#adsense

عتيمة ع العتيمة… رومانسية يا دولتنا العليّة

حجم الخط

سيعود عهد النملية. ستنزل عن عرشها كقطعة فنية اثرية يتآكلها الغبار في زاوية البيت، ونتباهى بها انها ذكرى غالية من بيت جدي العتيق، سنزيل عنها ذاك التريكو المخرّم المحيّك بدقة متناهية بأنامل ستي على زمن الفرنساويي ربما من يعرف، ونعيدها الى حيث تنتمي بالأساس، الى المطبخ، ونصفصف فوق رفوفها صحن اللبنة والجبنة والزيتون وبقايا طبخة الفاصوليا من مبارح وما شابه!

سنعيد المجد كل المجد لكيس اللبنة، ذاك الخام الابيض الناصع، ونعلّقه بعنق الحنفية، ونملأه باللبن ليصفي على مهل مهله ويتحوّل الى لبنة بلدية طيبة ونتباهى بحالنا “يي اليوم قطعت لبنة”!

سنعيد مجد الامجاد لقنديل الكاز، ذاك العتيق الجميل المنقرض المعلّق زينة الى زاوية الصالون، سنملأ خزانه الصغير بالكاز ونهيئ الشموع حزما حزماً، ونسترجع مجد الرومانسية البائد في لبنان! سننتزع الصاج من غياهب التتخيتة ونخبز الخبز السخن ونعزم الجيران على “الدويشة”، اي الرغيف المحمص زيادة عن رفاقه، ونربح وجود المعجن في زاوية غرفة السفرة من جديد.

وهيك هيك ماشي التراث، سنستعين بدابة “ابو ميلاد” الوحيدة المتوافرة في ضيعتنا، وسنبحث عن مثيلات لها في المدينة لنعيد إليهم مجد النقليات، ونبقى من بيت جدي لبيت ستي شي عشر ساعات، بما ان البنزين ايضا سيصبح مادة منقرضة في دولة الامجاد المنقرضة!

تحبنا الدولة في لبنان! تحبنا لدرجة انها صارت تتحنن علينا بساعتين كهرباء على الاكثر، وان احبتنا اكتر شوي، فتمنحنا اياها ثلاث ساعات دفعة واحدة!! تحبنا لدرجة ان الكهرباء تغيب اكثر من 12 ساعة عن بيوت لبنان، والموتور لا يحتمل ضغطا مماثلا فيأخذ على خاطره ويذهب في غيبوبة بحجة الاستراحة!

جميل، جميل جدا والله، خصوصا ان معمل الزهراني مثلا بشّرنا ان بينه والاقفال التام اياماً قليلة، وستلحق به باقي معامل انتاج الكهرباء في لبنان! أضف اليهما ازمة بنزين مازوت دولار سيولة مصارف و… وكرامة واحساس بالناس، وهكذا تحبنا الدولة في لبنان، تحبنا الى درجة استعادة زمن الرومانسية، او لنقل زمن الحرب أتذكرون؟

ولعل أبهى وجوه الحب بين الدولة والمواطن هو كيفية صراع السلطة بينها وحالها على تأليف الحكومة!! صراع شخصي بحت وكأن الدولة ملك خاص، والناس عبيد ملك هؤلاء الفاسدين! دولة تتناتش على جثة دولة! هذا لا يحصل الا في لبنان. ذاك يريد القلب والقلب بالكاد ينبض، وذاك يريد الاطراف والاطراف كأنها مبتورة، وآخر يريد الجهاز الهضمي وهم هضموا كل الاجهزة بعدما صارت بلا فاعلية ولا انتاجية، وآخر تشطّ ريلتو على الرأس ورأس الوطن معطل طالما الاطراف والقلب في الغياب. تتناتشون على ماذا يا اوادم؟ اكيد “اوادم”! تتناتشون على جثة دولة؟ على بقاياها لتبقوا في السلطة؟ اي سلطة بعد لكم غير على القبور؟ من أنتم اساسا لتتحكموا بالدولة غير انكم الفساد بعينه والاجرام بعينه والذل بعينه؟ اي دولة ستحكمون بعد والكلمة اساسا ما عادت لكم؟

دولة متعالية على الحقيقة، تعيش في غيومها “الوردية”، والدنيا من حولها ضباب اسود اسود قاتم. دولة متنكرة للواقع والواقع ان على الارض هو غير تماما ما هو في “سمائهم” المفترضة، ومع ذلك يصرون على التنكّر، يرفضون الواقع والثوار وغضب الناس وفقرهم المدقع واستيائهم ولعناتهم وثورتهم المنتظرة التي قد تتحول الى ما لا يتوقعون على الاطلاق.

أحب التراث اكيد، واحب اللبنة المقطوعة بالكيس، واحب ضوء الشموع حين التقي بعيون من احب فقط، لكن لا احب فرض التراث علينا، ولا اريد ان اعود لأملأ الجرة من العين لمجرد ان عين الفاسدين تحكمني، ولأن زمرة ما يسمى “برجال السلطة” قررت ان الشعب لن يعيش ما لم تشبع عيونهم الفارغة. كل ما يمكن قوله لهؤلاء انهم لا يعرفون ما ينتظرهم، وما عليهم سوى انتظار غضب الثورة، وسنرى من بعدها من سيسهر ذليلا على الشمعة ومن سيتنعّم بكرامة الضوء.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل