الحكومة والخيارات الميتة

بعد ستة وعشرين يوماً على تكليف الوزير السابق حسان دياب تشكيل حكومة بعد استقالة الرئيس سعد الحريري على إثر اندلاع ثورة لبنان، وبعد يومها التسعين، بتنا أمام خيارات محدودة، يقف أمامها الشارع السياسي في لبنان. فهل ستسير عربة الدولة مع حصانين يشدانها بعكس بعضهما البعض أم أنها ستقبع في غياهب التعطيل إلى أن يقضي الرب أمراً غير معروف؟

من الغباء الإذعان لمقولة إن دياب قادر أن يفرض رؤيته في تشكيل الحكومة. لقد بات واضحاً لدى الجميع أن مهمة المايسترو هي متشَاركة بين أفرقاء الفريق الواحد الثلاث؛ حركة أمل وحزب الله والوزير جبران باسيل. وبعد مهلة الـ48 ساعة التي منحها الثوار للرئيس دياب لإنجاز مهمته المعرقَلة من هؤلاء ذاتهم؛ فهو بات أمام مهمة مستحيلة قد لا تجد خواتيمها إلا بحلقة تنازلات؛ من المؤكد أنها لن تقدم.

وذلك يدل على أن فريق السلطة بات أمام خيارات ثلاثة نستعرضها كالآتي:

حكومة مواجهة: وستكون هذه الحكومة برئاسة دياب أو أي اسم جديد قد يناورون به طالما أن قطاع المصارف لا يزال رافعة الدولة ويمنعها من الانهيار المادي.

حكومة إنقاذ: وترأس هذه الحكومة شخصية سنية مقبولة من المجتمع الدولي، وتلقى دعمه، لتدخل لبنان في مرحلة الحل الاقتصادي عوض التحلل المؤسساتي الذي يسير بسرعة الضوء.

تفعيل حكومة تصريف الأعمال برئاسة الحريري بانتظار أي حدث مبدل قد يقلب موازين القوى لصالح فريق السلطة بقيادة المايسترو أي حزب الله.

من هذا المنطلق، يبدو أن حزب الله سيتجه نحو الخيار الثالث لأنه اقتنع أن المواجهة المدموغة بالخيار الأول ستجر عليه وعلى لبنان الويلات، وهو ليس مستعدا لتجرع هذه الكأس يقينًا منه بأن محكمة التاريخ لن ترحمه. وهو مقتنع بعدم مواجهة الثورة ميدانيا لأنه قد يخسر قسماً كبيراً من شارعه الذي لطالما احتضنه ومشاريعه العقائدية من لبنان الجمهورية التعددية حتى طهران ولاية الفقيه العددية.

أما رفضه للخيار الثاني فبديهي جدا لأنه يعني اعترافاً صريحاً بالإذعان لإرادة المجتمع الدولي، وهذا يعني انتحاراً سياسيا له، من المؤكد أن الحزب لن يقدم عليه لأنه لا يملك جرأة التحول الاستراتيجي من خيار قوة وهج السلاح إلى خيار قوة وهج الوجود السياسي داخل مؤسسات الدولة.

فباختياره الخيار الثالث، أي تفعيل حكومة تصريف الأعمال يكون قد اشترى لنفسه المزيد من الوقت بانتظار الحدث المبدل. فلا يدخل في مواجهة المجتمع الدولي والثورة في آن، بل يحافظ على وجوديته انطلاقًا من مشروعية سلاحه في صلب التركيبة المؤسساتية الحكومية للدولة؛ ويبقي لنفسه التحكم بحكومة الرئيس الحريري انطلاقًا من تحكمه بفريق باسيل ومونته على فريق  رئيس البرلمان نبيه بري، ولا سيما أن هذه الحكومة قد أثبتت عقمها؛ فيكون بذلك قد استعاد السلطة التي أفقدته إياها الثورة من دون الدخول في  مواجهة معها، تحت ذريعة انتظام العمل المؤسساتي لحل المشكلة الاقتصادية.

وذلك كله والغاز الاسرائيلي بدأ بالتدفق إلى مصر بموجب اتفاقية بين البلدين قيمتها 15 مليار دولار، فضلا عن اتفاقية بين إسرائيل واليونان عبر قبرص لاستجرار الغاز الاسرائيلي إلى أوروبا. والحزب تنازل عن دوره في المقاومة لصالح زيادة مغانمه في جنات الحكم المفلس. فضلا عن خضوعه لمقولة النظام السوري بعدم الاعتراف بلبنانية مزارع شبعا، وترسيم الحدود البرية خوفًا من إنهاء دوره العسكري، لو على حساب إنهاء الدولة بالمطلق.

من هنا، لن يستطيع الحزب وفريقه الاستمرار في سياسة التعطيل لأن ما كان صالحاً قبل 2 كانون الثاني لم يعد كذلك دوليا. ومحليا ما كان صالحاً قبل 17 تشرين لم يعد كذلك اليوم. لذلك، تبرز ضرورة إعادة إنتاج السلطة من خلال انتخابات نيابية مبكرة كحل جذري لأزمة الحكم في لبنان آنيا. وهذا ما سيدخل فريقاً ثالثاً إلى الحكم، أي فريق الثورة، سيكون بدوره عنصراً مبدلا في الحياة السياسية، ما سيمنع الديمقراطية التعطيلية التي ابتدعها الحزب وفريقه من التنامي على حساب الحياة الديمقراطية الطبيعية. ماذا وإلا ستتحول المواجهة إلى مواجهة وجودية كيانية في حال رفض الحزب هذا الخيار. وعندها قد يلجأ الفريق النقيض له إلى خيار رابع بعد موت الخيارات كلها. فهل يحتملها؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل