بلد التناقضات بامتياز

 

منذ طبيعة تكوين هذا الوطن وهو يعيش على قاعدة التقاء الأضداد وجمع المتناقضات. فيه تلتقي الحضارتان الغربيّة والعربيّة، والدّيانتان المسيحيّة والاسلاميّة، بمختلف طوائفهما ومذاهبهما. حتّى العقد الاجتماعي الذي أُرِيْدَ له تنظيم العلاقات بين المجموعات البشريّة المختلفة، بُنِيَ على القاعدة نفسها. وصولا حتّى يومنا هذا، لينعكس التناقض عينه على الواقع السياسي الذي نعيشه. فهل يستطيع لبنان على صغر مساحته، وكثرة هذه المتناقضات فيه، أن ينهض بنفسه، ويستعيد عافيته السياسيّة؟ وما هي الطريق التي يجب اتّباعها للوصول إلى ذلك؟

يعيش لبنان اليوم أزمة تعتبر هي الأسوء على مرّ المئة سنة التي قضاها من عمره ككيان. وهذه المرّة هي أزمة ثلاثيّة الأبعاد على الشكل الآتي: أزمة سياسيّة، وأزمة اقتصاديّة، وأزمة كيانيّة. والرّابط الوحيد بين هذه الأزمات، هو التناقض الذي حاول آباء الجمهوريّة والدّستور والكيان، أن يجعلوا منه عنصر اختلاف، لا خلاف ليشكّل بدوره مصدر غنى. المُرَاد شيءٌ والواقع شيءٌ آخر مختلف تمامًا. فالتناقض الموجود بين أهل الحكم، لم يستطع أن يؤمّن الاستقرار في وطن أقلّ ما يقال عنه بأنّه بحجم مدينة في  غيره من الأوطان.

لقد بات أكثر من نصف الوطن في الطرقات والشوارع يتظاهرون ضدّ أهل السياسة والحكم فيه. أمّأ النّصف الآخر فمشرذم بين فئة كبيرة تشاطر النّصف الأوّل اعتراضه ولكنّه يأبى النّزول إلى الشارع لعدّة اعتبارات. ولعلّ أبرزها جنوح الثوّار إلى أعمال فوضى وشغب غالبًا ما يقوم به مندسّون موفدون من أهل السلطة أنفسهم. كذلك خوفًا من الخشونة التي يتعامل بها بعض رجال الأمن مع المتظاهرين والتي ترفضها الشّرع والقوانين الدّوليّة، والدّستور والقانون اللّبناني؛ ولعلّ أبرزها المادّة 19 من الشّرعة العالميّة لحقوق الانسان التي تصون حرّيّة التّعبير. كذلك ينص الدستور اللبناني بوضوح على حرية الرأي (المادة 13) واحترام الحرية الشخصية (المادة 8).

أمّا في الاقتصاد، فالمجتمع الدّوليّ جادٌّ بتحذيراته، ولا يألو جهدًا في تقديم أيّ مساعدة بشرط تعاون السلطة السياسيّة معه. وهذا ما ترفضه الطّبقة الحاكمة نتيجة الخلافات الدّائمة بين أركانها على قواعد المحاصصة والمحسوبيّة في الحكم، والتي جعلت من الزّبائنيّة والاستزلام ركيزتي التّعامل بين السلطة والشعب. وهذا ما بات مرفوضًا بالمطلق نتيجة الجوع والفقر الذي طال معظم الفئات الاجتماعيّة؛ إضافة إلى ارتفاع درجة الوعي السياسي نتيجة التطوّر التّكنولوجي والانفتاح العالمي الذي نعيشه.

أمّا كيانيًّا، فلا بدّ من الاقتناع بأنّ القاعدة التركيبيّة التي تكوّنت على أساسها الجمهوريّة في لبنان، هي قاعدة ناجحة، إن عرف الشّعب كيفيّة التّعاطي معها، من خلال احترام المكوّنات الحضاريّة بعضها بعضًا؛ فنصبح عندها عن حقّ وطن الرّسالة الذي تحدّث عنه قداسة البابا يوحنّا بولس الثاني. وهنالك ضمانة واضحة في الدّستور والميثاق الوطني الذي أرسى أسس هذه القواعد، لئن كانت الصّيغة السياسيّة بحاجة لتعديل وتطوير مواكبة للتغيّرات الحضاريّة عالميًّا وإقليميًّا، ولا سيّما محلّيًّا.

يبقى أنّ الطريق للوصول إلى الدّولة المنشودة تبدأ بحكومة مستقلّة من أشخاص متخصّصين للبدؤ بمعالجة الأزمة الاقتصاديّة. ومن ثمّ بالدّعوة الى انتخابات نيابيّة مبكرة لإعادة إنتاج السلطة السياسيّة التي تستجيب لتطلّعات شرائح المجتمع اللّبناني على اختلافها. عندها فقط يمكن البحث في صلب الاشكاليّة اللّبنانيّة بمعالجة الأزمة الكيانيّة التي تبدأ بتطوير الدّستور اللّبناني، وتحسين أسس النّظام؛ وصولا إلى الصيغة السياسيّة الأمثل التي من المفترض أن تقوم على القاعدة الاتّحاديّة بين المجموعات الحضاريّة ليبقى لبنان.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل