
خمسة ملايين مواطن لبناني سعرهم… سعرهم، 49 صوتا في مجلس النواب! او لنقل في مجلس اللوردات المتحكّم بالبرلمان اللبناني.
سعر بخس جدا لشعب عمره نحو ستة آلاف عام، ويشهد يوميا على انحدار عامودي لا مثيل له لكل ما يمثله من قيم انسانية وتاريخية وثقافية ووطنية ونضالية. سعرنا يا شعب لبنان العظيم، 49 صوتا، تولت في مجلس الامة ذاك، تهريب موازنة اقل ما توصف به بالمدمرة، لمجرد تمرير المزيد بعد من الصفقات والعهود والمؤامرات التي يحيكها ثعالب الزمان، وشعب في الخارج يصرخ ويُضرب ويُطرد ويلاحق ويُضطهد!
هُربت الموازنة بجلسة تصويت سرية، وعلى صدى صراخ الثوار في الشارع، وعلى وقع مزيج هجين غريب عجيب من التناقضات النيابية المسرحية التي لا تحصل الا في لبنان.
وصل النواب الكرام وكانت طريقهم مسهّلة نسبيا، بعدما احكمت القوى الامنية من جيش لبناني وشرطة مكافحة الشغب، قبضتها على مفاصل بيروت المؤدية الى طريق البرلمان. بدا المشهد صباحا وكأن حربا ساحقة ماحقة ستحصل حتما في الشارع صبيحة الاثنين 27 كانون الثاني 2020.
قوة كبيرة منتشرة بعتادها الكامل وقفت بوجه الثوار، ثوار عزّل لا يتسلّحون الا بعنادهم، تصدت لهم القوى الامنية احيانا الى درجة العنف لمنع اختراقهم للحواجز والشريط الشائك الذي فصل بين الطرفين، بعدما كانت السلطة العظيمة الشجاعة نصبت اسوارها العالية ووضعتهم في حندوقة عين بيروت لتكون الجدار الفاصل بين الشعب وممثلي الشعب، وتحصنوا داخل الاسوار خوفا من اصوات من يمثلون، والاصح القول خوفا من اصوات الذين عليهم يمثلون.
عظيم. حضر الطرفان اذاً، السلطة والقوى الامنية من جهة، والثوار من الجهة المقابلة، وبدأ الكباش في الشارع. لم يكن عدد الثوار كافيا ليمنع وصول النواب، خصوصا ان الطرقات الرئيسية، مثل جل الديب والزوق والرينغ وكورنيش المزرعة لم تقفل، فكان الوصول الى ساحة النجمة سهلا نسبيا، وان تأخر انعقاد الجلسة عن موعدها الاساسي الساعة 11 لوقت قليل الى حين اكتمال النصاب.
واكتمل النصاب بوصول نواب تيار المستقبل في اللحظات الاخيرة ليصل العدد الى 73 نائبا، بعدما كانت القوات اللبنانية اعلنت تمنّع نواب “الجمهورية القوية” عن الحضور رفضاً لتلك الموازنة وتلبية لصراخ الشارع، وايضا تمنعت “الكتائب” والنائب بولا يعقوبيان، لاعتبارهم ايضا أن الجلسة غير دستورية ولا تلاقي مطالب الثوار.
كان من المقرر ان يتكلم 23 نائبا، وبدأوا ما احلاهن بهدوء تعلو وجوههم البهيّة البسمات والضحكات وكأن لا شيء يجري في الخارج على الاطلاق، ممثلو امة مفصولين تماما عن ابناء الامة، واذ برئيس المجلس يفاجئ النواب الكرام بطلب اختصار مساحة المتكلمين الى ستة نواب فقط، خوفا من مداهمة الوقت واضطرارهم لعقد جلسة ثانية، “وإذا ضهرنا من هون ما بيعدش فينا نرجع”!
اعترف بري علنا بضغط الثورة واعاقتها لحركة النواب. اعترف أكثر رجال السلطة اندفاعا لإقرار الموازنة الفضيحة بأن الثورة ضاغطة على حركة النواب وعلى السلطة كلها. وفجأة انقطع البث التلفزيوني المباشر شو في؟ وينن؟ وين راحوا؟ قرر رئيس البرلمان بدء التصويت سريا!
لا شيء يحصل في لبنان تحت الاضواء، بشفافية النزاهة، هذه هي السلطة في لبنان، وبعد البحث والتحري والسؤال هنا وهنالك، تبين ان ما حصل في جلسة 27 كانون الثاني يرقى الى مستوى كلمة واحدة “عبث موصوف”.
تبين ان بعض نواب التيار الوطني الحر مثلا، خصوصا ممن انتقدوا الموازنة بمطالعة طويلة عريضة، كالنائب الان عون عاد وصوّت لها متل الشاطر اسوة برفاقه، تيار المستقبل الذي أمّن بحضوره النصاب في اللحظة الاخيرة انقسم على ذاته ناس مع وناس ضد لكنهم لم يصوتوا!! نواب الاشتراكي حضروا الجلسة وما حضروها اذ لم يصوتوا، وبطبيعة الحال نواب المقاومة ومن يدور في فلكهم صوتوا وما احلاهن. وفي المحصلة نالت الموازنة 49 صوتا من بينهم رئيس الحكومة الجديد، الذي جلس وحيدا الى مقعده من دون وزرائه ليبصم في النهاية على موازنة ليست من صنعه، وما عادت تفي شروط المرحلة، وكل ما فيها ان ليس فيها سوى المزيد من الخراب الاقتصادي للبنان.
وأكثر من ذلك والاهم، انها تغطي أكثر فأكثر على فساد الفاسدين المتحكمين بالسلطة في لبنان، فكانت جلسة الثلاث والسبعين يا رب عِين، ثلاث وسبعون نائبا حملوا السكاكين وطعنوا طعنا بصراخ الثوار وبالشفافية والنزاهة تحت أعرق المباني على الاطلاق لأفسد سلطة على الاطلاق.
