
من أجمل المؤتمرات الصحافية على الاطلاق لنواب “الجمهورية القوية”! كيف يمكن لمؤتمر صحفي ان يتمتع بالجمال مثلا، والوطن في اسوأ اسوأ مراحله؟ اولا هؤلاء نواب يمثلون فعلا الامة، وهواجس الناس، ومشاكلهم وقهرهم، ويلاحقون قضاياهم حتى الفضيحة.
مؤتمر صحافي جاء بمثابة القنبلة وليس اقل من ذلك، لبعض من نواب القوات اللبنانية الذين مثلهم انطوان حبشي، وجورج عقيص، وعماد واكيم، وشوقي الدكاش. نواب هالهم ما يجري في لبنان وهم جزء من سلطة، لو عملت جميعها بضميرها الحي وبأخلاقياتها وبالنزاهة المنشودة، كما يفعل نواب القوات اللبنانية، وليس بالسياسة والمنبر والمنافع، لكان لبنان أصبح في مكان آخر تماما، ولما وصل الى القعر الذي هو فيه الان.
كيف يكون مؤتمر صحافي في لبنان من رجال سياسة “جميل”؟ في الاعلان عن المؤتمر، قيل ان نواب القوات اللبنانية سيكشفون خبايا ملفات عن وزارتي الطاقة والاتصالات. لكن ما لم يكن أحد ليتوقعه، اولا حجم الفضائح التي سُردت بطريقة علمية مبرمجة والموثقة تفاصيلها بالأرقام والوثائق، من مصادرها الصحيحة سواء عبر الوزارات المعنية، التي تجاوبت احيانا واحجمت في احيان اخرى، وخصوصا وزارة الطاقة، واحيانا عبر اشخاص من قلب الجهاز الوظيفي العامل في تلك الوزارات، والذين ضاقوا ذرعا بحجم فساد المسؤولين عنهم، فقرروا التعاون المطلق مع نواب القوات اللبنانية وكشف المستور ليستريح الضمير المثقل بفساد المسؤولين.
ثانيا، وهنا منبع الجمال تحديدا، اذا جاز التعبير، هو أن يبقى لنا امل في لبنان، ان ثمة عن جد من يراقب ويلاحق ويفضح ويصرخ مطالبا بحق الناس من دون شعبوية فارغة، او استعراضات لا تؤدي الى اي مكان. هنا الجمال في الشفافية والمصداقية، وهما عملة نادرة كادت تصبح منقرضة في لبنان.
“تعبنا كتير لـ وصلنا الى ما وصلنا اليه من معلومات، خصوصا انو الوزارات المعنية حاولت أكتر من مرة حجب الوثائق عنا، متل لـ صار وقت طلبنا موازنة معمل دير عمار للأعوام 2017 2018 2019، فتمنعوا بحجج واهية كانت عذر أقبح من ذنب”، كما قال الدكتور حبشي خلال عرضه للوثائق في المؤتمر المدوي.
وثائق مخيفة مخيفة تثبت بما لا يقبل الجدل او الشك، نسبة الهدر الهائل المهول الذي تجاوز مليارات الدولارات في الوزارتين. وثائق كنا نعرف انها موجودة لكن ما كان مقدّر لنا ان نتوقع هذا الاجرام في التعاطي بشؤون الناس اولا، وثانيا حجم فساد كنا نظن اننا نعرف حجمه، فإذ به يتخطى كل كل توقعاتنا ومخيلاتنا الصغيرة، “هالفروقات بالاموال المهدورة بكل صفقة، بكل صفقة من هالصفقات كان بيقدر يبني سد العاصي وغير سدود، ويعمّر اوتوسترادات ومصانع بكل مناطق لبنان”، قال حبشي بتأثر بالغ.
والتأثر هنا لا يعني الدمع والشجن، انما ذاك المزيج من الغضب المكتوم المتفجّر في لحظته، على فئة من المسؤولين الفاسدين، حوّلت اللبنانيين الى شعب جائع تائه فقير مشرّد على الطرقات، يلهث خلف ابسط حقوقه وخلف كرامته المهدورة، وحوّلت الوطن الى ارض منهوبة الخيرات، مدعوسة الكرامة، محسوبة على فئة معينة من المسؤولين الفاسدين، بدل أن تكون خيرات البلاد بأيدي الشعب اللبناني يتنعّم بها وهي من صلب صلب حقوقه.
“العدو مش فكرة، الخصم مش فكرة، الخصم انسان من لحم ودم، وعلى هالأساس يجب التعاطي معو. عم نحط بين ايدين الرأي العام اللبناني، كل هالمعلومات حتى يعرف شو عم بيصير ويحاسب، يحاسب. كل هالمال المهدور هو من حق الناس المقهورة على الطرقات، الناس لـ ع الارض عم تنبّش ع لقمة عيشها، للعسكر على جبهاتو، للمتقاعد لـ افنى عمرو وتعبان بمصرياتو، هالمعلومات لكل الناس ونضعها بايدين القضاء اللبناني النزيه، لان هو نقطة الفصل، وبقول للبنانيين خلّوا عيونكن ع القضاء”، صرخ حبشي.
انتهى المؤتمر الصحفي وبقيت الفضائح المعلنة وغير المعلنة ايضا، عالقة على صفحة وطن مخرمش بصور الفاسدين، يعيش منذ اكثر من عشر سنوات فضائحه اليومية، ويعيش انتظاره، وها هو الان يعيش ثورته، وينتظر أن يصل صراخه الى آذان السماء اذ يبدو ان وحدها تسمع. وطن بالنسبة لنا لا امل متبق فيه الا عبر نضال القوات اللبنانية، وبنجاح الثورة… مع صلاة بأن تسمع السماء وتستجيب هذه المرة.
