#adsense

سلطة بالقوة

حجم الخط

كتب نجم الهاشم في “المسيرة” – العدد 1703

 

في 19 تشرين الثاني الماضي عجزت قوى السلطة عن عقد جلسة لمجلس النواب لإقرار بعض المشاريع ومنها قانون للعفو عن عدد من الجرائم بعدما طوّق المتظاهرون المداخل المؤدية إلى مجلس النواب. طارت الجلسة ونجحت «الثورة» ولم تنفع كل التدابير الأمنية في تمرير إنعقادها، الأمر الذي أدى إلى تحميل الجيش مسؤولية عدم تأمين وصول النواب إلى مبنى البرلمان في ساحة النجمة. بعد تلك الجلسة بدا أن ما تبقّى من السلطة لا يمكن أن يستمر إلا بقوة القوى الأمنية.

بالكاد تم تأمين 69 نائبًا لتسمية الدكتور حسان دياب رئيسًا مكلفاً تشكيل الحكومة. كانت التسمية عسيرة وكذلك كان التأليف. بالكاد أيضًا إتفقت القوى التي سمّته على تقاسم الحصص لكي تبصر الحكومة النور. اللون الواحد تشظى ألواناً كأنه كان من المطلوب أن تولد هذه الحكومة بأي ثمن ولكن الثمن الأكبر لم يحن أوان دفعه بعد.

لكي يصل الوزراء الجدد إلى قصر بعبدا لالتقاط الصورة التذكارية كان مطلوبًا من القوى الأمنية أن تؤمن سلامة المرور. كانت الطرقات مفتوحة نحو القصر الجمهوري ولكنها بقيت مقفلة أمام الحلول. العبور إلى الصورة التذكارية ليس سهلاً كالعبور إلى الضفة الأخرى من الجسر الذي يكثر المنتظرون فوقه.

كان الرئيس حسان دياب قد تعهد أن يبقى مستقلا «كما كان» وأن تكون حكومته مستقلة وتحاكي مطالب الحراك الذي غرّد مؤيدًا له ومتبنيًا مطالبه قبل أن تلوح في الأفق ملامح التلميح بطرح اسمه، ذلك أن الثنائي الشيعي كان لا يزال يراهن على عودة الرئيس سعد الحريري إلى السراي. عندما قرر الحريري الإعتذار إتخذ «حزب الله» و»أمل» والتيار الوطني الحر ورئيس الجمهورية قرار السير بدياب وبحكومة اللون الواحد. لم يكن هذا خيارًا بل إضطرارًا.

كان من المفترض أن تكون الحكومة المنتظرة على قياس آمال الناس ولكن النتيجة كانت معاكسة. بدل أن توحي بالثقة وبأنها قادرة على إخراج المعترضين من الشوارع والساحات فعلت العكس وباتت أحد أسباب إستمرار الأزمة وبالتالي تفاقمها وبقاء الناس في الشارع. الإطلالات الأولى لوزراء المرة الأولى لم تكن على قدر التمنيات. المفترض أنهم مستقلون جاؤوا ليشكروا من سمّوهم واختاروهم. وبدل أن تكون لديهم أفكار مسبقة لكيفية الخروج من المأزق، بدا وكأن كلاً منهم يريد أن يدرس الملفات من البداية ليرى ماذا يمكن فعله. هذا الأمر ولّد شعورًا متزايدًا بالإحباط، خصوصًا أن السمة المشتركة بينهم كانت التردد وكأنهم لا يدرون ماذا سيفعلون. فالأزمة كبيرة. والناس في الشارع. والقدرات محدودة وربما معدومة. والوسائل غير متوفرة. والغطاء السياسي ضعيف ومترهّل ومنتهي الصلاحية. والدعم الدولي مشروط ومن الصعب تلبية شروطه. وفوق كل ذلك الحكومة لا تعد بالمعجزات والناس ينتظرون معجزات لا يمكن أن تأتي.

ليس من الضروري أن يبقى الناس في الشوارع لكي تبقى الثورة متأججة. الأزمة وحدها تكفي لكي تدرك هذه الحكومة المدعومة بمن تبقّى من قوى السلطة أنها ضعيفة وغير قادرة على العمل، فكيف بالأحرى تكون قادرة على إعطاء الأمل؟ وبالتالي كيف يمكنها أن تعيد الناس إلى العمل؟

بدل أن تفتح الطرقات عملت قوى السلطة على بناء الأسوار حول مقارها الرسمية. من قصر بعبدا إلى السراي الحكومي إلى مجلس النواب، بحيث أن المسافات التي باتت تفصلها عن الشعب شاسعة لا تحدها سواتر بل مبادرات غائبة وحلول غير موجودة وثقة مفقودة. وباتت هذه السلطة غير قادرة على الإستمرار إلا بقوة الحماية التي توفرها لها القوى الأمنية.

جلسة مناقشة الموازنة العامة في 27 كانون الثاني كانت الكاشفة لعورات الحكم والحكومة والمجلس النيابي. لا يمكن أن تتأمن إستمرارية العهد والحكم بنشر نحو عشرة آلاف عسكري من الجيش وقوى الأمن الداخلي وبقية الأجهزة الأمنية على كامل النقاط التي كانت تقطع فيها الطرقات وفي الساحات التي كانت تحصل فيها الإعتصامات وفي محيط مجلس النواب والسراي. القوى التي سمّت دياب وشكلت الحكومة لم يكن باستطاعتها تأمين نصاب الجلسة. كان هذا الرهان الأول الذي تمت معالجته بالإستعانة بنواب من تيار المستقبل والحزب التقدمي الإشتراكي. كان المطلوب أيضًا تأمين وصول النواب إلى مجلس النواب. التدابير التي اتخذتها القوى الأمنية ساعدت في الوصول، ولكن الفضل الأول بذلك كان لقوى المعارضة والحراك حيث أنه لم تضع كل قوتها في الشارع لمنع إنعقاد الجلسة، وهي لو أرادت لفعلت. وعلى رغم تأمين النصاب، فإن مشهد الجلسة كان بائسًا. وحيدًا جلس رئيس الحكومة الدكتور حسان دياب ممثلاً الحكومة، بينما اختصر الرئيس نبيه بري الكلمات وحسم التصويت على الموازنة في جلسة واحدة خلال ساعتين تقريبًا لأنه أدرك أن فرصة عقد جلسة أخرى لن تكون متاحة، حتى أن خروج نائب من الجلسة لم يكن ممكناً لأنه ما كان معروفاً إذا كان سيتمكن من العودة، وبالتالي كان هناك خوف من تطيير النصاب. وعلى رغم كل ذلك تدنّت نسبة الأصوات ال69 الذين سمّوا دياب إلى 49 وافقوا على الموازنة.

تحدي جلسة الموازنة سيتكرر مع جلسة الثقة. قد يحتاج تأمين انعقادها إلى نحو عشرة آلاف عسكري أيضا، ولكن ماذا إذا كان حضور المعارضين أكبر وأوسع؟ ثمة حاجة دولية لإعطاء هذه الحكومة فترة سماح. وثمة من يعتبر أن وجود هذه الحكومة أفضل من الفراغ ليس لسبب إلا بحثاً عن مخارج من الأزمة. ولكن هل تستطيع هذه الحكومة أن تساعد نفسها؟ هل يستطيع رئيس الحكومة والوزراء أن يتحرروا من مسؤولية «الوفاء» و»التبعية» لمن سمّوهم؟

السلطة أو ما تبقّى منها لا تمتلك القوة الذاتية للإستمرار فكيف يمكنها أن تؤمن الإستقرار؟ هل ستبقى مستمرة بقوة الحماية التي تؤمنها لها القوى الأمنية؟ وإلى متى يمكن أن تبقى هذه القوى منتشرة في الشوارع وتتحول فقط إلى قوى لمكافحة «الشغب»؟ هل هذه مهمتها؟ الإنجاز الأول الذي يضع الحكومة ومن معها على سكة الحلول هو أن تتمكن من إخراج الناس وقوى الأمن معًا من الشارع. مشهد قوى الأمن وهي تحتمي بالدروع الزجاجية لا يجعل هذه السلطة قوية بل يبقيها سلطة من زجاج. لا يمكن لهذه السلطة أن تستمر إذا بقي رئيس الجمهورية متحصناً في القصر الجمهوري ورئيس مجلس النواب محتميًا في مقره في عين التينة ورئيس الحكومة محاصرًا نفسه في السراي، وإذا بقي الوزراء غير قادرين على الوصول إلى وزاراتهم والنواب عاجزين عن الإنتقال إلى البرلمان إلا متسللين ومتجنبين المواجهة مع الناس.

المسألة تتطلب إنقلابًا على الذات وعلى السلطة المتداعية أصلاً. وإذا لم يحصل ذلك فإن وزراء المرة الأولى كما سمّاهم الرئيس دياب وهو رئيس للحكومة للمرة الأولى أيضًا سيكونون في الوقت نفسه وزراء المرة الأخيرة. والفرصة لن تتكرر. مسؤوليتهم كبيرة وهي تتطلب جرأة وتكريسًا لمبدأ الإستقلالية والنأي بالنفس والذهاب مباشرة إلى مشاريع للحل توحي بالثقة. هذه الثقة لا يمكن أن تأتي من 65 نائبًا يؤمّنون نصاب الجلسة بل من الإنتفاضة ومن الناس الذين أسقطوا الحكومة السابقة، وإلا فإن سقوط هذه الحكومة سيكون عظيمًا وسيسقط معها ما تبقّى من هذه السلطة.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل