حكومة الوصاية الإيرانية المقنّعة

لم يعد خافياً على أحد أن لبنان وقع في القبضة الإيرانية، وهو حالياً في قلب العاصفة الإقليمية، وما حكومة حسان دياب الا تلطيفاً لواقع مأزوم قوامه: وضع يد حزب الله على السلطة لتأمين خلفيته في المواجهة الجديدة مع الولايات المتحدة إثر مقتل قائد فيلق القدس قاسم سليماني، وترشيح الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله لدور اقليمي يملأ الفراغ الذي تركه الاستهداف.

انها لحظة الوصاية بامتياز. ولا نغالي إنْ قلنا إننا أمام نسخة منقحة من حكم اميل لحود والوصاية الامنية وما مؤشرات الاعتداء على الاعلاميين بالضرب كما حصل مع فريق “ام تي في” بالأمس في البقاع، الا اول الغيث لسلسة طويلة من نهج بوليسي قمعي للبنانيين وللشعب الثائر والمنتفض.

يجري الحديث حاليا في الاروقة الدبلوماسية الاقليمية والدولية المؤثرة في الوضع الاقليمي عن استعداد اميركي للتخلي عن العراق لإيران من ضمن الصفقة التي ترتسم ملامحها توصلاً لطاولة التفاوض على الملف النووي، مع العلم ان ثمة وجهة نظر تنفي التوجه الاميركي للانسحاب من العراق.

وسواء انسحبت الولايات المتحدة من العراق ام لم تنسحب، فالأكيد ان المواجهة بين واشنطن وطهران ستستنفد كل الاوراق الاقليمية لكلا الفريقين، ولبنان من تلك الاوراق الاساسية في المواجهة، وما بيان الخارجية الاميركية بالأمس من ان حزب الله يعمل للنظام الايراني وليس للشعب اللبناني، الا اشارة واضحة الى دخول لبنان في مرحلة الاستهداف الكبير لحزب الله، ليأتي تصريح وزير الخارجية مايك بومبيو من ان واشنطن لن تقدم مساعدات الا لحكومة لبنانية غير فاسدة وتلتزم بإجراء اصلاحات وتستجيب لمطالب الشعب، الا تعبيرا منمقا عن رفض واشنطن لحكومة حسان دياب لا لشيء الا لأنها حكومة مواجهة مقنعة بوجوه تكنوقراطية، لخدمة استراتيجية ايران والحزب في المنطقة انطلاقا من لبنان.

مقتل سليماني كانت الاشارة الى تبديل في السياسة الاميركية التي اسقطت باستهدافه الخطوط الحمر في المنطقة، واعادت خلط الأوراق، والمنطقة حاليا اصبحت متفلتة من خطوط حمر وهذا ما يزيد من خطورة انزلاق الاوضاع في العراق ولبنان، بعدما اثبتت الاحداث والوقائع التلازم بين البلدين في لعبة الصراع الأميركي ـ الايراني المكشوف.

فإذا تراجعت واشنطن في العراق ستتشدد في لبنان ولديها السلاحين الاقتصادي والمالي الفتاكين، وإذا تراجعت طهران في العراق ستتشدد في لبنان ولديها الحليف الاقليمي الاقوى الا وهو حزب الله.

من هنا، لبنان حاليا في دائرة التجاذب في لحظة المواجهة الإقليمية، الامر الذي يفتح الباب على كل الاحتمالات بما فيها أسوأها (خطر مواجهة الشوارع المنتفضة بشوارع تلجأ للعنف والدم لمحاولة كسر الارادة الشعبية المنتفضة واسكات اية معارضة لوضع اليد الايراني على لبنان).

وتشير المعلومات إلى أن واشنطن لم تعد ترى في الشرق الاوسط إلا الملف الإيراني، حتى إذا تمت تسويته سيتوجه اهتمامها الى الصين باعتبارها الأولوية التحدي الاستراتيجي الاكثر اهمية للقوة الاميركية خصوصاً مع تكاثر انتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة والذي سيؤدي في النهاية إلى اكتفاء واشنطن الذاتي من النفط والطاقة ما يشجع صناع القرار الاميركي على التخلي عن المنطقة.

لبنان يعيش حاليا على الصفيح الساخن للمواجهة المفتوحة للمرحلة الانتقالية في المنطقة، ولعل ورقة الجيش اللبناني وتسليحه هي من أبرز اوراق الضغط بيد واشنطن، فتستطيع من خلالها التأثير المباشر على الدولة وتوجهاتها المتحالفة والمتماهية مع حزب الله واستراتيجية المواجهة.

فليس بمقدور لبنان حاليا لا تغيير نظامه المالي والاقتصادي والتزاماته الصارمة المرتبطة بالدولار وبتوجيهات مؤسسات النقد الدولية والصندوق الفدرالي (وهذا التقيد هو في صلب استهداف الحاكم رياض سلامة من قبل المحور الايراني ـ السوري في لبنان نظرا للتماهي الواضح مع الالتزامات الاميركية والدولية والعقوبات على الحزب) ولا هو قادر على تغيير او تنويع مصادر تسليح وتدريب الجيش اللبناني وتبديل برنامج التعاون مع الجيش الاميركي ببرنامج اخر.

لبنان بات في مكان اخر، وهو أدرك مرحلة جديدة قوامها انتفاضة شعبية قد تتحول ثورة دموية تطيح بنظامه المالي والاقتصادي الليبرالي مع بوادر انهيار الثقة بالقطاع المصرفي وتسقط دعائم الطائف بحثا عن صيغة جديدة للحكم لن تستثني الصيغ الاكثر فدرالية من جهة، وتحول استراتيجي اقليمي بعد مقتل سليماني يضعه في صلب المواجهة الاقليمية في صراع جغرافي غرب اسيا وهو المصطلح الايراني لمنطقة الشرق الاوسط.

العراق اليوم يتقرر مصيره، فإما المحور الاميركي الغربي، واما المحور الايراني ـ الصيني سياسياً، والتركي ـ الروسي نفطيا وغازياً.

ولبنان يتقرر مصيره خلال هذا العام، فإما ينتقل الى الفلك الايراني ويكون امام مرحلة قمع سياسي وقبضة امنية حديدية، واما تتمكن واشنطن من استعادته مقابل صيغة حكم جديد ينهي اثار السيطرة الايرانية ليس فقط في لبنان بل وايضا في سوريا وحتى ليبيا.

ومن الان حتى ذلك الحين، لبنان متروك المصير بيد أصحاب السلاح وما حكومة دياب الا المؤشر الاكثر تعبيرا عن المرحلة الحالية من حكم وصاية طهران والحزب على لبنان، في ظل انكفاء خليجي ارادي للمساعدات وترقب اوروبي لموازين القوى في المنطقة وتوقف المساعدات الاميركية للبنان مع تشديد العقوبات على حزب الله.

 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل