.jpg)
ليس مستغرباً أن حتى الأحداث المفصلية في المنطقة والعالم تكتسب في بيروت خصوصية لا تشْبه غيرها عندما تقاس بـ”الميزان” اللبناني وحسابات واقعه البالغ التعقيد والمكشوف على ارتجاجات محيطه وارتداداتها.
وهذا ما ينطبق على صفقة القرن التي أعلنت من واشنطن وسرعان ما شقت طريقها إلى لبنان المأخوذ بـ”مأزق القرن” (الانهيار الأسوأ منذ مئة عام هو عمر لبنان الكبير) الذي يعيشه على المستوى المالي – المصرفي – الاقتصادي.
وبمعزل عن “حظوظ الحياة” لهذه الصفقة “المشبعة” بالخلفيات الانتخابية والتي بدتْ على طريقة لعبة “المونوبولي” على لوح يعد عليه دونالد ترمب وبنيامين نتنياهو الأراضي (والأموال) ويتوزعانها ويوزعانها في غياب “المالك الأصلي”، فإن هذا التطور لم يتأخر في وضْع المرحلة السياسية الجديدة التي دخلها لبنان مع ولادة حكومة الرئيس حسان دياب، التي يشكل حزب الله للمرة الأولى قاطرتها الأساسية وبلا أي شراكة مع خصومه، أمام أول اختبار لمدى قدرة “استراتيجية السلطة بلسانين” على تظهير موقف يوائم بين حاجة لبنان إلى المظلة العربية والدولية لانتشاله من الحفرة المالية وبين استظلال الحزب “حكومة الأقْنعة” للتوسع في “التحكم والسيطرة” على الواقع اللبناني.
وفي هذا الإطار، توقفت أوساط واسعة الاطلاع عبر “الراي” عند مسألتين متداخلتيْن تحولتا محور اهتمام كبير منذ الكشف عن “صفقة القرن”:
* الأولى بروز ما يشبه الهامش المدروس بين حزب الله وبين جناحه الحكومي في مقاربة هذا التحول، وهو ما عبر عنه بيان الحزب وأدبياته التي شن من خلالها هجوماً مزدوجاً على “إدارة ترمب المتوحشة والشيطانية”، كما على أنظمة عربية “متواطئة وخائنة”، في مقابل موقف رسمي ثلاثي من كل من رئيس الجمهورية ميشال عون ودياب ووزير الخارجية ناصيف حتي، بدا أقرب إلى دبلوماسية “حفْظ الحق” انطلاقاً من تمسك بيروت بمبادئ المبادرة العربية للسلام (بيروت 2002) وحق عودة اللاجئين.
* والمسألة الثانية التأثيرات المحتملة لاتخاذ حزب الله وضعية هجومية شرسة بوجه العرب وواشنطن على المسار الذي يحاك بعناية وعلى طريقة “حفر جبل” المأزق المالي بـ “إبرة” الإصلاح الموعود و”إخفاء” التموْضع السياسي الحقيقي للحكومة، وسط اعتبار الأوساط المطلعة أن “اللعب على حبليْن” في هذا المجال بين الحزب والسلطة محفوف بخطر استثارة “العين الحمراء” الخارجية في لحظة يخشى أن تكون أولويات المجتمع الدولي على وشك تبدلات كبيرة في ضوء ما قد يسببه إعلان صفقة القرن من تداعيات واضطرابات، وأيضاً في غمرة وجود “دفتر شروط” دولي على بيروت لمدها بـ”اوكسيجين” الإنقاذ يبدأ بالإصلاحات ويمر بـ”النأي بالنفس” عن أزمات المنطقة وتطبيق القرارات الدولية (ذات الصلة بلبنان)، وكذلك في ظل الخشية من محاولة واشنطن ربْط رزم الدعم لـ “بلاد الأرز” بـ”حبْل الصفقة” التي كان شقها الاقتصادي خص لبنان بنحو 6 مليارات دولار.