ماذا إذا سافر حسان دياب؟

 

أن يسافر الرئيس سعد الحريري رئيس حكومة تصريف الأعمال لقضاء إجازة في باريس من دون معرفة مدتها مسبقاً واعتبارها قد تكون مفتوحة فتلك مسألة لم تشكل مشكلة كبيرة. ولكن أن يسافر رئيس الحكومة المكلف الدكتور حسان دياب لأسباب تتعلق بالعراقيل التي يواجهها في عملية تأليف الحكومة فتلك مسألة قد تكون مدخلاً لأزمة كبرى لم يواجهها لبنان من قبل.

 

سفر الرئيس المكلف تشكيل الحكومة يبقى مجرد احتمال مطروح نظرياً فقط. ولكنه في الواقع يمكن أن يحصل. هذا الأمر تم التطرق إليه عندما تم تكليف الرئيس سعد الحريري مهمة تشكيل الحكومة المستقيلة اليوم بعد الإنتخابات النيابية التي حصلت في أيار 2018. يومها مع تعقد عملية التأليف بدأ إعداد النظريات الدستورية التي تهدف إلى القول أن تكليف رئيس الحكومة تشكيلها ليس من دون سقف زمني وأن بالإمكان اللجوء إلى توقيع أكثرية من النواب ورقة تطالب الرئيس المكلف بالإعتذار على أساس أن الثقة التي أعطتها إياه هذه الأكثرية قد عادت وسحبتها منه أو أن يجتمع مجلس النواب ويصوت بالأكثرية على سحب التسمية وبالتالي يمكن لرئيس الجمهورية أن يدعو لاستشارات نيابية جديدة وتسمية رئيس مكلف جديد. ولكن كل تلك المحاولات لم تذهب أبعد من كونها مجرد طروحات لا ترقى إلى مستوى الدستور. واليوم تعود هذه المسألة إلى الظهور مع العقبات التي تواجه الرئيس المكلف الدكتور حسان دياب تشكيل الحكومة.

 

معارضة أهل البيت

 

كان الرئيس المكلف ينتظر أن تأتيه المعارضة من الجهات التي لم تسمه ومن تلك التي اعترضت عليه من باب أنه لا يمثل ميثاقياً الطائفة السنية وخصوصاً دار الفتوى التي لم تحدد له موعداً لاستقباله. ولكن المفاجأة أتته مضاعفة من ناحيتين: الأولى أن الذين لم يسموه كانوا متسامحين معه أكثر من اللازم ولم يحكموا عليه سريعاً ومباشرة على أساس أنه مرشح “حزب الله” و”التيار الوطني الحر” وحلفائهما وأنه يمكن أن يكون رئيساً لحكومة اللون الواحد وأعطوه أبعد من ذلك فترة سماح بانتظار شكل الحكومة التي ستكون وتركيبتها وما إذا كانت على مقياس المواصفات التي حددها بعد تكليفه أي حكومة مستقلين وأخصائيين لا حكومة سياسية ولا تكنو سياسية.

 

الناحية الأخرى التي فاجأته هي الشروط الكثيرة التي وضعتها عليه الجهة التي سمته بمختلف أطرافها والتي كانت معقدة ومتقاطعة ومن دون حلول ولا أفق وكأن هذه الجهة لا تريد أن تتشكل الحكومة.

 

لا تأليف بعد التكليف؟

 

صباح يوم الإثنين في 16 كانون الأول الماضي، في الموعد الذي كان حدده الرئيس ميشال عون للإستشارات النيابية الملزمة لتسمية رئيس الحكومة، عندما فجرت “القوات اللبنانية” مفاجأة عدم تسمية الرئيس سعد الحريري ووعدت بمنح حكومته الثقة في حال كانت مستقلة وتضم اختصاصيين وبعيدة عن المحاصصة السياسية، طلب الرئيس الحريري من خلال الرئيس نبيه بري أن يتم تأجيل الإستشارات. وبعد طلب بري اتصل الحريري بالرئيس عون الذي قبل بالتأجيل إلى 19 كانون الأول يوم الخميس من دون الموافقة على أي تأجيل آخر. وعندما أعلن الرئيس الحريري خروجه من الترشيح واعتذاره عن عدم قبول التسمية كانت قوى 8 آذار أمام تحدي البحث عن رئيس للحكومة تسميه ويمكنه أن يقبل المجازفة الصعبة.

 

كثيرة هي التسريبات التي تحدثت عن الجهة التي بدأت بطرح اسم الدكتور حسان دياب لهذه المهمة. ولكن أياً تكن هذه الجهة أو تلك الشخصية فإن الإتصال مع دياب من قبل رئاسة الجمهورية ورئيس “التيار الوطني الحر” الوزير جبران باسيل و”حزب الله” كان بمثابة التورط الكامل في هذه العملية المعقدة. من الأساس قيل أن الرئيس وباسيل كانا يريدان حكومة مواجهة وأن “حزب الله” لم يكن قابلاً بذلك وأنه مع الرئيس بري يفضلان أن يكون الرئيس سعد الحريري هو رجل المرحلة انطلاقاً من قناعة مكونة لديهما بأنه يمكنه أن يستمر بالتسوية الرئاسية وأن يأتي بحكومة لا تتعارض مع توجهاتهما وتجنبهما زيادة الشرخ السني الشيعي في هذه المرحلة التي تمر بها المنطقة. ولكن بعد اعتذار الحريري لم يكونا ليمانعا السير بترشيح حسان دياب.

 

يقال أن الذين رشحوا دياب وافقوه على طرحه تشكيل حكومة أخصائيين مستقلة وفق المواصفات التي حددها على اساس أن لا تضم وزراء من الحكومة المستقيلة ولا شبهات عليهم ومقبولين من المجتمع الدولي والحراك الشعبي ويمكنهم أن يشكلوا معه فريق عمل متجانس يستطيع أن يضع تصوراً للخروج من الأزمة المتفاقمة.

 

ولكن حسابات الحقل لم تكن متوافقة مع حسابات البيدر. لقد وعد دياب بأن يتم إنجاز مهمته خلال أربعة أو ستة اسابيع. البعض اعتبر أن هذه المدة طويلة في خضم الأزمة التي يعيشها لبنان. وكان هناك تساؤل أنه طالما أن هذه الحكومة ستكون حكومة اللون الواحد وتحظى بتأييد أطراف 8 آذار فلماذا لا تولد خلال ايام أو أسبوع على أساس أن رئيس الجمهورية عندما كان يؤجل تحديد موعد للإستشارات كان ذلك بحجة الإتفاق على التأليف قبل التكليف فلماذا تعقدت العملية؟ وهل بات من المستحيل التأليف بعد التكليف؟

 

من ينقلب على من؟

 

ثمة رواية منقولة تم تداولها تتحدث عن محاولة الإنقلاب على دياب وتبدأ من إعلان الرئيس نبيه بري يوم الأربعاء الماضي في 8 كانون الثاني الحالي أن المطلوب في هذه المرحلة أن تكون الحكومة حكومة لم الشمل ودعوته رئيس الحكومة المستقيلة سعد الحريري للعودة إلى لبنان وحضور جلسات مناقشة موازنة العام 2020 في مجلس النواب وعلى اساس أن المرحلة بعد اغتيال قائد فيلق القدس اللواء قاسم سليماني لا يمكن مواجهتها بحكومة غير سياسية بالكامل. وعلى هذا الأساس بدأ الحديث عن أنه يجب على حسان دياب أن يعتذر عن استكمال مهمة التأليف ويعيد الأمانة إلى من حمله إياها.

 

عندما سئل مصدر قريب من الرئيس المكلف عن طرح مسألة اعتذاره قال من دون مواربة أنه “لن يعتذر. الإعتذار غير وارد عنده. ليقل الرئيس بري أو اي كان غيره ما يريدونه. يحكوا اللي بدهم ياه. مش الرئيس دياب هو الذي يعتذر. يستطيع أن يفضح كل ما حصل معه منذ بدأ معه مسار تسميته وتكليفه”. أكثر من ذلك. المصدر القريب يعتبر أن الرئيس دياب بات مقبولاً أكثر في الشارع اليوم.

 

كان طلب دياب أن يكون الوزير السابق دميانوس قطّار وزيراً للخارجية مرفوضاً. هذا الأمر ترافق مع المعلومات التي تحدثت عن أن الرئيس عون أوفد شخصية مقربة منه إلى الرئيس بري طالباً العودة إلى تشكيل حكومة سياسية وأن بري وافق على ذلك ولكن عون عاد وتراجع بعدما وافق دياب على أن يكون قطار وزيراً للإقتصاد وأن تبقى الخارجية من حصة باسيل. ولكن المشكلة مع باسيل كانت أكثر من ذلك ولم تكن محصورة مع دياب. قيل إن باسيل يريد الثلث المعطل وإن بري و”حزب الله” وتيار المردة يرفضون هذا الأمر. وعاد الحديث أكثر عن أنه من المطلوب أن يعتذر دياب. ولكن دياب لن يعتذر ويعتمد الهجوم المعاكس ولكن ضمن حدود معينة. فهو ينطلق من ثابتة أنه لا يبحث عن تكوين زعامة سياسية ولكنه في الوقت نفسه لا يقبل أن يكون مجرد باش كاتب. على العكس يعتبر أن من واجباته المحافظة على صلاحياته كرئيس مكلف وكرئيس محتمل لحكومة سيكون فيها الممثل الأول لطائفته. وربما هو يراهن على زيارة دار الفتوى من هذا الباب. من هذا المنطلق باتت النظرة إلى دياب من قبل الذين سموه أنهم أخطأوا في الإختيار وأن تسمية الحريري كانت أفضل لهم وأن الحريري كان يمكن أن يعطيهم أكثر مما يقبل به دياب. مع التأكيد على أن دياب لن يعتذر أكثر من مرة قال المصدر القريب منه إن المسألة تحتاج إلى الصلاة أكثر بعدما دخلت مسألة التشكيل في أزمة كبيرة لا يمكن الخروج منها إلا بتنازل كبير. لا يستطيع دياب أن يتراجع عن التزاماته وأن يقبل بكل ما طلب منه ولا يمكنه أن ينسحب من اللعبة. وهو يدرك أنه الأقوى في انتظار الوقت هذه المرة. وبإمكانه أن يفرض شروطه. لعبة الوقت والإنتظار كان يمارسها فريق 8 آذار تحديداً “حزب الله” و”التيار الوطني الحر” تجاه الرئيس سعد الحريري. لم ينس الحريري بعد كيف تم تأجيل الإعلان عن حكومته الحالية بعدما رفع الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله شرطاً جديداً يقضي بتسمية وزير سني من “اللقاء التشاوري” إلى الحكومة وقد وجد الحريري نفسه مجبراً على النزول عند هذه الرغبة. ولكن دياب اليوم ليس في الوضع نفسه. اللعبة معه مقلوبة. لذلك يهددونه.

 

بإمكان دياب أن يسافر أو أن يعتكف وأن يترك اللعبة مقفلة أمام من كلفوه وسموه. ويدرك أنهم قد يتنازلون مع الوقت خوفاً من الإنهيار الكامل الذي لا يمكنهم أن يتحملوا مسؤوليته وأمام ضغط الشارع العائد إلى الإنفجار في موعد قريب إذا استمرت الأزمة وإذا استمر هذا الفريق عاجزاً عن التشكيل باعتبار أنه يتحمل كامل مسؤولية الإنهيار بعدما اختار أن يمسك باللعبة وحيداً وبعدما ثبت أنه ليس على قدر المسؤولية.

 

ربما ليس من قبيل الصدف أن تحصد حكومات أطراف 8 آذار الفشل في كل المراحل. هذا كان مصير حكومة الرئيس سليم الحص في العام 1998 عندما تم استبعاد الرئيس رفيق الحريري بداية عهد الرئيس أميل لحود. وهذا كان مصير حكومة الرئيس عمر كرامي في أواخر العام 2004 عندما أجبر الرئيس رفيق الحريري على الإعتذار أيضاً وعندما بدأ التحضير لعملية اغتياله. وهذا ما واجهته حكومة الرئيس نجيب ميقاتي التي جاءت بعد انقلاب على حكومة الرئيس سعد الحريري في العام 2011 وقد أعلن السيد حسن نصرالله أن هذه الحكومة أتعبت “حزب الله” أكثر من غيرها مع أنها اعتبرت حكومته. فهل يصمد دياب حتى النهاية كما يأمل منه كثيرون ممن لم يسموه ولم يرفعوا أمامه تحدي إسقاطه باي ثمن أم يرضى بأن يتنازل ويحترق لمرة واحدة وأخيرة تكون قاضية عليه؟​

المصدر:
نداء الوطن

خبر عاجل