ثورة شغب وزعران أو À la carte؟

لا تندلع ثورة في العالم وهي تعرف سلفا انها ناجحة، مهما كانت ثورة حق ضد الظلم او الاحتلال او الفساد. لا تستمر ثورة في العالم، تصرّ على اعتماد آداب المائدة والبروتوكول والجلوس بمنتهى الادب الى مائدة الشارع، وتأكل بالشوكة والسكينة، وتستأذن السلطة كلما ارادت ان تنفذ تحركا ما!

ثورة a la carte في وجه سلطة تخطت كل حدود اللياقات والاعراف في التعاطي مع الشأن العام، مش زابطة. كتب ناشط على صفحته “بالاذن منك دولتنا بس وحياتك رايح اليوم… بس ما يصير مواخذة من حضرتك”! ما لم يُكتب في السطور هو شتيمة، والناشط كان يسخر ممن ينتقدون أعمال الشغب والمواجهات العنيفة بين الثوار والقوى الامنية. بعد ثلاثة أشهر اما زلنا نريد ثورة انيقة شيك تلبس ثيابها من دون ولا طعجة، وكلما ارادت المطالبة بحق ما تصرخ “معليش وبلا مواخذة فينا نطالب بحكومة مستقلة من دون ما نزعجكن؟”.

الشارع ليس مائدة انيقة، ولا وليمته تلك الفاخرة الطعم، طعم الشارع الشحشطة التعب الصراخ الى حد العويل، التراب الغبار الشتائم وحتى الرصاص. انظروا الى ثوار العراق، هؤلاء الابطال الذين يسعون الى بلد حر متحرر من هيمنة إيران وميليشياتها، وكل يوم كل يوم تُهرق دماؤهم وتصبغ الثورة بالأحمر الدامي.

لا نريد الدماء في شوارع لبنان، لكن لا نريد ايضا الاستئذان من سلطة كافرة كلما صرخنا بحقوقنا. اشهر الثورات على الاطلاق في القرن العشرين هي الثورة الطلابية الفرنسية العام 1968، انطلقت من الطلاب لتتوسع وتشمل العمال وليصل رقم المشاركين في احدى تظاهراتها الى اكثر من عشرين مليون فرنسي، نزلوا يومذاك الى الشوارع لتحقيق مطالب عمالية وما شابه، هاجمت الشرطة التظاهرات بعنف مفرط مستخدمة الغاز المسيل للدموع، وتحصن الطلاب خلف المتاريس التي أقاموها حول الحي اللاتيني مستخدمين حجارة الرصيف وزجاجات المولوتوف في ليلة شهيرة عُرفت يومذاك بـ “ليلة المتاريس”، وسقط قتلى وجرحى. تلك فرنسا الراقية المؤدبة الانيقة التي خضعت يومذاك لصراخ شارعها واضطر شارل ديغول لإجراء انتخابات نيابية مبكرة بعد ثلاثة أشهر من اندلاع الثورة اذعانا لصوت الشارع.

الثورة الاوكرانية المعروفة بالثورة البرتقالية، التي اندلعت العام 2014 واستمرت لأيام مطالبة بتغيير النظام وأدت الى مقتل اكثر من مئة شخص ومئات الجرحى في مواجهات عنيفة بين الشرطة والثوار، وتشكلت على اثرها حكومة جديدة تلبية لرغبة الثوار.

لا نحكي عما حصل لاحقا في الثورتين، ولا نقيّم ما اذا كانت ثورات ناجحة ام فاشلة، لكنها صُبغت بالدماء، وهنا ليست دعوة للعنف ابدا ابدا، لكن في الوقت نفسه، لم يشهد العالم على ثورة في منتهى السلمية والا يكون الثوار يمالقون والثورة كاذبة مزيفة.

ثلاثة أشهر بأيامها ولياليها، والثوار يصرخون في شوارع لبنان، ولا من يجيب. يريدون حكومة مستقلة ويلهث الفاسدون لتأليف حكومة على مزاجهم واهوائهم ومحاصصاتهم، ويتناتشون الوطن كما تتناتش الوحوش جيفة نتنة. ثلاثة اشهر من الصراخ ادى في نهاية المطاف، والارجح هو بداية جديدة مختلفة للثورة، الى المواجهات الدامية بين الثوار والقوى الامنية، والسلطة تتفرّج باسترخاء تام وانعدام غير مسبوق في المسؤولية وفي الاخلاق، على دمار وطن!!

ربما يجب ان يتحول الثوار في لبنان الى شهداء حقيقيين لتذرف السلطة واحدة من دموع تماسيحها الكثر الذين يجتاحون مفاصل الدولة؟ كم شهيد تحتاج السلطة لتصدّق انها ثورة وليست تظاهرة؟! “والشهيد” عندنا سيكون قتيلا بالنسبة لها! كم شهيد يجب ان يسقط لتتصرف السلطة الحاكمة بالحد الادنى من المسؤولية والاخلاق العالية؟! اخلاق عالية؟! في السلطة؟!! كلمات تتناقض تماما مع ما يجري في لبنان، وما يجري مذهل بكل المقاييس، حتى ان طرطوشة الذهول اصابت المجتمع الدولي، إذ تسرب قول لأحدهم “ان المسؤولين في لبنان لا يتحلون بأدنى درجات المسؤولية تجاه الشعب”.

تريد السلطة ان تموت الثورة. تحاول بشتى الطرق قتلها. مرة بإرسال زعران عن جد لتحطيم المصارف، وهي تعرف ان المس بالقطاع المصرفي سيكون مصيبة مصائب لبنان المالية، وحينا آخر بالإيعاز للقوى الامنية بالتشدد الى درجة العنف مع الثوار لتضعنا مباشرة وجها لوجه معها، وليسود شعور النقمة والسخط على تلك القوى، التي تعاني ما يعانيه الشعب تماما من سلطة الفساد.

تخترع السلطة اساليبها لتميت الثورة ولتكتب على قبرها “الموت الحزين لثورة لبنان”، كما كُتب في اوكرانيا عندما فشلت اولى ثوراتها. لكن الثورة في لبنان تخترع الحياة من العدم لتحيا ويحيا معها الوطن. شوية شغب شوية عنف شوية قسوة، لا بأس، اذا ما انتظمت الامور عند هذا الحد وليس اكثر، لان في اي لحظة يسقط شهيد جديد للثورة، لن تتوقع السلطة ما قد يحصل خصوصا ان الثوار اقتنعوا ان لا ثورة A la carte بعد الان، والا لتحولت الثورة الى نميمة صالونات في الشارع لا اكثر.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل