Bayman، أولَ نصٍّ مكتوب في القانون المدني في العالم ، سقط ودخل بعده الإسلامُ تدَريجياً في ذهنيَّةٍ مغايرة لبداياته الواعدة والمتآلفة مع التراث الإبراهيمي، بفرضه الشريعةَ الإسلاميةَ على المسلمين وغير المسلمين. يعتبر أكثرية الباحثين أن هذا الفرض للشريعة الإسلامية، بعيدا من كل حوار ونقاش، كان هزيمةً مدوّية لروحية الإسلام في انطلاقته الأولى. بيد أن البعضَ في الجماعات الإسلامية الأولى بقي محافظا على حنينِ متقطّع إلى ما تداعى من روحيّة «ميثاق المدينة» وفلسفته، كما يظهرُ لنا ذلك في تأنيب عُمر بن الخطاب لعَمرو بن العاص وولده في حادث ضرب ابن عَمرو بن العاص للفتى النصراني المصري: «متى استعبدتم الناسَ وقد ولدتهم أُمَّهاتُهم أحرارا «.

يرى المحلّلون في هذا الكلام أوّل مُسَوَّدة للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، حيث نقرأ في المادة الأولى: «يولدُ جميعُ الناسِ أحراراً متساوين في الكرامةِ والحقوق وقد وُهبوا عقلاً وضميراً، وعليهم أن يُعاملَ بعضهُم البعض بروحِ الإخاء». من هنا القفزة النوعيّة التي أنجزتها الصيغة اللبنانية في ترجمتها للميثاق الوطني عندما أبت أن تُبقيَ أحداً أو جماعةً من اللبنانيين خارجَ التمثيلِ النيابي وخارج السلطة، وحالَت دون استئثارِ أية طائفةٍ بإدارة دفة الحكم أو السيطرة على الآخرين أو تطويعهم أو إلغائِهم، وأرست الحكمَ على قاعدةِ الاعترافِ بالآخر المختلف ليس كعدوٍّ لي أو خطرٍ على نموّ ذاتي المغايرة، بل شرطٌ أساسي لتأطير ذاتي ولوجودِها، إذ لولا الآخر لما كان من الممكن أن أعي ذاتي في غيريّتها. وهكذا باتَ الآخرُ دينياً وعرقيّاً وثقافياً، بفضل الصيغة اللبنانية المستندة إلى التشارك الطائفي المنفتح والمتفاعل والبناء، جزءاً لا يتجزّأ من ذات الجميع، وشريكاً فاعلاً لا متفرّجاً في رسمِ السياسات التي من خلالها تُدارُ شؤون لبنان كافةً. وكذلك بفضل الصيغة اللبنانية، قامت الديموقراطية اللبنانيّة على التناوب السلمي على الحكم، وضمن مُهلٍ زمنيّة محدّدةٍ في الدستور، الأمرُ الذي يبدو نادراً في شرقنا العربي البائس.  وعندما نسمع بعض السياسيين اللبنانيين يتكلمون عن النظام اللبناني بألفاظ تحقيرية ولا أقسى، لا نستغربُ البتّة وجعَهم واشمئزازَهم وخيبةَ أملهم من هكذا نظام، لأن هذه الطائفية التي يصنفونها بالبغيضة، هي التي تمنعهم فعلا من احتكار السلطة وإقصاء الآخرين ومن التحكم الكامل من دون أي منازع في مفاصل الإدارة في الدولة اللبنانية.

لا نغالي البتة إذا قلنا في هذا المجال إنَّ لبنان هو البلدُ الوحيد في جامعة الدول العربيّة الذي نرى فيه رؤساءَ للجمهوريّة سابقين، يتمتّعون بكامل حقوقهم، ويواصلون نشاطهم السياسي بكل حريّة، وعند موتهم يُشيّعهم لبنان الرسمي، والشعبُ، والبعثاتُ الأجنبيّة بكلّ إجلالٍ إلى مثواهم الأخير. إنَّ هذا المشهدَ يكادُ يكون حكراً على لبنان. وأيضاً من ثوابتِ لبنانَ الأساسيّة تطبيقُه الكامل للمادة الثامنةَ عشرةَ من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: «لكلِّ إنسانٍ الحقُّ في حريّةِ الفكرِ والضميرِ والدين؛ يشملُ هذا الحقُّ حريّةَ تغييرِ دينه أو معتقده، وحريةَ الإفصاح، سواءً بمفردِه أو في جماعةٍ مع آخرين، وفي الإطارِ العام أو في الإطار الخاص، عن دينه أو معتقدِه بالتلقين والممارسة والعبادات والفرائض».

إنَّ احترامَ لبنان غيرَ المنقوصِ ممارسةً وتشريعاً لكلّ مضامين هذه المادة يجعلُ منه، في مجموعة الدول العربية والإسلامية، حالة استثنائيّة.

(يتبع)

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل