#adsense

مصر والأدوار الأقليمية الأخرى

حجم الخط

بحقائق الثقل الاستراتيجي والموروث التاريخي وتفاعلات الواقع والنظر إلي المستقبل، المنطقة العربية عرفت ثلاثة أدوار إقليمية رئيسية وهي مصر وتركيا وإيران.

في هذا المثلث تتبلور فلسفة نزاع الهوية والنفوذ علي الإقليم.. بين دولة تري فيه وفي ثرواته امتدادًا فارسيا ودولة تظن أنه إرث عثماني تريد أن تستعيده بصيغة جديدة ودولة تتمسك وتدافع عن عروبته.

هذه الأدوار أضيف إليها دور سعودي من الصعب تجاهله منذ منتصف السبعينات وحتي اليوم، لكنه دور مستحدث بميزان التاريخ وكذلك ظهر علي مسرح الشرق الأوسط فاعل سياسي مؤثر خلال العقدين الماضيين وهو دولة الإمارات العربية المتحدة.

تعد العلاقة بين الدور الإقليمي المصري ونظيره السعودي والإماراتي، علاقة طردية، بمعني في عنفوان مصر قوة للسعودية والإمارات وتمتد إلي سائر الإقليم بالتبعية، وعندما يتراجع الدور المصري أو ينتكس فإن الخطر يواجه السعودية والإمارات بشكل مباشر ويمتد بالتبعية لسائر الإقليم.

في المقابل فإن تهديد الخليج وفي القلب منه السعودية والإمارات يشكل تهديدًا حقيقيًا للأمن القومي المصري ومن هنا نفهم معني أن الخليج جزء من الأمن القومي المصري وهو ما فسره الرئيس السيسي سابقا في عبارة “مسافة السكة”، كما أن هناك العلاقة عكسية بين الدور المصري والدور التركي والإيراني، ففي امتداد مصر انكماشهم وهكذا.

مصر من خمسينيات القرن الماضي وحتي اليوم تعرضت لعدوان 1965 ثم ذهبت إلي حرب اليمن ثم نكسة 1967 ثم حرب الاستنزاف ثم حرب تشرين الأوَّل عام 1973 ثم معاهدة سلام مع إسرائيل عام 1979 ثم شهدت فعلًا ثوريًا في كانون الثاني 2011 كاد أن يسقط الدولة وسمح هذا الفعل بوصول جماعة إرهابية إلي الحكم وهو ما تم تصحيحه في ثورة حزيران 2013.

هذه الأمور يكفي أحدها ليغير مسار دولة، ولكن مصر أو الدور المصري ظل محتفظًا بخصائصه وثوابته المستمدة من ثبات الدولة المصرية ومرجعه الرئيسي أنها دولة مؤسسات هرمية الإدارة والأهم أنها دولة لم تعرف الانقطاع الحضاري علي مدار تاريخها، لم تغير جلدها، لا في التاريخ القديم ولا في التاريخ الحديث ولكنها عاشت عصورًا مظلمة مع الاحتلال العثماني من عام 1517 وحتي 1805، وبالتالي لا تستغرب أن أسس بناء الدولة ومحددات الدور ونطاقه في مصر الفرعونية – من عام 3100 قبل الميلاد وحتي عام 525 قبل الميلاد – هي نفس الأسس التي ارتكن عليها محمد علي، وهي نفسها التي لخصت فلسفة ثورة تموز 1952 وذاتها التي أعاد بها الرئيس عبد الفتاح السيسي عملية التحديث الشاملة للدولة المصرية ودورها وهي ما يمكن تلخيصه في مصطلح “امتلاك القدرة” والتي تجسدت بجلاء ليس فقط في المؤشرات الاقتصادية المرتفعة أو استقلال القرار السياسي والسيادة المطلقة علي التراب المصري ولكن في الإقدام علي فعل يعد من خصائص الدول الكبرى وهو إقامة القواعد العسكرية المتطورة.

الدور المصري استمد قدرًا ليس قليلًا من القيم الحضارية وهو ما وثقته عبقرية جمال حمدان في مجلدات “شخصية مصر”، هي دولة ليس لها أطماع بالفطرة ولكنها صلبة لا تنكسر تكونت علي حضارة نهرية وعرفت فكرة التواصل والعطاء والعيش المشترك ولم تؤسس علي فكرة الندرة التي تدفع أصحابها إلي صراع البقاء إما أحيا أنا أو تحيا أنت.

في المقابل عرفت إيران الانقطاع الحضاري عام 1979 مع حكم الملالي وتغيرت مؤسسات الدولة وتركيبتها وهويتها، وحضرت عسكريا في حرب الخليج الأولي أمام العراق وتعلمت من الدرس أن المواجهة المباشرة تؤذيها كثيرا فبدأت في تجميع كروت إقليمية لخدمة مشروعها الإقليمي الكارثي، وبالتالي فهو دور يجد امتداده في التخريب وسحب الولاء من قبل أهل البلد إلي خارج حدود دولتهم وحدث ذلك من قبل بعض الفرق في لبنان واليمن والعراق وغزة وسوريا.

بغير لعبة الكروت، إيران بلا دور إقليمي، نظام سياسي عقائدي فقد صلاحيته للبقاء ولكنه باقٍ حتي الآن؛ لأنه يعرف كيف يدير الصراع ويعرف كيف يبتز محيطه الإقليمي والمجتمع الدولي ولكن طال الأمد أو قصر هي مسألة وقت ومن هنا فإن من مصلحة إيران استمرار حالة الوهن والسيولة التي ضربت منظومة الأمن الإقليمي منذ احتلال العراق عام 2003 وتبع ذلك تسونامي انهيار الدولة القومية بداية من 2011.

أما تركيا، مما لا شك فيه أن تيار الإسلام السياسي التابع للتنظيم الدولي لجماعة الإخوان الإرهابية ممثلا في حزب العدالة والتنمية الحاكم ورجب طيب أردوغان استفادوا من المناخ السياسي والديمقراطي الذي منحته لهم الفلسفة الأتاتوركية العلمانية والتي كانت تجنح بتركيا نحو النموذج الغربي، ولكن كانت تلك العلمانية مجرد وسيلة مواصلات ركبها الإسلاميون حتي سيطروا علي مفاصل الدولة التركية وكان أول فعل إشعال النار في هذه الوسيلة حتي لا يصل غيرهم.

تركيا اليوم لم تعد تشكل تلك الحالة الاقتصادية التي خدع بها أردوغان العالم ولم تعد تلك الدولة القائمة علي نظرية لا مشاكل مع المحيط الجغرافي وهي السياسة التي حملت عنوان كتاب أحمد داود أوغلوا عن سياسة بلاده الخارجية قبل عقد من الزمن.

تركيا الآن أبعد ما تكون عن حلم الانضمام للاتحاد الأوروبي من جهة، ومن جهة أخري تعاني من صدمة انهيار حلم السيطرة علي الإقليم العربي بنهاية الإخوان في مصر وما تبعه من واقع جديد فرض نفسه علي الأدبيات الدولية بما فيها هذا الفكر الغربي الذي ظن أن الإسلاميين سيحكمون المنطقة لنصف قرن أو أكثر، وتركيا أصبحت بلا حلفاء في المنطقة باستثناء زائدة جغرافية اسمها قطر، وعزلت في منطقة المستقبل والثروة وهي شرق المتوسط.

أما مقومات المناورة والبقاء التي يستند إليها أردوغان اليوم تتجسد في محورين الأول أنها الدولة التي تستضيف قاعدة أنجرليك العسكرية الأميركية والثاني أن الأراضي التركية تشكل نقطة رئيسية في خط الغاز الروسي، وافتقاد خصائص التأثير للدور التركي تفسر تخبط وترنح أردوغان، إنه صراخ المحبط واندفاع المفلس ومن هنا يستدعي إرث بلاده التاريخي الآن في خطابه السياسي لأنه لا يعرف مستقبل بلاده إلي أين سيمضي.

المصدر:
مبتدا

خبر عاجل