واشنطن للبنانيين: حرّروا أنفسكم – 1

واشنطن ـ خاص “المسيرة” – العدد 1702

واشنطن للبنانيين: حرّروا أنفسكم

عقوبات على «حزب الله» – دعم للجيش اللبناني – تقدير للثورة (1)

 

حافظت الإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترمب على ثوابت السياسة الأميركية تجاه لبنان منذ أن شهدت تغييرا جوهريا في عهد الرئيس جورج بوش الابن لجهة عدم النظر إلى لبنان من زاوية المصالح الإقليمية، لا بل تكرست أكثر فأكثر نظرتها بدعم مؤسسات الدولة اللبنانية ولا سيما الجيش والقوى الأمنية وراهنت واشنطن على هذا الخيار في سياق تأمين قدرة لبنان على حكم نفسه بنفسه من دون الحاجة الى وصاية أحد. ولكن ما ميّز الإدارة الحالية عن سابقاتها هو أنها اتخذت مواقف وسلسلة خطوات واضحة وجريئة أكثر تنطلق من واقع المواجهة القاسية مع إيران، مستهدفة بشكل واضح دور «حزب الله» السياسي والعسكري على الساحة اللبنانية ورأت بكل صراحة أنه يقوّض المؤسسات اللبنانية ودورها وهو ما لا تقبل به. وإذا كانت الخلافات قائمة بين الإدارة وبين الكونغرس الذي تسيطر عليه أغلبية ديمقراطية إلا أن الحزبين يتفقان في النظرة تجاه لبنان السيد المستقل الخالي من النفوذ والتأثير الخارجي.

 

في ضوء هذه الثوابت، يجدر التوقف عند المنطق الأميركي في العلاقات مع الدول كافة، حيث أن الجميع ينظر إلى السياسة الأميركية من منظور خاطئ وهي تتأرجح بين حدين. فمن جهة يضعها أعداؤها في دائرة الإتهام والمؤامرات، من جهة أخرى يشك أصدقاؤها فيها بأنها تتركهم عند منتصف الطريق، وتتخلى عنهم. ولكن الواقع مغاير تماما حيث أن المصالح القومية الأميركية هي التي تتقدم على ما عداها في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، وهي على هذا الأساس ترسم سياستها بين حدين لا ثالث لهما، فإما تدخل التحالفات والصداقات، أو تكرس العداوات والخلافات، ووفق هذه السياسة وجب على الآخرين تحديد كيفية تعاملهم مع هذه الدولة العظمى التي تملك أقوى جيش في العالم. وتتركز النسبة الأكبر من القوات الأميركية في ثلاث قارات آسيا وأوروبا وأميركا الشمالية، يرابط الشطر الأكبر منها داخل الولايات المتحدة باعتبارها البلد، بينما ينتشر أكثر من 215 ألف جندي أميركي بشكل أساسي في آسيا وأوروبا، حسب إحصائيات نشرتها وزارة الدفاع التي تبلغ ميزانيتها ومعدل الإنفاق السنوي للجيش الأميركي 716 مليار دولار.

 

في ما خص السياسة الأميركية تجاه لبنان ضمن استراتيجياتها الكبرى، ما هي أبرز المحطات التي سُجلت خلال العام 2019؟

واشنطن تدعم الثورة ولكن..

تدرج هذا الموقف بشكل تصاعدي منذ انطلاق الثورة أو الانتفاضة اللبنانية، بداية عبر الإكتفاء بتصريحات لمسؤول في الخارجية الأميركية، مرورا بتعليقات صدرت عن مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شينكر، ووصولا إلى العناوين التي حددها بنفسه وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في آخر مؤتمر صحافي عقده لمناسبة الإعلان عن عقوبات جديدة على إيران في 10 كانون الأول، حيث كان بارزا أنه سجل مع نهاية العام أول موقف صريح وعلني من تطورات الأوضاع في لبنان، وقال إن الوضع المالي هناك خطير للغاية، وأن البنك المركزي يتعرض لضغوط حقيقية، وأن الشعب اللبناني يواجه تحديات، ولكن الوزير عاد وأكد أن المسؤولية تقع على عاتق الشعب اللبناني، وتقع عليه مسؤولية تشكيل الحكومة اللبنانية للمطالبة بالسيادة اللبنانية والازدهار اللبناني والتحرر من النفوذ ومن الكيانات الخارجية. وفي إشارة صريحة إلى دور «حزب الله»، قال بومبيو إن في لبنان منظمة إرهابية مصنّفة، هي «حزب الله»، لكنه حمّل شعب لبنان مسؤولية التصدي لهذا الأمر، وقال إنه يعلم أن هذا الشعب يدرك الخطر الذي يمثّله ذلك على حريتهم وقدرتهم على تحرير أنفسهم. وأضاف أن هذا ليس اقتراحًا أميركيًا، بل هو اقتراح الشعب اللبناني. ولكنه جدد إستعداد أميركا للقيام بما يمكن للعالم فعله لمساعدة الشعب اللبناني على تصحيح اقتصاده، وتصحيح حكومته.

وكان لافتا أن ديفيد شينكر، الذي شارك في الإجتماع الدولي لدعم لبنان في باريس في 11 كانون الأول ربط الدعم الذي يمكن للمجموعة الدولية أن تقدمه بقيام السلطات اللبنانية بتنفيذ الإلتزامات التي أخذتها على عاتقها، خصوصا في خلال توصيات مؤتمر «سيدر» الذي انعقد في ربيع العام الماضي.

أما في أول رسالة دعم صريحة لمطالب المتظاهرين بمكافحة الفساد في لبنان، فكان مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية، قد عرض مفصلا رؤيته للوضع اللبناني وقال إن عقودا من السياسات الخاطئة دفعت البلاد لحافة الإنهيار، قبل أن يعرب عن أمله في أن تدفع المظاهرات السلطات للسير قدما في الإصلاحات. وقال المسؤول، إن عقودا من الخيارات السيئة والفساد دفعت الدولة إلى حافة الإنهيار السياسي. وأعرب عن أمل الخارجية الأميركية في أن تحفز هذه المظاهرات بيروت على المضي قدما في النهاية بإصلاح اقتصادي حقيقي . وأردف قائلا إن إلتزام وتنفيذ إصلاحات ذات مغزى يمكن أن يفتح الأبواب أمام دعم دولي بمليارات الدولارات للبنان، وهذا أمر يعود للبنانيين. وشرح المسؤول الأميركي الوضع الاقتصادي في لبنان قائلا إن الأزمة الاقتصادية التي يواجهها البلد حاليا ليست مشكلة جديدة، لكنها كانت قطارا قادما ببطء. وأوضح أنه عُرض على لبنان منذ سنة في مؤتمر «سيدر» حزمة من 11 مليارا وسبعمئة مليون دولار مساعدات دولية للخروج من الأزمة التي سيواجهها .وأشار إلى أنه كان على الحكومة اللبنانية أن تجري إصلاحات للحصول على هذه الأموال، وأوضح أنه لمدة سنة لم تتمكن الحكومة من إتخاذ أي قرار من أجل الإصلاح، وفجأة أصبح لديهم مشكلة سيولة ولا يمكنهم الحصول على الدولار ومخاوف بشأن تخفيض سعر صرف العملة اللبنانية.

وكرر المسؤول الأميركي القول إن هذه الأزمة كانت متوقعة منذ فترة والشعب اللبناني محبط، ووصف الحشود المتظاهرة بأنها ضخمة جدا وأكثر من الحشود التي تظاهرت خلال ثورة الأرز عام 2005. وشدد المسؤول الأميركي أن الشعب اللبناني يريد أن يرى أفعالا، وقال إن الولايات المتحدة تدعم دعوة الشعب اللبناني إلى اتخاذ إجراءات إصلاحية ومحاربة الفساد. وأضاف لن ندخل في مسألة الأشخاص ولن نقول للحكومة اللبنانية ماذا عليها أن تفعل. فهذا يعود للشعب اللبناني. وتوقف المسؤول الأميركي عند ما قام به الجيش اللبناني من خطوات لحماية المتظاهرين، موضحا لقد رأينا الجيش قد دافع عن المتظاهرين وحقهم في التظاهر ضد عصابات أو قطاع طرق من أحزاب سياسية معينة وهذا تطور إيجابي ونأمل ونتوقع أن يواصل الجيش القيام بذلك في المستقبل. وحول قيام الجيش بتفريق المتظاهرين في بعض المناطق، كرر المسؤول الأميركي القول إننا نأمل ونتوقع أن يواصل الجيش اللبناني حماية المتظاهرين.

وحول ما إذا كانت الولايات المتحدة الأميركية تلعب دوراً مباشرا أو غير مباشر في إيجاد بعض الحلول للأزمة في لبنان، أشار المسؤول الأميركي إلى أن السفارة الأميركية في بيروت والسفيرة هناك على إتصال بكل اللاعبين اللبنانيين، ونحن على إتصال دائم معهم. واستطرد قائلا ليس دور الولايات المتحدة أن تقول لسعد الحريري أو سمير جعجع أو وليد جنبلاط أو أي شخص ترك الحكومة فهذا ليس عملنا. فهم يعرفون السياسة اللبنانية. وحول مهاجمة «حزب الله» و»أمل» لمتظاهرين في عدة مناطق في الجنوب والبقاع وغيرها، تساءل المسؤول الأميركي لماذا يهاجمون المتظاهرين، وأجاب لأن المتظاهرين يتظاهرون ضد «أمل» و»حزب الله». وأضاف مكررا ما قاله سابقا بأنه سيكون أمر عظيم إذا تمكن الجيش اللبناني من الدفاع عن المتظاهرين ضد «أمل» و»حزب الله» وأعرف أن هذا طلب باهظ الكلفة. وعدّد المسؤول الأميركي ملاحظاته على هذه التظاهرات وقال إن الشيء المذهل فيها حتى الآن بمعزل عن الأعداد والشجاعة والمثابرة هي أنها غير طائفية. وأضاف من يتابع لبنان فهذا أمر غير مسبوق، وقد حصلت مظاهرات في السابق ضد النفايات وقد بدأت غير طائفية ولكن بعد ذلك خرقتها عدة مجموعات. لكن المسؤول الأميركي أعرب عن مخاوفه حيال المرحلة المقبلة، وقال إن القلق من الآن وصاعدا هو أن تحاول بعض المجموعات التي هددت، التسلل إلى التظاهرات وتحويلها إلى مسألة طائفية لحماية مصالحها.

(يتبع)

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل