بين عزل إيران و… عزل ترمب -1

واشنطن – خاص “المسيرة” – العدد 1702

بين عزل إيران و… عزل ترمب

واشنطن أمام عام حاسم ومصيري داخليًا وخارجيًا (1)

شكلت التطورات على الصعيدين الخارجي والداخلي للولايات المتحدة خلال العام 2019 محورًا مفصليًا في رسم معالم العام المقبل، حيث أن التوترات في الخارج تهدد بالإمتداد وجذب الإنتباه تماماً بينما يجاهد الرئيس الأميركي من أجل بقائه السياسي في الداخل في ضوء قضية العزل التي يحارب بها الديمقراطيون ليس الرئيس بذاته وإنما الحزب الجمهوري علهم يستطيعون العودة إلى الحكم في البيت الأبيض طالما أن عزل الرئيس سيسقط في محكمة مجلس الشيوخ. هكذا إذاً تراقب الإدارة الأميركية مختلف الإحتجاجات في جميع أنحاء الشرق الأوسط، وربما تدفع الإحتكاكات الطويلة الأمد بين الولايات المتحدة وإيران إلى ذروتها في الأشهر المقبلة، وربما حققت السياسة الأميركية للمرة الأولى نجاحًا في النزاع الطويل الأمد مع إيران في الداخل حيث يشعر الإيرانيون بالإحباط بسبب الاقتصاد الذي يتداعى تحت وطأة العقوبات الأميركية.

وفي وقت يمكن القول فيه إن سياسة إدارة ترمب وخططها تجاه إيران قد حققت نجاحًا لا لبس فيه مع إنتظار ما يمكن أن تؤدي إليه في نهاية المطاف سياسة الضغط والعقوبات، فإن التخبّط والتراجع وإرباك الحلفاء المحليين والأوروبيين كان السمة البارزة لسياسة الإدارة الحالية إزاء سوريا، وهو وضع لا تختلف فيه عن سياسة الإدارة السابقة في عهد الرئيس السابق باراك أوباما الذي كان حدد خطوطاً حمراء في شأن النزاع السوري ولم ينفذ منها شيئا، بحيث يمكن القول إن سياسة ترمب المعلنة تحت عنوان إنهاء مشاركة أميركا في الحروب الخارجية، قد تأتي بنتائج لا تحمد عقباها.

وفي حين يبدو سيناريو عزل الرئيس ترمب مرسوما سلفا لجهة إدانته في مجلس النواب الذي تسيطر عليه أغلبية من الحزب الديمقراطي، ويسقط في مجلس الشيوخ، إلا أن الشرخ العامودي على خلفية المساءلة والعزل قد أدى فعليًا إلى تقسيم البلاد على الصعيد الوطني بشكل حاد بين الحزبين طالما أن عملية العزل لم تحظ في الأساس بأي دعم مشترك، وهكذا بدت الصورة منقسمة بين تمسك الديمقراطيين بأن ممارسات ترمب تشكل خطرًا على الدستور وعلى المؤسسات وحتى مع معرفتهم المسبقة بسقوط العزل إلا أنهم يأملون أن يشكل هذا الهجوم دافعًا لمعركتهم الانتخابية، وبين دفاع الجمهوريين ليس فقط عن الرئيس لجهة الجزم بأنه لم يرتكب أي خطأ خلال أداء وظيفته كرئيس يحتم عزله، وإنما هو دفاع عن  مؤسسة الحزب تحديدَا والقلق من أن يؤدي الهجوم الديمقراطي إلى نتائج سلبية عليهم في الانتخابات الحاسمة والدقيقة في سنة 2020.

 

استراتيجية تطويق إيران

شكل إعلان الرئيس الأميركي إنسحاب الولايات المتحدة من جانب واحد من الإتفاق النووي مع إيران خطاً تصاعديًا طبقت في خلالها واشنطن للمرة الأولى سياسة متشددة ولم تكتف بالتلويح بالمواقف، حيث أسهمت قرارات العقوبات التي صدرت بحق المسؤولين الإيراني بدءا بالمرشد الأعلى للجمهورية، مرورا بعدد آخر من المسؤولين وصولاً إلى قائد فيلق القدس قاسم سليماني، في خلق لحظة محورية بالنسبة للسياسة الاميركية تجاه إيران.

 

آثار العقوبات

أما لجهة آثار العقوبات على إيران، فهي طالت بداية الريال الإيراني الذي شهد حالة سقوط كبيرة وفقد خلال العام 2019 أكثر من 70 في المئة من قيمته، والتضخم يسير بسرعة. كما انخفضت صادرات الطاقة الإيرانية بنحو الثلث من ذروتها حيث أن أسعار الطاقة المرتفعة حالياً بشكل ملحوظ في محطات البنزين، لها علاقة أيضاً بالإمدادات التي عرفت التشديد بسبب العقوبات. وبعد ربيع قصير من الإستثمار الدولي في إيران، بدأت الهجرة الجماعية للشركات الأجنبية. كما غادر العديد من الشركات الأوروبية البلاد خوفاً من فقدان سوقها الأميركية الأكثر أهمية. وأعلنت شركة الطاقة الفرنسية «توتال» عن إنسحابها من مشروع الغاز بكلفة مليار دولار. كما انسحبت شركة تصنيع السيارات الألمانية «ديملر» من إيران مثل شركة صناعة السيارات الفرنسية أو حتى شركة «إيرباص». وكانت نمت التجارة الألمانية ـ الإيرانية بعد إبرام الإتفاق النووي وما تبعه من تخفيف للعقوبات إلى 3.3 مليار يورو، لكنها انهارت بعد مغادرة الولايات المتحدة الإتفاق بنسبة 20 في المئة. كما أنه خوفاً من العقوبات الأميركية، تتردد البنوك الأوروبية بشكل كبير في التعاملات التجارية مع إيران. كما وصل تحويل الأموال إلى طريق مسدود، ما سبب مشاكل كبيرة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم في أوروبا، التي ترغب مواصلة تعاملاتهم التجارية في إيران والتي لا تخشى العقوبات الأميركية بسبب عدم وجود أعمال لها في الولايات المتحدة. وجعلت العقوبات جميع أنواع الواردات إلى إيران صعبة للغاية. حتى الأدوية الحيوية أصبحت نادرة ولا تتوافر إلا بأسعار مضاعفة. لكن لدى إيران سنوات من الخبرة في التعامل مع العقوبات والتحول إلى ما يمكن وصفه باقتصاد المقاومة.

 

إندلاع الإحتجاجات داخل إيران

إن الإحتجاجات التي اندلعت على نطاق واسع في إيران مع الأشهر الأخيرة من السنة، هو أمر لا ينبغي أن يكون مفاجئاً لأن القضايا التي ينادي بها الشعب الإيراني عميقة الجذور وقائمة منذ فترة طويلة، ولذلك فهي سوف تحدث مرة أخرى حتى لو تمكن النظام من سحقها هذه المرة. ولكن هذه الإحتجاجات تشكل تحدياً صعباً لصانعي السياسة في الولايات المتحدة، إذ يجب دعم الإيرانيين الذين يريدون حكماً أكثر تمثيلاً لهم وأكثر خضوعاً للمساءلة، ولكن يجب فعل ذلك بطرق لا تعيق جهودهم حيث أنه من المهم أن تعرب الولايات المتحدة عن رغبتها في المساعدة، ولكن من المهم أيضاً تجنب أي خطوة قد تؤدي إلى إستجابة أكثر وحشية من الإستجابة الدموية التي صدرت بالفعل عن النظام. ويتطلب ذلك تحركات محسوبة بدقة. وقد أظهرت موجة التظاهرات الأخيرة ضد النظام الإيراني بأنها كانت قوية جزئياً لأنها تجمع الكثير من تيارات المعارضة من داخل إيران ومن الخارج، ومن نشطاء حقوق المرأة والإيرانيين من أعضاء الطبقة العاملة الغاضبين من مستويات المعيشة، ومن الجماعات العرقية المتنوعة في إيران. وقد شجعت الولايات المتحدة علامات الاضطرابات الأخيرة، حيث قال وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو صراحة في أول رد فعل أميركي على التظاهرات داخل إيران إن الوكالات الأميركية جمعت أكثر من 20 ألف مقطع فيديو ورسائل إحتجاج أخرى من داخل إيران، على الرغم من محاولات النظام لحظر الإنترنت. ويعتبر مسؤولو إدارة ترمب الذين يتابعون الملف الإيراني، بأن هناك إعتقاداً ناشئاً بأن الإحتجاجات في إيران ليست مثل غيرها من الإحتجاجات، حيث ستأتي بالمزيد من الإضطرابات.

 

قلق أميركي من رد فعل إيراني أكبر

وعلى هذا الأساس بدأت الإدارة الأميركية مع نهاية العام تتحسب لخطر ما يمكن أن تفعله إيران في الخليج أو في أي مكان آخر على مدار الأشهر المقبلة، وهي تدرك سلفاً أنها لا تملك عملية تشاور روتينية يشارك فيها الرئيس لتقييم مسارات العمل المحتملة، وهذا يعني رد فعل أحادي الجانب، في وقت الأزمة. ولكن معظم المحللين في العاصمة الأميركية يعتبرون أن الموقف الأميركي في الشرق الأوسط أفضل مما كان عليه قبل ثلاثة أعوام، ولكن ما زال هناك الكثير الذي يجب القيام به، ولا شيء يوحى أن الرئيس بحاجة إلى إصلاح استراتيجيته بشكل كبير. ويلاحظ أنه إلى جانب تعزيز الموقف العسكري الأميركي في المنطقة للرد على التهديدات الجديدة المقلقة من إيران، فإن قائد القيادة المركزية الأميركية الجنرال كينيث ماكنزي يعتقد أن التهديد الإيراني مستمر في الإرتفاع، وأنه من المرجح أن تواصل طهران هجماتها. وأعرب ماكينزي عن إعتقاده بأن الضربة التي تعرضت لها «أرامكو» السعودية هي مؤشر إلى حد كبير على دولة تتصرف بطريقة غير مسؤولة، ولفت الجنرال ماكينزي إنه بحسب تقديره فإنه من الممكن أن يهاجموا مرة أخرى.

ولهذا تنظر واشنطن إلى إيران باعتبارها الخيط المشترك الوحيد الذي يقوّض الإستقرار الإقليمي من خلال الهجمات المباشرة على جيرانها، حيث أنه على الرغم من أن هدف إيران الأساسي هو الحفاظ على بقاء نظامها الديني، فلديها طموحها بتحقيق الهيمنة. ويدرك الخبراء في واشنطن كما معظم المسؤولين لا سيما على مستوى المؤسسة العسكرية أنه على مدى الأعوام العشرة الماضية، إستثمرت إيران بكثافة في الصواريخ الباليستية وغيرها من القدرات من أجل تهديد جيرانها.

 

ترسانة إيران

في الواقع، وبحسب تقرير جديد عن القوة العسكرية الإيرانية من وكالة الإستخبارات الدفاعية، وهو الأول من نوعه الذي يصدر في هذا السياق، فقد زادت طهران بشكل كبير من إنفاقها الدفاعي من أدنى مستوى له في عام 2014 إلى 27.3 مليار دولار، أو 6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، في عام 2018. من هنا يبدي المسؤولون الأميركيون القلق بشكل خاص من التهديد الإيراني في منطقة الخليج، ولذا فإن رد الولايات المتحدة على التهديد الإيراني كان محدوداً حتى الآن، أي أنه مصمم فقط لتوجيه رسالة ردع قوية ولكن ليس لاستفزاز هجمات جديدة. وتُعتبر القوات الإضافية التي أرسلها البنتاغون إلى المنطقة دفاعية في معظمها، وهي حاملة طائرات، وأسراب من الطائرات المقاتلة والقاذفة للقنابل، بالإضافة إلى بطاريات الدفاع الجوي والصاروخي، ولذا يعتبر القادة العسكريون أن طهران قد رُدعت بنجاح عن مهاجمة القوات الأميركية، ولكن ليس عن إتخاذ تحركات إستفزازية ضد الشركاء الإقليميين.

لهذا السبب يعتبر مسؤولو الإستخبارات الأميركيون أن نشر الصواريخ الإيرانية يشكل تهديداً للحلفاء والشركاء الأميركيين في المنطقة، بما في ذلك إسرائيل والمملكة العربية السعودية، وقد تعرض حياة القوات الأميركية للخطر. وقال المسؤولون العسكريون والاستخباراتيون إن طهران تخوض حرباً سرية وتضرب دولاً في الشرق الأوسط لكنها تخفي أصل هذه الهجمات لتقليل فرص إثارة ردود فعل إنتقامية أو تصعيد القتال. وتمنح ترسانة الصواريخ خارج حدود إيران تفوقاً للحكومة الإيرانية وجيشها وقواتها العسكرية شبه النظامية في أي مواجهة مع الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين. فإذا قصفت الولايات المتحدة أو إسرائيل إيران، يمكن أن يستخدم جيشها الصواريخ المخبأة في العراق للرد بضرب إسرائيل أو أي دولة من دول الخليج. كما يمكن أن يساعد وجود هذه الأسلحة في حد ذاته على ردع الهجمات أيضاً. ورفض مسؤولو الإستخبارات مناقشة النموذج الدقيق للصواريخ الباليستية التي ترسلها إيران خلسة إلى العراق، لكن الصواريخ قصيرة المدى يصل مداها إلى ما يزيد قليلاً عن 965 كيلومتر، ما يعني أن الصاروخ الذي يُطلق من أطراف بغداد يمكن أن يضرب القدس المحتلة. وكان مسؤولو الإستخبارات الأميركية قد حذروا للمرة الأولى من الصواريخ الإيرانية الجديدة في العراق خلال العام الماضي، وشنت إسرائيل غارة جوية تهدف إلى تدمير الأسلحة الإيرانية المخفية. ولكن منذ ذلك الحين، قال المسؤولون الأميركيون إن التهديد يتزايد، مع نقل صواريخ باليستية جديدة سراً. وقال المسؤولون إن إيران تستخدم الميليشيات الشيعية العراقية، التي زوّدتها بالإمدادات وسيطرت عليها طويلاً، لنقل الصواريخ وإخفاءها. وقال المسؤولون إن الميليشيات التي تدعمها إيران سيطرت بفعالية على عدد من الطرق والجسور والبنية التحتية للنقل في العراق، ما يسهل من قدرة طهران على نقل الصواريخ خلسة إلى داخل البلاد.

(يتبع)

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل