8 سنوات على “الربيع العربي”

كتب جو حمورة في “المسيرة” – العدد 1702

8 سنوات على “الربيع العربي”:

موت القومية وفشل الحركات الإسلامية

يوم أحرق محمد البوعزيزي نفسه على ناصية طريق في تونس، كان الشرق الأوسط شبه راكد في بحر سكونه. كان معظم دول العالم العربي قد تأقلم العيش تحت حكم جلاديه الديكتاتوريين والأنظمة العسكريتارية. تغيّر الكثير منذ أن تحوّل الجسد إلى رماد، فاشتعلت المنطقة محوّلة بعض الدول إلى ركام. ثورات فحروب فدماء… فثورات مضادة وتدخلات أجنبية وديكتاتوريات جديدة. هو «الربيع العربي» الذي طبع تاريخ محيطنا الحديث، وتناثرت آثاره لتطال معظم الدول العربية، ولم يُكتب له، إلى الآن على الأقل، الكثير من النجاح.

 

«الشتاء الطويل» واستفاقة الشعوب

باستثناء بعض التجارب الديمقراطية اللاحقة لانتهاء مرحلتي الإنتداب والإستعمار، لم تشهد المنطقة العربية الكثير من التجارب المشجعة للتناوب الطبيعي على السلطة.

لعب العسكر وحركات المقاومة الشعبية، وبنسبة أقل السلطات الدينية، دوراً أساسياً في قتل التجربة الديمقراطية العربية قبل أن يقوى عودها. «إغتالت» جنرالات الجيوش من ناحية، وبنادق «الثوار» من ناحية أخرى، التجربة الفتية، فتراجعت حقوق الإنسان ومفاهيم الحريات العامة إلى أسفل الدَرك.

غلبت القضية الفلسطينية كل قضية عربية أخرى، فراح الجنرالات يتناوبون، باسم «القضية» والقومية العربية، بمحاولاتهم الإنقلابية الواحدة تلو الأخرى. فاستقر الأمر لعقود طويلة برزوح معظم الشعوب العربية تحت نير بنادق العسكر.

لم يكتمل المشهد الديكتاتوري إلا بسلسلة من الهزائم السريالية أمام عدو العرب الأساسي. أفضت الحرب العربية الشاملة عام 1948، وحروب العرب عامي 1967 و1973، إلى نتيجتين: عززت إسرائيل وجودها ككيان، وشرعيتها كدولة، وقدرتها العسكرية الفائقة… تماماً مثلما جنحت الحكومات العربية إلى المزيد من الرجعية والراديكالية للتصدي للكتلة الشعبية الصاعدة، والمطالِبة بإصلاحات بنيوية في بلادها.

لقد كان مقدّراً للمنطقة العربية أن تصل إلى لحظة الصدام الشامل بين الأنظمة والشعوب، وليس جسد البوعزيزي إلا الشرارة التي أطلقت تلك المواجهة عام 2010.

إنتهى «الشتاء العربي» الطويل باستفاقة جزئية للشعوب على واقع حالها وظروفها. ما عاد كُثر، قبل «الربيع العربي»، يرون قدرة ندّية لأنظمتهم على مقارعة إسرائيل، أو أنه لديها نيات حقيقية لإجراء أي شكل من أشكال الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية البنيوية ذات التأثير الحقيقي على حياتهم.

كذلك الأمر، لعبت التكنولوجيا، وما تقدمه من فرص للإطلاع على حال العالم، دوراً أساسياً في تعزيز الإستفاقة الشعبية العربية. لقد سمحت الفضائيات ووسائل التواصل الإجتماعية، كما غيرها من المنصات الإلكترونية، بمقارنة أكثر حسيّة ودقة بين حال العرب أنفسهم وحال جيرانهم والغرب. كيف يمكن أن يشهد كل جيران العرب، من إسرائيل وتركيا وإيران، وثبات حقيقية ومتقدمة في المجال الاقتصادي والسياسي والإجتماعي، ولم يشمل الأمر العرب؟ كيف يمكن أن يعيش الفرد في الغرب حالة من الرخاء، ويُكمل العربي شقاءه اليومي والدائم وسط مشاكل بلاده المزمنة؟

مما لا شك فيه أنه بلحظة هبوب رياح «الربيع العربي» شذَّت الأنظمة الملكية عن تلك العسكرية. راحت الأولى تتوجَّس من الحركات الشعبية، فآثرت تطبيق إصلاحات سريعة للحفاظ على نفسها. تمامًا كما فعل ملكا المغرب والأردن مثلاً خوفاً من ثورة شعبية قد تطالهما، فيما بقيت الأنظمة النفطية الخليجية، باستثناء دولة البحرين، بمنأى عن «الربيع العربي».

على المقلب الآخر، دفعت الأنظمة المحكومة من جنرالات الجيش، الثمن الأغلى للحركات الشعبية. فانتهى شتاؤها يوم حل ربيع الشعوب الساعية للثأر من السلطة. كلعبة «دومينو» تغيّر النظام التونسي، زُج بالرئيس المصري في السجن، سقط رئيس الجماهيرية الليبية، انتهى الرئيس اليمني مضرجاً بدمائه، وكاد أن يسقط الرئيس السوري.

وحدها من بين تلك الدول، سَلَمت تونس من حرب تدمرها كما جرى في بقية الدول، ونجحت سلطاتها الجديدة بتثبيت الإستقرار وتعزيز الحريات العامة والديمقراطية الشعبية. بينما دفعت الشعوب الأخرى ثلاثة فواتير متتالية: فاتورة الرضوخ الطويل للأنظمة الديكتاتورية، وأخرى لمخاطر القيام بثورة شعبية، وفاتورة دم أخيرة للحروب وويلاتها.

وبسبب ظروفهما الخاصة، بقي لبنان وفلسطين بمنأى عن كل ما جرى، ولم تلفحهما رياح «الربيع العربي» أو تتصاعد فيهما الحركات الإسلامية بشكل كبير كما جرى خلال الحراك الشعبي العربي العام.

 

صعود الإسلاميين وفشلهم

باستثناء الحركة الوهابية، تأخرت الحركات الإسلامية العربية بتقديم رؤيتها للعالم خلال الزمن العثماني. بقيت تلك الحركات والتيارات مؤيدة، بشكل عام، للخلافة الإسلامية ذات الهوية التركية، من دون أن تجنح إلى تقديم رؤية مغايرة لحكم إسلامي رشيد، أو صياغة علاقة مع الآخر غير المسلم، فآثرت البقاء ملتصقة بالخلافة العثمانية وذائبة فيها.

لم يطل التأخير لأكثر من عقد على انتهاء وجود السلطنة وانتفاء خلافتها، فراحت الحركات والتيارات الإسلامية تؤطر ذاتها وتعلن عن أفكارها منذ عشرينات القرن الماضي، وتعمل على اجتذاب المناصرين. لعبت كتابات وأفكار محمد رشيد رضا، حسن البنّا، سيد قطب ومحمد الغزالي وغيرهم، دوراً في تشكيل وعي إسلامي لحال الشعوب العربية، وبروز نواة حركات إسلامية متشددة ما فوق وطنية كحركة «الإخوان المسلمين» ذات المنشأ المصري والإنتشار العربي.

حاولت تلك الحركات الوصول إلى السلطة كقوة جماهيرية ذات مشروع إسلامي، إلا أن زمن الخمسينات سيطرت عليه التباينات الإيديولوجية بين شرق سوفياتي يهوى الأنظمة العسكرية، وغرب أميركي تهمه حرية الأسواق. دفع إسلاميو العالم العربي ثمن هذا الصراع، فتشددت الأنظمة الخليجية النفطية تجاه الحركات الإسلامية، تماماً مثلما فعلت أغلب الأنظمة الأخرى التي حكمها العسكر.

من ليبيا إلى مصر والعراق والسودان واليمن وسوريا وموريتانيا، أطاحت الإنقلابات العسكرية المتتالية بالحركة الإسلامية الناشئة، وغرّبتها عن المجتمع، جاعلة منها عدوة للناس والأنظمة والعروبة.

باستثناء الجزائر، وبدرجة أقل سوريا، لم تقم الحركات الإسلامية قبل انتهاء الحرب الباردة بأي رد فعل عنيف. بل فضلت السرية والعمل الإجتماعي عند التواصل مع القواعد الشعبية، فزادت من قبولها الجماهيري عبر تشكيل التنظيمات السرية، وتأسيس الجمعيات الإجتماعية والخيرية، والسيطرة على المساجد.

رفد العمل «من تحت» الحركات الإسلامية بشبكة علاقات متينة وتنظيمات قادرة على التأثير بالجماهير، لكن من دون مقدرة حقيقية على التأثير بالسلطة. وبقيت الحركات الإسلامية ساكنة تنتظر الفرصة السانحة للعب دور حقيقي وظاهر يؤمّن لها قدرة على تشكيل الأنظمة وسياساتها، فكان «الربيع العربي» هو تلك الفرصة الذهبية للخروج «من تحت» والإستحواذ على السلطة «من فوق».

شاركت الحركات الإسلامية بالربيع العربي بشكل فاعل. إحتضن بعضها الحراك العربي وتسيّد عليه، في حين تميّزت مشاركة البعض في البدء بأنها خجولة، ثم راح يستغله للوصول إلى السلطة. إلا أن الحركات الإسلامية ظهرت خلاله وفي نهايته كأكثر المؤثرين فيه والمستفيدين منه، ليس بوصفه حركة شعبية هدفها تغيير الأنظمة الديكتاتورية وحسب، إنما رافعة لاستبدال هذه الأنظمة والإستحواذ على السلطة.

في مصر، حاول «الإخوان المسلمون» الوصول إلى السلطة بدون خجل. في اليمن تحوّل «الربيع العربي» إلى حرب ذات خلفيات طائفية. في سوريا والعراق، ذابت الحركات الإسلامية الفاعلة في بدء الثورة لصالح حركات عنفية أكثر تشدداً.

فشلت تجربة الحركات الإسلامية بشكل كبير خلال وبعد «الربيع العربي». خسرت نفوذها في الأمكنة التي انتهجت فيها العنف، لصالح حركات أكثر تشدداً وذات نهج إرهابي مثلما حصل في سوريا والعراق. كما خسرت نعيم السلطة سريعاَ في البلاد التي ظهرت فيها كقوة تريد كل النفوذ من أجل إجراء تغيير سريع لشكل الحكم وهوية المجتمع كما حصل في مصر. وحدها التجربة الإسلامية التونسية شهدت بعض النجاح، بعدما أقلمت «حركة النهضة» نفسها مع واقع البلاد الجديد، ولم تتفرّد بالسلطة، بل غيّرت حتى بعضاً من مبادئها وأساليب عملها لتكون مقبولة من شرائح تونسية أوسع.

نهاية القومية لصالح الوطنية

تفتحت القومية العربية وأفكارها نهاية الزمن العثماني. إستُغل هذا الفكر المستورد من أوروبا كإطار جامع للتصدي لأعداء العرب أحياناً، ولكنه غالباً ما استُخدم كوسيلة للتحكم بالشعوب والتسيّد على السلطة والسيطرة على الجماهير.

فبإسم العروبة، تربع حزبا البعث في سوريا والعراق لعقود طويلة على عرش السلطة، وبإسمها كذلك خيضت الحروب ضد إسرائيل، واحتلت مصر اليمن لعدة سنوات، واجتاح العراق الكويت، ومدّ جمال عبد الناصر نفوذه إلى سوريا واليمن والسودان وليبيا…

وعلى الرغم من كونه حركة شبه عامة في الدول العربية، لم يظهر، خلال «الربيع العربي»، أي محاولة ذات أثر طرحت وحدة عربية شاملة أو حتى جزئية. لم يرفع المتظاهرون شعاراً قومياً وحدوياً واحداً على الأقل في ميادين الثورة، بل آثروا خوض ثورتهم بإسم الوطنية.

لم يبقَ من يؤمن بالفكر القومي العربي إلا بضعة أحزاب متناثرة في بعض الدول العربية، ولا يزيد عدد أعضاءها عن أصابع مسؤولي مكاتبها السياسية والمركزية المتلاشية القدرة والمقدرات. حتى حزب البعث السوري ما عاد يطرح الوحدة العربية بشكل جدي إلا عرضاً، أكان في مناسبة عامة أو خلال ذكرى غابرة.

في مقابل تراجع أفكار الوحدة العربية أو أي شكل من أشكال الطروحات الجدية للفكر القومي، ظهر تقدم للفكر الوطني بشكل جلي خلال «الربيع العربي». دافع الثوار والمتظاهرون عن أوطانهم، وقدموا أنفسهم كمنقذين لحال البؤس والفساد التي تجتاح بلادهم. رفعوا أعلام أوطانهم وراياتها الوطنية، أعادوا إحياء الأغاني الوطنية القديمة، وشعارات التحرر من الإستعمار.

وحدها التنظيمات الإسلامية المتشددة قدمت نفسها كمشروع خلاصي أبعد من حدود الأوطان الترابية. فيما طرح تنظيم «داعش» في العراق وسوريا وبعض تفرّعاته في ليبيا ومصر ما هو فوق وطني، مستخدماً لغة الدين لغايات سلطوية لتبرير أفعاله في آن.

وضع ثوار سوريا وطنهم أولاً، فلم يطرحوا شعار الوحدة العربية أو يجنحوا نحو التعاون مع إسرائيل. كذلك الأمر، فعل حزب النهضة وحركة «الإخوان المسلمين» في تونس ومصر، حيث رفعوا لواء بلادهم وخلاصها، حتى وإن أبقوا على علاقاتهم الإقليمية العميقة مع قطر وتركيا على سبيل المثال.

إنتصرت الوطنية خلال الثورات العربية على الرغم من كثرة الفشل الذي رافق «الربيع العربي» بذاته. بعض الثورات سقطت في الميدان، وغيرها في مستنقعات الدم، والغالبية أبهرتها السلطة سريعاً وبريق الحركات الإرهابية.

لم ينتهِ «الربيع العربي» في أي حال، إذ لا تزال خطوط المعارك والمطالب والصرخات تنبض في ساحات المدن، أو تتنظم بعيداً من الضوء في زوايا المساجد والأرياف. فيما لا وجود، إلا في ما ندر، لحاكم عربي واحد واثق وبشكل مطلق من ولاء شعبه له، أو حتى موعد أجله.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل