.jpg)
على مدار الأيام الماضية ومنذ قيام الولايات المتحدة الأميركية، بعملية تم شرح تفاصيلها وحققت مرادها بقتل قاسم سليماني قائد فيلق القدس والرجل القوى أو الذراع الطولى للحرس الثوري الإيراني والتفاعلات الإقليمية والدولية رهن الحدث، وانبرى غالبية المحللين السياسيين إلى الاستنتاج السهل وهو الحرب الكبرى.
في حين أن تدبر المشهد بتمعن يذهب إلى الصفقة المنتظرة بعد انتهاء حالة “الهياج” الإيراني الذي يسعى لانتقام يحفظ له مصداقيته الداخلية بين الجهور المعبأ، لاسيما بعد إخراج الحادث من سياق التطاحن الأميركي الإيراني المستمر منذ عام 1979 ووضعه في سياق الحرب الدينية.
وسط الكثير من التصريحات والبيانات الدبلوماسية علينا أن نتوقف أمام عدد من المعطيات، أولا أن إيران لا تريد حرب ولكن تريد انتقام، وفى المقابل كانت رسالة الولايات المتحدة أنها لا تريد حرب ولكن إذا حدث انتقام سيكون العمق الإيراني هو الهدف.
ثانيا أن مساحة الوقت هي كل ما يريده دونالد ترمب ليجعل واقع مقتل سليماني مترسخا بلا أي أحداث متلاحقة، بمعنى أنه يريده زلزالا بلا توابع يحدث ما يريده من تصدع وشروخ في الجدار الإيراني بلا انهيار أو أنقاض.
ولعل من أبرز ما أظهرته الأيام الماضية هو النقاش البحثي الذي استضافته واشنطن في نيسان من العام الماضي، وكان يدور بالتحديد حول إخراج قاسم سليماني من المعادلة! مع تقديم عدد من التوصيات لصانع القرار الأميركي، مؤكدا أنه لم يكن بينها القتل، ولكن كانت محصلة رؤى المختصين والأكاديميين، أنه حان الوقت لكي تلتزم إيران حدودها بلا تمدد، وهذا هو الهدف الحقيقي من قتل سليماني، وهو حال لا يختلف كثيرا عن حال كوبا بعد التخلص من جيفارا، بقيت كوبا داخل حدودها حتى ولو عاش كاسترو ألف عام، والتشبيه هنا في حالة التمدد خارج الحدود وليس تشبيها بين جيفارا وسليماني فالبون بينهما عميق.
ثالثا، أن أكثر الأدوار الدبلوماسية نشاطا في هذا الملف خلال الساعات الماضية كانت من نصيب سلطنة عمان وسويسرا، وهما أفضل من يتوسط في التوصل إلى صفقة جديدة بشروط جديدة.
إن الصدمة الإيرانية هي صدمة لاعب شطرنج لم يتوقع من خصمه أكبر قدر من المغامرة، فوضع أمامه أكبر القطع تأثيرا، ولم يحسب حساب خسارتها التي قد تغير قواعد اللعب .
هذه الصدمة تنسحب على طبيعة أدوار سليماني وهي معطلة الآن بقتله، كل ردود الأفعال من أدوات إيران الإقليمية لم تتعد صراخ العاجز وعويل من فقد الحيلة، وإن ذهب خليفته لنمط سلفه فإن أمامه عملية ترتيب أوراق وعمل استخباراتي وأمنى لكى ينظم عملية انتقام مناسبة، وهنا يكون قد مر الوقت المناسب لترسيخ البعد النفسي لقتل سليماني، وقد يتم مداهمة إيران بعملية أخرى لاسيما وأن العمليات النوعية الأميركية في العراق تستهدف كل رجال إيران ولن تتوقف.
باختصار بدا منهج ترمب واضحا أنه لن يقبل أن تكون إيران هي الفاعل المحوري على الأرض في العراق، وأن تكون واشنطن معلق على الحدث ولو كلفه الأمر إعادة تغيير كل المعادلات على الأرض.
إن دولاب الدبلوماسية العمانية يتخطى دوره في المرحلة الحالية، دور حامل الرسائل للتوصل إلى تهدئة ولكن إلى صفقة عبر عنها ترمب بوضوح برسائل إلى إيران بأنها لا يمكن أن تكسب حرب ولكنها لا تخسر في تفاوض وأنها لن تكون دولة نووية، إذا كان هذا هو العرض الأميركى فما هي المطالب الإيرانية؟
في الإطار نفسه كان من الملفت للانتباه ما وصلت إليه الشيزوفرينيا التركية التي بلغت مداها في التفاعل مع الحادث، إذ اصطف أردوغان إلى الجانب الإيراني علما بأن الحرب في سوريا كانت وما زالت دائرة بين الطرفين، ولكن يبدو أنها ترتيبات خط غاز “ترك ستريم” قد فرضت نفسها على البراجماتية التركية المنفلته، لاسيما وأنه بالأمس أعلنت شركة “غاز بلغاريا”، أن روسيا بدأت شحن الغاز إلى أوروبا عبر خط الأنابيب الجديد “ترك ستريم” الممتد إلى تركيا.. ربما.