#adsense

اللبناني وملعنة السلطة

حجم الخط

 

على كل مواطن لبناني، مهما كانت انتماءاته الحزبية وميوله الفكرية، التوقّف لمهلةٍ للتأمّل، وليسأل نفسه “ماذا حلّ بلبنان”؟ التأمُّل بتجرّد، من أجل الذات، من أجل الاجيال القادمة، ومن اجل التاريخ والتراث ومستقبل شعب طالما عُرف بعيشه الحر وانفتاحه على التطور والازدهار وحبّه للنجاحات، التأمّل بالوضع المأسوي الذي وصلت اليه جميع فئات المجتمع اللبناني، بسبب سلطةٍ فاشلة، فاسدة، عاجزة، مُهملة، انانية وإستبدادية، سلطةٍ مهما لفًقت من حججٍ لتبرير فشلها وتلاعبت بالحقائق لحماية فسادها، وصرفت من اموال على الاعلام لتبييض صورتها، وتمادت بتشويه صيت المعارضين لها للتخفيف عن نفسها، تبقى هي المسؤولة الاساسية عن الانهيار الخطير باوضاع الشعب اللبناني، فحجّة، “هكذا كان لبنان دائماً” ساقطة، لان افرقاء السلطة الحاليين نالوا دعم الناس للوصول الى إدارة الدولة تحت شعار إصلاحي، واعدين “بلبنان جديد لن يبقى كما كان”، ليتبيّن بوقت قصير أن اهدافهم إقتصرت على تغيير النافذين للحلول مكانهم والاستمرار بادارة البلاد بمنهجية المزرعة ذاتها ” اي زيح تحل محلّك “، امّا حجة “لم يتركونا نعمل” يعني انه إعتراف واضح بالعجز، مما يُسقط صفة إدعاء القوة عنهم، ونظرية ” الجميع فاسد” هي الجريمة الكبرى لانها محاولة دنيئة لاغراق الجميع بما اقترفوه هم، علّهم بذلك ينجون من الحساب.

هل يُعقل ان يصل اللبناني الى حياة الفقر الذي يعيشها الان؟ هل يُعقل ان يشحد امواله، جنى عمره، التي وفّرها ليؤمّن لنفسه نهاية حياة سعيدة وهانئة، وإنطلاقة جيدة لمستقبل اولاده؟ هل يُعقل ان يصل الشباب اللبناني الى منعه من التعلّم والتخصّص في جامعات العالم المتطوّر والمتمدّن؟ هل يقبل اللبناني حقاً ان تُغلق بوجهه مجالات التطور في شتّى المجالات ويُحصر تعامله مع انظمة فاشلة رجعية كإيران ومنظومتها؟ هل يُعقل ان يقبل اللبناني ان تُفقد من اسواقه البضائع النوعية ويُطلب منه ان يستهلك من مزبلة الصناعة العالمية؟ هل يُعقل ان يقبل اللبناني ان تُقيّد حرّيته الاجتماعية والسياسية والفكرية والتجارية والعلمية؟ كل ذلك يُفرض على اللبناني من اجل مَن، وما القضية التي تستأهل كل تلك التضحيات، ومِن اجل ماذا؟

تأمّلوا ايها اللبنانيون في اوضاعكم وظروفكم ومآسيكم والتعتير الذي وصلتم اليه، واضعين جانباً انتماءاتكم، وإسألوا انفسكم، هل يُعقل ان ترضخوا لواقع مرير ومُدمِّر كهذا؟ خياراتكم واضحة، إمّا الانتفاضة لكرامتكم وإما الخضوع للمذلّة، فإن خضعتم فلا لوم على الغير، لا قوى اجنبية ستنقذكم ولا السلطة المحلّية سترحمكم، قراركم بيدكم فلا تّجيّروا الذل وتورثوه لاولادكم وللاجيال القادمة، تعلّموا من تجارب الشعوب التي أُذلّت من قبلكم، “إستعُبدت وأُهينت واستسلمت”، فامتدت معاناتها لاجيال واجيال، حتى أتى الجيل الذي إنتفض على الواقع الاليم ووضع حدا للمذلّة، ولكنه ايضاً كفر بآبائه واجداده، فلعنهم لانهم بجبنهم رموا نضال الكرامة له، أمّا هو فقرّر ان يكون الانسان الذي يثور من اجل آلام مجتمعه، والذي يرفض ان يُصنّف من خارج المخلوقات البشرية.

اسعى من خلال صرختي هذه، الى الاضاءة على التحدّي الذي يواجه الجيل اللبناني الحالي، التحدّي ليُقرّر مكانته بين البشر، إمّا هو الانسان الذي تكلّم عنه شارل مالك ووضع شرعة حقوق الانسان لاجله، وإمّا إنه ذلك المخلوق البشري المختل والمعاق، والاعاقة هنا ليست خلقية او جسدية، فتلك من طبيعة الانسان، امّا الاعاقة التي اعنيها هي الاعاقة الفكرية والثقافية والذهنية التي ستلازمه تاريخياً وستصبغ شخصيته اليوم وغداً ودوماً وابداً، وليعلم عندها انه ليس بالصدفة يعيش المذلّة بل لانه قبل بها من سلطة ضعيفة جبانة غشّاشة، إستطاعت ان تخدعه وتُخضعه لمشروعها، فقبِلَ ان يصمد بالفقر بدل الانتفاضة لكرامته.

إعلم ايها اللبناني ان شعوباً اخرى قبلك مرّت بالتجارب ذاتها، فمنها من “رفض فانتفض فتحرّر”، ومنها من “سكت فخضع فأُذلّ”، والامثال ماثلة وكثيرة في عالمنا الحالي، حيث إن هناك شعوبٍا تنعم بحياة جميلة وحرّة ورغيدة وكريمة، وفي المقابل، شعوبٍ اُخرى تُعاني من الذلّ والمهانة، مذبوحة بسيف السلطة. الفرق كل الفرق ليس في الانسان بل في الادارة التي تدير هذا الانسان او ذاك. قرار الحياة بيدك ايها اللبناني لتختار الى اي شعوبٍ تنتمي، ولا تنتظر الاعانة من الخارج، التي إن حضرت فستقتصر على خطابات التضامن وعلى إرسال المساعدات الاجتماعية، فبتخاذلك ستُثبت انك قاصر، وتلك هي المهانة لشعبٍ صدّر مبدعين زرعوا الارض نجاحات واختراعات وفنون.

قبولك بحياة الذلّ هي الضربةٌ في صميم الجنس اللبناني الناجح والمستحق، فلا يجب ان تنسى ابداً انك تستحق حياة الرفاهية والعزّ، لانك من الشعوب الناجحة والقادرة والعاملة، فلم تُعاقب، وما السبب في ذلك؟ أأخطأت واين، ألم تعمل، ألم تشتغل، ألم تَكدّ وتجتهد، ألم تدرس، ألم تُخطط ؟ بالطبع ليس كل ذلك، فالسبب الحقيقي هو خضوعك للحاكم الظالم، ذلك الحاكم الفاشل والفاسد والمرتهن الناكر لاوضاع الناس والمتجاهل للرأي العام، عن قصد، لان عظمته تكتمل بحكم الناس وباحتكار جنّة السلطة لنفسه ولحاشيته واتباعه وعائلته من بعده.

هل يُعقل ان تصل ايها اللبناني للتقاتل مع بعضك البعض في المصارف والمحال التجارية والدوائر والشوارع، في الوقت الذي تنعم السلطة المسؤولة عن مآسيك بمأمن من غضبك، فبتلهّيك بالعراك مع اخيك المواطن، تأمن هي من انتفاضتك عليها؟ هل يُعقل ان تُسيّر حياتك بالاشاعات، وبالوعود الكاذبة التي أُغدقت عليك آلاف المرّات من الجهة ذاتها؟ فالمعرفة هي الضمانة لادراكك لحقوقك والتمييز بين الصدق والكذب، فالشهادات العلمية التي تتباهى بها ايها اللبناني ليست ثقافة، والتعصّب الحزبي والديني والمناطقي والعائلي الذي تتفاخر به ليس التزام، والتمسّك بالحيادية في معركة الكرامة ليست حضارة، والبغض الكلامي الذي تمارسه ليس دفاع عن النفس، والتزلّم للزعيم الذي تتبعه ليس الامان، والوقاحة الثورية الذي تفجّرها ليست كافية، فما عليك الا الانتفاضة بحكمة لكرامتك، ورفض التزلّم لمن يُهينك، الانتفاضة لاولادك قبل ان ينتفضوا هم على استسلامك وتسليمك لشرفك امام خبثاء السلطة.

ايها المواطن الصالح، فليكن حراكك فعّالا، فلا تسمح بوضع الشروط على ثورتك عليهم، فذلك خبث وتذاك من سلطة كاذبة، إذ يقولون لك، إعتصم قدر ما تشاء وابق في الساحات واصرخ مثلما ما تحب، ولكن، حذار ان تزعجنا في مراكزنا، فصراخك لك والسلطة لنا.

يريدونك ان تتعوّد على الفقر، ان تتعوّد على الصراخ، وتتعوّد في الوقت ذاته على شراكتهم لك في ملكك ورزقك، وتتعوّد على لوم نفسك والجميع من حولك وليس السلطة، ان تتعوّد على التهجّم على المؤسسات الخاصة والعامة والموظّفين، ولكن إياك رأس السلطة، ان تتعوّد على نيل حقوقك كمنّة منهم وليس كحق لك، وتتعوّد على الاستسلام والخضوع، وان تتآلف مع الفوضى والتبعية والزبائنية كضامن لعيشك الغرائزي وليس على انتظام المؤسسات، فالقوة بالنسبة اليهم للزعيم وليس للجمهورية، فالزعيم لا يُحاسب ولا يُسأل بل يُدعم ويُمجّد ويُؤلّه ويُقتدى ويُتبع. يُريدونك ان تتعود ان الجهاد من اجل تأمين المأكل والملبس والتعليم، وتتعوّد في الوقت ذاته على ان العمل السياسي نعمة لاولياء السلطة، وتتعوّد على التعاضد مع بعضك البعض للنضال في الفقر، فقضايا السلطة الكبرى بحاجة لصبرك في العذابات، وتتعوّد ان تكون المخدوع “حتى لو لم تكن هكذا” لان السلطة تفضّلك “المخدوع”، فذلك ضمانة لاستمرارها، فتتعوّد ان تُصدّق ابواقها ودعاياتها الاعلامية، وإلا فلكل مواطن علاج، تملكه السلطة وتستعمله بلا ضوابط ولا قيود، فتحت سقف الحرص على الامن الوطني تُشرّع لنفسها إستعمال الاساليب الاغرائية و القمعية ايضاً، ولذلك، يريدونك ان تتعوّد ايضاً ان كل شيء متاح لسلطة قرّرت ان تبقى هي السلطة بأي ثمن كان، وستفرض ذلك بالدفع لاستمرار المواجهات بين المواطن العادي والمواطن الرسمي . فأدرك ايها المواطن اللبناني ان صلابة افرقاء السلطة وقناعتهم بما يقترفونه بك لانهم يرفضون الديموقراطية ويعتبرونها العائق الاكبر لحكمهم لك، فهم يؤمنون ان هناك قلّة من البشر وُهبت نعمة الحكم، امّا الشراكة والمشورة فتُشكل معضلة الحكم القوي.

ايها اللبنانيون، يعدونكم باللبنان الجديد اي الحكم المُطلق لسلطتهم، الخالي من الشرع الانسانية التي تضبط تجاوزاتهم، ويريدونه نظام التأميم والاقتصاد الريعي الذي يجعل المواطن رهينة لهم، فيُصادرون الفكر والرأي، ويريدونه نظام لا دور للقطاع الخاص والمبادرات الفردية فيه، الا لتلك التي تساعدهم على تَثبيت احتكارهم وإستئثارهم بكل شيء، تماماً كما في الدول التي تُدار من قبل مافيات السلطة، فالنفط والثروات الوطنية ليست ملكاً للشعب بل خدمة للسلطة، كي تمكّنها من التحكّم بحياة الشعب ومستقبل الاجيال القادمة، أمّا محاربة الفاسدين فتقتصر على بعض المعارضين، الذين سيتم تحميلهم مسؤولية مآسي الشعب، والنقمة الشعبية ستوجّه ضد بعض الاغنياء الناجحين اصحاب الثروات النظيفة، لتعمد السلطة لاحقاً لابتزازهم.

وسيكثُر في لبنانهم هذا الكلام الفارغ من قبل كبار المسؤولين، المليئ بالوعود الفضفاضة والادبيات الشعرية والشعارات الطنّانة والرنّانة والبعيدة جداً عن الجدّية والمسؤولية العلمية والنتائج المضمونة والخطوات الشفّافة ومعايير المصلحة العامة، فتعوّدوا ايها اللبنانيون على مهاجرة اصحاب الاموال والعقول والفكر ورافضي الابتزاز والمذلّة، وتعوّدوا ان يَتلي كل من آمن بهذا البلد فعل الندامة لانه استثمر يوماً فيه، وتعوّدوا ان يكره المهاجرون اللبنانيون العودة الى الوطن، لانهم فضّلوا ان يبقى بذهنهم ذلك اللبنان الذي عرفوه وليس تلك المزرعة التي يحكمها فئة جديدة من الحكّام المنافقين والمخادعين. واخيراً، يُرعبني فعلاً ان نتعوّد على الذلّ وانتهاء الامر باستسلامنا للظلم، فأُحبّ عندها ان اغمض عينيّ لوهلة وأتذكّر كيف كنّا، ليأتي من بعدها الوجع، عندما افتح عينيّ لأجد، اين اصبحنا، فهل سنقبل بذلك؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل