يشوعي لموقعنا: 4 فرص أضاعها لبنان بظل البهلوانيات

 

أقل ما يمكن وصف مشهد جلسة إقرار موازنة 2020، الاثنين الماضي، في مجلس النواب، بأنه مشهد سوريالي غير مسبوق. حكومة لم تنل ثقة مجلس نيابي ينعقد للتصديق على موازنة أعدتها حكومة مستقيلة في ظروف وأوضاع مختلفة جذرياً عن الأوضاع الاقتصادية والمالية النقدية الحالية، ورئيس حكومة يجلس وحيداً معزولاً من دون “عسكره” الوزاري في المقاعد المخصصة للحكومة، ويقف ليعلن الالتزام بالموازنة التي لا ناقة ولا علاقة له ولحكومته بها.

الخبير الاقتصادي والمالي الدكتور إيلي يشوعي، يرى أن “هناك خطأين ارتكبا في هذه الجلسة الفولكلورية: الأول ارتكبه مجلس النواب، والآخر الحكومة”.

ويوضح، لموقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أنه “أولا، لا يحق لرئيس الحكومة حسان دياب، قانوناً، أن يتبنى لوحده أمام مجلس النواب موازنة لم تضعها حكومته بل حكومة سابقة، وخصوصاً قبل أن تنال حكومته الثقة”، معتبراً أنه “تصرف لا يُطمئن، لأنه لا يدل على وعي كافٍ لخطورة المرحلة، وعلى أن رئيس الحكومة أمين مع نفسه. بمعنى أنه حين يراهن دياب في كل تصريحاته على المساعدات الخارجية والمجتمع الدولي ويتصرف بهذه الطريقة، يكون فعلاً يزعزع الثقة أو ما تبقى منها بالسلطة التنفيذية في لبنان”.

وفي ما يتعلق بالخطأ الثاني للحكومة، يستغرب يشوعي: كيف لا تطالب الحكومة باكتمال صلاحياتها قبل قبول البحث بموضوع موازنة ليست لها ووضعتها حكومة سابقة؟ كيف تقبل الحكومة أن تذهب إلى مجلس النواب، حتى لو ذهب رئيسها لوحده، ولم يكلّف أحد منهم نفسه بطلب استرداد الموازنة ليعاد النظر بأرقامها بسرعة وتقييمها، وإجراء التعديلات اللازمة عليها وإدخال الإصلاحات التي يجب إدخالها، وجعل الموازنة فعلاً تعبِّر نسبياً عن السياسات الاقتصادية والمالية والاجتماعية لهذه الحكومة، وجعلها بالأرقام تتوافق أكثر مع الواقع؟

ويشدد على أن “الموازنة التي قُدِّمت عبارة عن إنفاق جارٍ، لا شيء فيها من الواقعية، لا بالأرقام ولا بالنتائج”. ويلفت إلى أن “كل المؤشرات تدل على عجز بقيمة 4.5 مليار في موازنة 2020، ولا يزالون يوهمون الناس على الورق أن هناك فائضاً، إذ وضعوا، في وقت ما، 19 ألف مليار ليرة واردات و18 ألف مليار نفقات، على أساس أنه بالنسبة للنفقات، البنك المركزي والمصارف سيقومون بتصفير الفوائد على الدين العام لسنة 2020 وهكذا توفِّر على الخزينة 4200 مليار ليرة، من دون أن يطلب أحد رأي مصرف لبنان والمصارف واعتبروا الأمر تحصيلاً حاصلاً. وقاموا بإزالة نفقات استثمارية كثيرة من داخل الموازنة واستُعيض عنها بأموال سيدر، بحجة أن إنفاق الدولة يعتريه فساد، بينما أموال سيدر هناك رقابة دولية صارمة عليها”.

وبالنسبة إلى خطأ مجلس النواب، يشير يشوعي إلى أنه “كان لا يزال أمامنا وقت لنهاية العقد الاستثنائي آخر شهر كانون الثاني. وكان يُفترض أن تُعيّن جلسة ثقة للحكومة في النهار الأول، وجلسة في اليوم التالي لمناقشة موازنة تم مراجعتها وتبنيها من قبل هذه الحكومة، وبحضور أعضائها كافة للدفاع عن الموازنة، كي نكون أمام لعبة برلمانية سليمة من دون بهلوانيات وفولكلور وتزوير”.

ويرى أنه “لو استردت الحكومة الموازنة التي أعدتها الحكومة السابقة، حتى لو أخذت وقتها في مناقشتها وتقييمها وتخطت كانون الثاني إلى آذار المقبل، لكن تنتهي بإعداد موازنة تُطمئن المجتمع الدولي تستطيع الحكومة من خلالها تطبيق ما خطَّطَت له من إصلاحات، ومن ثم تعيد إرسالها إلى مجلس النواب لينتهي منها بسرعة، عندها بإمكان البرلمان تجاوز التحجج بالالتزام بفترة انتهاء العقد الاستثنائي في كانون الثاني والصرف على القاعدة الاثني عشرية، لأنه بعد استرداد الموازنة لا يعود ملزماً بالمهلة”.

يشوعي يخشى من أننا “ذاهبون إلى الانهيار التام الشامل الكامل، في ظل كمٍّ من المخالفات الدستورية والقانونية والاقتصادية والمالية وغيرها. فالحكومة برهنت أنها ليست سيدة نفسها وقرارها، وكأنه أُملِيَ عليها البصم على الموازنة”. ويضيف: “قالوا إنهم سيعدّون مشاريع قوانين لاحقاً لمعالجة النواقص، لماذا لاحقاً؟ فمهل العقد العادي والعقد الاستثنائي لمجلس النواب لا تعود تُطبَّق في ظل حكومة جديدة؟ علماً أنه دستورياً، حكومة لم تنل الثقة هي غير مكتملة الصلاحية، وبالتالي لا يحق لمجلس النواب التشريع في حضور حكومة لم يمنحها الثقة بعد”.

وعن المساعدات الموعودة للخروج من الأزمة، يشدد يشوعي على أنه “ضد استدانة لبنان من الخارج”، ويعتبر أن “لبنان لديه ملفات داخلية يستطيع أن يعمل عليها، لكن مع حكومة مختلفة، ويمكنه من خلال معالجة هذه الملفات إنقاذ نفسه مالياً من دون الاستعانة بأحد، لا صندوق النقل الدولي ولا البنك الدولي ولا بأموال سيدر ولا بأي اقتراض خارجي إضافي”.

ويرى يشوعي أننا أضعنا أربع فرص للخروج من الأزمة: الأولى، الصدمة الإيجابية، التي لم تحدثها هذه الحكومة، إذ كان يجب تشكيل حكومة، رئيساً وأعضاء بالكامل، من متخصصين في الاقتصاد والمال، حتى وإن كانوا في السياحة والشباب والرياضة أو غيرها من الوزارات، يشكلون فريقاً متضامناً. عندها كان يمكن إعادة توطين جزء من الـ4 مليارات المطلوبة، والموجودة خارج القطاع المصرفي، في المصارف من جديد، وتُستعمل لتمويل المستورِد والمنتِج والمستهلك، فنعيد تحريك العجلة الاقتصادية وخفض سعر صرف الدولار.

ثانياً، استرجاع الأموال المنهوبة ابتداء من المظاهر الخارجية للغنى، كما حصل في أوروبا. وهذه فرصة أضعناها أيضاً، فهل يمكن لوزير معيَّن من رئيسه محاسبة من عيَّنه؟

ثالثاً، لا نزال في بواخر الكهرباء والمحارق وغيرها، بينما يمكن لملفات الخدمات العامة أن تضخ 20 مليار دولار في الاقتصاد، إذا تم العمل بالتلزيمات بالشكل الصحيح بواسطة استشاريين دوليين، لا بواسطة مجلس أعلى للخصخصة وهيئات ناظمة فاسدة مثل من عيَّنها.

رابعاً، ملف النفط والغاز، وهناك قانون جيد ينص صراحة على مشاركة الدولة في الإنتاج، لكنهم في المرسوم التطبيقي ألغوا المشاركة وأصبحوا هم يريدون المشاركة مكان الدولة مع الشركات الدولية، ويتركون حصة للدولة. فبهكذا مرسوم تطبيقي خسرنا سلفاً البلوكين اللذين يُحكى عنهما بداية، ويجب إلغاء هذا المرسوم التطبيقي”.

ويؤكد يشوعي أننا “بحاجة إلى رجال وطنيين مشهود لهم بالكفاءة ولديهم ماض نظيف شريف. يجب التفتيش عن هكذا نوعية، وهم ليسوا على القمر”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل