.jpg)
بعد استقالة حكومة الرئيس سعد الحريري وانطلاقة حكومة الرئيس حسان دياب ستغيب أكثر الوجوه الوزارية السابقة عن الضوء والاحداث، الا ان واحداً من هؤلاء هو جبران باسيل سيبقى موضع متابعة ورصد من البترون الى دافوس وأينما حل، ليس لأنه رئيس حزب او أكبر كتلة نيابية فحسب، بل لأن الرجل سيبقى تحت مجهر من يحبه او من يكرهه حتى لو خرج على الشاشات واكتفى بمخاطبة اللبنانيين بـ”مساء الخير”.
يستريح في منزله في محلة البياضة في قرنة شهوان ويدير غرفة عملياته من مكتبه في طبقة علوية حيث يتابع شؤون حزبه وقضايا الساعة وملفات أخرى. يعاين من هذا المكان كل الازمات المطروحة. وعلى جدول استقبالاته سيل من المواعيد والمراجعين على عادته. ومن المرجح انه سيتفرغ أكثر لمتابعة شؤون “التيار الوطني الحر”، لكن أكثر ما يهمه وفي صدارة اولوياته ضرورة الاسراع في إيجاد حلول ومخارج مطمئنة للوضعين الاقتصادي والمالي، على ان تكون هذه المسألة في مقدم أجندة الحكومة.
لم يتوجه أول من أمس الى البرلمان والمشاركة في جلسة اقرار الموازنة العامة، ويمتلك جملة من الملاحظات عليها على رغم ادخال لجنة المال والموازنة مجموعة من التغييرات على أرقامها. ولا يرجع عدم حضوره الجلسة الى أسباب أمنية، ويتفهم هنا مساعي الرئيس نبيه بري لإنجاز الموازنة واقرارها. ولا يدخل في الاجتهادات الدستورية حيال قانونيتها او عدم قانونيتها، لكنه كان يرى انه كان في الإمكان نيل الحكومة الثقة اولاً ليليها اقرار الموازنة، لكن ما حصل قد حصل ولا بد من تفرّغ الحكومة والدفع بها نحو الانتاجية والوقوف عند حاجات المواطنين.
ويشبّه باسيل حال “تيار المستقبل” وسياساته بمركب صغير يتخبط في المياه ولا يعرف الى أين ستقذفه الرياح، إذ لم يُظهِر نوابه في جلسة الموازنة موقفاً موحداً. فهم حضروا وصوتوا ضد الموازنة التي أشرف عليها الحريري الذي يقول انه يتماهى مع الحراك وفي الصالونات يردد كلاماً آخر. وتختلف علاقة باسيل مع الرئيس دياب عن علاقته مع الحريري، ولا يزال يحبه على المستوى الشخصي، وان مقياس الكيمياء عنده مع الشخص يخضع لمعدل انتاجيته وعمله. ومن النقاط التي لم تكن تعجبه في طبيعة الحريري انه لم يكن من الناشطين في العمل.
إلى ذلك، لا يريد باسيل الغوص في استقالة الحريري وما رافقها، ولا سيما انه لم يتجاوب معه في أكثر من ملف حساس، من المهجرين الى النازحين السوريين وشؤون اخرى. ولا يحبذ العودة الى شرح اتفاقه مع الحريري على الاسماء التي طرحها لرئاسة الحكومة ثم تراجع عنها. وهو كان أول من لمس ان الحريري لا يريد العودة الى رئاسة الحكومة – وخرجا معاً – على عكس توقعات “الثنائي الشيعي” الذي بقي متمسكاً به الى اللحظات الاخيرة. وهذا ما قاله باسيل للسيد حسن نصرالله. ويعبر عن ارتياحه الى مجموع الوزراء وهو راضٍ عن الاسماء التي ساهم في اقتراحها او دعمها. ولن يشارك هؤلاء في طبيعة الحال في اجتماعات تكتل “لبنان القوي” لأنهم ليسوا من الحزبيين.
ولذلك لم يطلب من الوزراء الجدد التوقيع على استقالاتهم، مع الاشارة الى انه لا يزال يدافع عن هذا الاجراء الذي طبّقه في الحكومة السابقة ولا يخجل بما أقدم عليه، وانه كان بالفعل يريد استقالة اربعة وزراء من فريقه لملاحظات على عملهم في وزاراتهم، ولا يتهمهم بارتكاب صفقات فساد. ولم يكتفِ باسيل بذلك بل اجرى استطلاعاً في صفوف تياره حددوا فيه ملاحظاتهم على كل وزير ووضع نتائجها امام الوزراء المعنيين في اجتماع للتكتل. وكان يريد استبدالهم لكن الرئيسين ميشال عون والحريري لم يشاطراه هذا الرأي آنذاك.
واذا كان حراك 17 تشرين الأول قد شكَّل جرس انذار لكل الافرقاء والاحزاب، فإن باسيل بدأ هذه الورشة في حزبه قبل هذا التاريخ. ويقول من اليوم ان بعض الوجوه الوزارية والنيابية، من دون تسميتها، لن يصار الى الإتيان بها ثانية، اي بمعنى انه لن يرشحها في الانتخابات النيابية ولن يعيّنها في الحكومة، مع الاشارة الى ان المرشحين للنيابة يخضعون لآلية ترشيح في التيار، وان ما يهمه هو التدقيق في انتاجية هؤلاء واطلاع القواعد على هذا الأمر ومحاسبتهم. ويعترف هنا من دون مواربة بان ثمة اخطاء وقع بها في بعض الخيارات.
وفي دردشة “النهار” مع باسيل يقول انه لا يخاف الانتخابات النيابية وسط الدعوات لإجراء انتخابات مبكرة بناء على نداءات الشارع الذي لا يراه موحداً في مطالبه، لكنه يشدد اولاً على الوضع الاقتصادي، وان الأولوية الملحة وفق رؤيته يجب ان تنصب على وقف الانهيار المالي واستنهاض القطاعات الانتاجية في الاقتصاد الوطني، ولا مانع بعد ذلك من طرح الانتخابات المبكرة. وعند تبيان ظروفها يصبح لكل حادث حديث، وإذا كانت مؤاتية لا يعارض اجراء هذه الانتخابات وتطوير القانون الحالي والوصول فعلاً الى دولة مدنية. ويلتقي هنا في هذا الطرح مع الرئيس بري.
وقبل وداعه نسأله: لم تزر دمشق اثناء تولّيك وزارة الخارجية. هل ستزورها بعد مغادرتك إياها؟ يكتفي بالقول: “ربما صارت أهين اليوم”.