
ثمة شبه إجماع على أن مسودة البيان الوزاري المسرَّب، الذي شارفت حكومة حسان دياب على الانتهاء من إعداده تمهيدا لإقراره في جلسة قريبة لمجلس الوزراء، والذي ستمثل الحكومة على أساسه أمام مجلس النواب طالبة ثقته، لا يعدو كونه مجرد إنشاء ووعود وتمنيات واستنساخات عما سبقه من البيانات الوزارية، خصوصاً في ما يتعلق بخطة الكهرباء، وهو الملف الذي أعطته الدول المانحة الأولوية واشترطت على الحكومة الجديدة تحسينه وإنهاء الهدر فيه والعجز الذي سبّبه لخزينة الدولة مقابل المساعدات.
المستشارة في مجال الطاقة جيسيكا عبيد ترى أن “سلسلة مشاكل ستعترض تنفيذ خطة الكهرباء، خصوصاً في ظل الأزمة المالية”. وتشير إلى أن “الخطة وُضعت على أساس دمج الحل الموقت بالحل الدائم. أي أنهم سيعتمدون إما بواخر جديدة شبيهة بالحالية التي ينتهي عقدها في العام 2021، أو مولدات كبيرة توضع على البر، وذلك على فترة تتراوح بين 3 و5 سنوات يكون خلالها قد تم تنفيذ المحطات الدائمة لإنتاج الكهرباء، علما أن المعامل الدائمة يفترَض أن تُنجز خلال سنتين أو ثلاث كحد أقصى. وانطلاقاً من ذلك يصبح بالإمكان رفع تعرفة الكهرباء، إذ تكون قد تأمنّت بين 21 و24 ساعة في اليوم”.
وتضيف عبيد، في حديث لموقع القوات اللبنانية الالكتروني، أنه “إذا أردنا السير بهذه الخطة المعدة في العام 2019، سيقومون بالتوقيع على عقد مع شركة للتنفيذ على فترة تتراوح ما بين 20 و25 سنة، بأسعار مرتفعة أعلى من المعدل المفترض، إذ سيتم دمج كلفة الحل الموقت، البواخر الجديدة أو الموتورات على البر، المرتفعة والتي سيتم تفكيكها لاحقاً، إلى الكلفة الإجمالية لإنشاء المحطات، ما يعني أن السعر سيبقى مرتفعاً لمدة طويلة ما سيؤثر حكماً على مجمل الاقتصاد اللبناني”.
وتشير إلى أنهم “في حال قرروا اعتماد الحل الموقت والحل الدائم بالتوازي، بحسب خطة الـ2019، أي الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)، بحيث يتم التلزيم إلى شركة من القطاع الخاص تتعهد التنفيذ والتشغيل والإشراف والصيانة طوال فترة العقد (20 ـ 25 سنة)”.
وتضيف، “لكن على الملتزم في حال اعتماد نظام الـ(PPP) تأمين التمويل، وبما أن الشركات لا تملك كامل المبالغ المطلوبة، تقوم بتأمين قسم منها وتلجأ للاقتراض من المؤسسات المالية لتغطية الباقي، ولا يمكن البدء بتنفيذ المشروع قبل تأمين كل المبلغ المطلوب، ما يسمى (Financial close)، بينما هم في مشكلة من الأساس في تحصيل المبالغ وقبل الأزمة المالية التي تفاقمت أخيراً”.
وتوضح المستشارة عبيد أن “مشروع طاقة الرياح في عكار مثلا، وُقِّع عليه في العام 2018، واجه صعوبات لتأمين المبالغ النهائية اللازمة لتنفيذه من مؤسسات التمويل المالية. بالتالي، وفي ظل الوضع الاقتصادي والأزمة الحالية، من الصعب أكثر الوصول إلى نقطة الـ(Financial close)، بسبب فقدان الثقة بمؤسسات الدولة والوفاء بالتزاماتها، وبسبب صعوبة تأمين العملات الصعبة، خصوصاً الدولار، والشح المعروف في السيولة. كما أن الأموال التي ستقترضها الشركة المنفذة كناية عن ديون بمعدلات فائدة مرتفعة نظراً للمخاطر المرتفعة في لبنان وتخفيض تصنيفه الائتماني، وبالتالي أسعار المناقصات ستكون مرتفعة، بانتظار أن يصبح لدى الدولة حل أو تصور لمعالجة الأزمة الاقتصادية والمالية”.
وتشدد على أن “ما يتردد عن توجه لتخفيض معدلات الفوائد، لن يكفي. المطلوب حل اقتصادي جذري يعطي ثقة للمجتمع الدولي والمصارف والصناديق الدولية والمستثمرين، أنه حتى ولو كان الاقتصاد سيمر في فترة موجعة لكنه سيتحسن، وحالياً الثقة معدومة. بالتالي كيف يمكن لأحد توقع جلب الاستثمار إلى لبنان في ظل هذا الوضع؟”.
وتلفت إلى أنه “في حال تشجع أحد وتقدم بعروض إلى المناقصات، فستكون ربما شركتان على الأكثر، أي أنه لن تكون هناك قدرة تنافسية حقيقية. بالإضافة إلى أن الأمور غير واضحة في شروط المناقصات كما تم إقرارها، بينما المستثمر بحاجة إلى الثبات والوضوح في ما يتعلق بطريقة حماية استثماره وحقوقه، بينما في لبنان لا شيء ثابتاً خصوصاً في قطاع الكهرباء”.
وتعتبر عبيد أن “مجرد تعيين الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء كما تتعهد الحكومة، لا يكفي للتثبيت أن القطاع سيتحسن. فالأساس والثابت أن الصلاحيات التي تمتلكها، أو لا تمتلكها، هي التي تحدد مسار القطاع”. وتضيف، “لا جدوى من هيئة ناظمة لا تملك صلاحيات، ومنوط بها فقط إعداد توصيات، ومن الأوفر على الخزينة في هذه الحالة إنشاء قسم للتخطيط في وزارة الطاقة من إنشاء هكذا هيئة”، مشيرة إلى أن الهيئة الناظمة تكون كلفتها مرتفعة عادة، ما يعني أننا نفتح أبواباً جديدة للهدر وندور في الحلقة المفرغة ذاتها”.
وتشير إلى أن “مشروع تعديل قانون إنشاء الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء ومهامها- والذي أقرته الحكومة السابقة بعد استقالة وزراء القوات اللبنانية- والمقرر إرساله إلى مجلس النواب للتصديق عليه، لا يعني أن الكهرباء ستتحسن حكماً. فهذه التعديلات أفرغت الهيئة من صلاحياتها، بحيث لا تملك استقلالية مادية ولا استقلالية القرار ولا المقر، واقتصرت غالبية مهامها على إعطاء مقترحات”.
وتعرب عن اعتقادها، أن “ما ورد في المسودة عن (أننا في حالة طوارئ تقتضي السير بحلول سريعة واتخاذ إجراءات ضرورية وطارئة لتأمين التيار الكهربائي باستمرار، وسيتم إقرار التعديلات والاجراءات المجدية والضرورية لتسريع تحقيق الأهداف)، ربما يعني أنه من الممكن أن يعتمدوا، في سبيل تأمين الكهرباء بسرعة، إلى السير بمناقصة الحل الموقت قبل الحل الدائم”.
