
افتتاحية صحيفة النهار
التعسّف المصرفي ولغم الكهرباء قبل البيان وبعده!
اذا كانت الحكومة نامت على حرير التعديلات الشكلية التي ادخلتها على مسودة البيان الوزاري الذي أقرته اللجنة الوزارية المكلفة صياغته مساء أمس تمهيداً لاقراره في جلسة لمجلس الوزراء الخميس، فان الوقائع الدامغة تثبت ان عملية تجميل البيان وترشيقه وضبضبته لفظيا بعض الشيء لن تقي الحكومة سهام السخط المتصاعد بقوة حيال الواقع المأزوم على كل الصعد وخصوصاً حيال الاجراءات المتشددة بل التعسفية التي تتخذها المصارف في فرضها مزيداً من القيود على عمليات السحب بالدولار وتقنينها.
والواقع ان مطلع الشهر لم يشكل موعد بت ايجابي للبيان الوزاري كما شاءته الحكومة من خلال تسريب النسخة ما قبل النهائية، بل جاءت تداعيات التسريب والاصداء في معظمها سلبية أولاً، ومن ثم طغت التدابير والاجراءات البالغة التشدد الاضافية التي اتخذها عدد من المصارف الكبيرة في عمليات السحب وخفض سقوفها الى النصف و”تقسيط” مهلها مرتين في الشهر لتطغى على مجمل المشهد المأزوم، خصوصاً ان تناقضات فجة للغاية واكبت هذا المشهد بين حكومة تطلق وعوداً بتخفيف القيود المصرفية وتسهيلها على المودعين ومصارف تسارع في السانحة الأولى الى ممارسة الاستنسابية في تقييد عمليات السحب بالدولار. ولعل النقطة الاكثر اثارة للسخط تتمثل في ان المصارف لم تراع ضرورة “تمديد” فرصة السماح لاجراءاتها الصارمة والقاسية أساساً كما لم تنتظر انتهاء المشاورات الجارية بين الحكومة وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة في شأن الاجراءات التي ضمنها مسودة تعميم ارسله قبل اكثر من اسبوع الى رئيس الوزراء حسان دياب ووزير المال غازي وزني يتعلق بتوحيد الاجراءات والمعايير في المعاملات المصرفية وعمليات السحب ومعدلاتها كما بالاجراءات اللازمة لحماية المصارف من الدعاوى القضائية.
والغريب في الامر ان هذا الشق الحيوي والخطير من أزمة السيولة وأزمة العلاقات بين المصارف والمودعين كان محور الاجتماع المالي الذي عقده أمس في السرايا الرئيس دياب مع الوزراء المعنيين وسلامة، وقت كانت الاجراءات المتشددة الجديدة قد شقت طريقها الى التنفيذ مثيرة موجة غضب عارمة.
وقد خفّضت مصارف عدّة سقف السحوبات بالدولار بنسبة 50 في المئة بدءاً من مطلع الشهر الجاري، كما تبلغ مودعون الإثنين، في اجراء جديد على خلفية شح الدولار وأزمة اقتصادية هي الأسوأ منذ عقود.
وشدّدت المصارف منذ نهاية الصيف القيود التي تفرضها على عمليات السحب، خصوصاً بالدولار، والتحويلات إلى الخارج، ما زاد غضب المودعين الذين باتوا ينتظرون ساعات من أجل سحب مبلغ محدود، بينما بالكاد يلامس سقف السحب الشهري الألف دولار.
وأكدت ثلاثة مصارف على الأقل، تعدّ من الأبرز في لبنان، رداً على أسئلة “وكالة الصحافة الفرنسية”، أنها خفّضت سقف السحوبات الشهري منذ مطلع الشهر بنسبة 50 في المئة.
وبات السقف المسموح به في عدد من المصارف لا يتخطى 600 دولار من الودائع التي تقلّ عن 100 ألف دولار، أما من تتخطى قيمة حسابه المليون دولار فيمكنه سحب مبلغ يراوح بين ألفين وثلاثة آلاف دولار شهرياً بحسب المصرف.
ونشر مودعون على حساباتهم في مواقع التواصل الاجتماعي صور الرسائل التي تلقوها من مصارفهم، معربين عن امتعاضهم منها، وقت تغرق البلاد في أزمة اقتصادية تعدّ الأسوأ في تاريخها خسر معها عشرات الآلاف من اللبنانيين وظائفهم أو جزءاً من رواتبهم.
اما الاسوأ في هذا السياق، فتمثل في ان رزمة الاجراءات المتشددة الجديدة جاءت عقب اطلاق رئيس جمعية مصارف لبنان سليم صفير تصريحات كرر فيها “طمأنة المودعين الى ان ودائعهم محفوظة” قائلاً: “هدفنا الأول أن ندافع عن مصالح المودِع”. واكد أنه “لم يكن هناك يوماً مخاوف على المصارف في لبنان، كونها مؤتمنة على ثقة المودِعين بها، ونحن والمودِعون هدفنا الوطن ومساعدته، ونحن واحد”. وقال أن “السيولة موجودة، ولم يتغيّر شيء بالنسبة إلينا، إلا أننا نمرّ منذ ثلاثة أو أربعة أشهر في فترة صعبة تشهد تراجعاً في الثقة، ونحن قادرون حالياً على تحمّل صعوبة المرحلة لكن نتمنى أن تنتهي في أسرع وقت ممكن”.
استحقاق “الاوروبوندز”
وفي موازاة هذا الملف الخطير، أبلغت مصادر مطلعة على اجواء المشاورات المالية “النهار” ان موضوع استحقاقات “الاوروبوندز” لسنة 2020 والبالغة قيمتها 2,3 ملياري دولار كأول استحقاق لها في آذار المقبل بقيمة مليار و200 مليون دولار تتقدم الاهتمامات الحكومية وأن التأخير في بت هذا الموضوع واتخاذ القرار في شأنه يعود الى عدم توصل الافرقاء المعنيين في الحكومة الى التوافق على الخيار الواجب اعتماده. وعلم ان هناك خيارين يتنازعان أهل السلطة، وتحديداً فريق رئيس الجمهورية وفريق رئيس الوزراء ، اذ يرى الفريق الاول اعتماد خيار عدم دفع استحقاقات الدين المصدرة بسندات، والذهاب الى عملية اعادة هيكلته من خلال خطة منظمة، واللجوء الى صندوق النقد الدولي طلبا لبرنامج. أما الفريق الثاني، فيرى بأن يدفع المصرف المركزي استحقاقات 2020 من احتياطه بالعملات الاجنبية، على ان يطلب من المصارف الاكتتاب بسندات جديدة تصدرها وزارة المال من فارق الاموال التي سددها لها، باعتبار ان هناك نحو 1,3 مليار دولار تستحق لحملة سندات اجانب. وتعكف الاجتماعات المالية المتتالية على درس هذه الايجابيات والسلبيات من أجل ان يأتي القرار بأقل الاضرار الممكنة على المالية العامة وعلى سمعة لبنان المالية.
أما في ما يتعلق بالبيان الوزاري، فصرحت وزيرة الإعلام منال عبد الصمد نجد بعد اجتماع طويل للجنة صياغته أمس بأنه “تم تحديد الخميس موعداً لانعقاد مجلس الوزراء بهدف إقرار البيان بصيغته النهائية وإحالته على مجلس النواب لنيل الثقة”.
وقالت: “لا نتبنى أي مسودة تم تسريبها، ومسار البيان هو التركيز على القضايا المعيشية والاقتصادية والمالية الضاغطة التي تشكل هاجساً عند المواطن، وهذا كان فحوى مناقشات اللجنة”.
واوضحت انه “لا يوجد أي تعديل ضريبي ولكن هناك اصلاحات ضريبية ونقدية”.
وأضافت: “نطرح أفكارنا بكل جدية، ولدينا إيمان بضرورة تطبيقها، والخيار يعود الى مجلس النواب بإعطاء الثقة”.
وقال وزير الصناعة عماد حب الله إن “ما سرّب من مسودّة للبيان الوزاري يختلف عما تم الاتفاق عليه”.
وقال وزير السياحة والشؤون الاجتماعية رمزي مشرفية انه وضعت بعض اللمسات على البيان الوزاري، وان الفقرة السياسية لم تتغير والتعديلات ليست جوهرية، كاشفاً أن “الاجراءات الضريبية والرقابية ستطال من كان يعفى ويتهرب من الضرائب”.
لغم الكهرباء
الى ذلك، علمت “النهار” ان أكثر من أبدى ابدوا ملاحظات على خطة الكهرباء الواردة في البيان الوزاري معتبرين انها الخطة التي وضعها الوزير السابق جبران باسيل. وأعلن وزراء خلال مناقشات لجنة البيان الوزاري انهم يعارضون هذه الخطة خصوصا انه سبق لفرنسا راعية مؤتمر “سيدر” ان حذرت مرات عدة من ان عدم تحقيق اصلاحات حقيقية في قطاع الكهرباء سيهدد مقررات “سيدر”. وتشير جهات معارضة للحكومة في هذا الصدد الى ان البيان الوزاري يتضمن نقاطا ذكية، ولكن موضوع الكهرباء يشكل احد الالغام الاساسية فيه.
********************************************
افتتاحية صحيفة نداء الوطن
“الثورة” في قبضة السلطة… توقيف وتعنيف على ذمّة التحقيق
الحكومة تُسدّد اليوروبوند… تمويل الإفلاس من “كيس الناس”
“من أين لك هذا”؟… سؤال من الموجب توجيهه ليس فقط إلى أثرياء الحرب ولا إلى متموّلين مشتبه في مصادر ثرواتهم، بل إلى دولة مفلسة مُعدمة تكاد خزائنها تصدأ من شح المال العام وندرة العملة الصعبة ويقف شعبها في طوابير الذل عند المصارف ويتندّر مواطنوها على ورقة نقدية من فئة المئة دولار في الجيب، ورغم ذلك يقرر القيّمون على حكومة إدارة التفليسة سداد مستحقات خارجية بقيمة 2,5 مليار دولار! هي سياسة الكيل بمكيالين، مكيال حبس بيت المال عن الناس بحجة الأزمة الاقتصادية والمالية حيث تسود سياسة “السلبطة” على أموال المودعين وحرمان المواطنين وقطاعاتهم الحيوية من دعم الدولة للاحتياجات الحياتية ولاستيراد المواد الأولية، ومكيال آخر يغرف الدولارات “من كيس الناس” لتمويل إفلاس الطبقة الحاكمة وتمويه صورتها الحقيقية أمام مرآة المجتمع الدولي على قاعدة “من برّا هلله هلله ومن جوا يعلم الله”.
إذاً، آثرت حكومة حسان دياب “استرضاء الخارج واستغباء الداخل” في القرار الذي اتخذته اللجنة الاقتصادية خلال اجتماعها أمس في السراي الحكومي بحضور حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، والذي قضى حسبما كشفت مصادر المجتمعين لـ”نداء الوطن” بأن تسدد الدولة اللبنانية الاستحقاقات المالية المقبلة عليها وتحديداً سندات اليوروبوندز التي ستستحق تباعاً في أشهر آذار ونيسان وحزيران 2020 بقيمة إجمالية تبلغ مليارين ونصف المليار دولار.
وأوضحت المصادر أنّ المجتمعين وبعد استعراض الأفكار المطروحة حيال هذا الموضوع ومن بينها الرأي القائل بطلب تأجيل موعد السداد، قرروا في نهاية المطاف الإلتزام بتواريخ الاستحقاقات الخارجية “لكي لا تدمغ صورة لبنان بصبغة البلد المفلس بشكل ينعكس سلباً على أي مشاريع تعاون دولية مستقبلية في حال التخلّف عن السداد”.
أما في جديد موضوع البيان الوزاري الذي سيقره مجلس الوزراء بعد غد الخميس، فقد أنجزت حكومة دياب المسودة النهائية للبيان أمس بعدما استدركت تسريبة “جسّ النبض” أول من أمس فسارعت إلى التنصل من الصيغة التي عمّمتها الأوساط الحكومية على وسائل الإعلام غداة ردود الفعل التي أجمعت على كونها صيغة مخيّبة لآمال المواطنين، بينما نقلت مصادر وثيقة الإطلاع على كواليس التحضير لإعداد البيان الوزاري أجواء “تخبط” تسود في أروقة الفريق الحكومي معطوفة على تلمّس بوادر تقاذف “كرة النار” بين وزارة المال والجهات المالية الرسمية لا سيما حاكمية مصرف لبنان حيال المسؤوليات والآليات في عملية الإنقاذ النقدي والمالي للبلاد، في وقت كشفت المصادر على المستوى الوزاري عن إشكالية حصلت خلال مرحلة إعداد مسودة البيان الوزاري وتمحورت حول تسجيل وزير الاتصالات طلال حواط استياءه من طريقة التعاطي معه من قبل الوزراء المحسوبين على “التيار الوطني الحر” بحيث فوجئ أنهم عمدوا إلى نسف الدراسة التي كان قد أعدها لوزارته الأمر الذي أثار غضبه ودفعه إلى التهديد بالانسحاب من لجنة صياغة البيان ليصار بعدها إلى استرضائه وإعادة الاعتبار لدراسته خشية تضعضع صورة التضامن الوزاري عشية نيل الحكومة الثقة.
أما عن جلسة الثقة البرلمانية، فرجحت مصادر عين التينة لـ”نداء الوطن” أن يحدد رئيس مجلس النواب نبيه بري موعد انعقادها الثلثاء أو الأربعاء من الأسبوع المقبل، مؤكدةً أنّ بري لن يحوّل الجلسة إلى تشريعية بل سيحصرها بانعقاد جلسة الثقة نظراً لكونه ينتظر إقرار عدد من المشاريع في اللجان المشتركة، كما أنه يترقب إنجاز مشروع “استقلالية القضاء” في لجنة الإدارة والعدل التي ستعقد جلسة لها اليوم، تمهيداً للتأسيس لانعقاد جلسة تشريعية بجدول أعمال “دسم”.
وفي الغضون، لفتت الانتباه خلال الساعات الأخيرة إحصائيات صادرة عن لجنة محامي الدفاع عن المتظاهرين والتي بيّنت بالأرقام أنّ السلطة تتعاطى مع هذا الملف انطلاقاً من سعيها إلى تدجين الثورة عبر تجريم الثوار، إذ أظهرت هذه الإحصائيات أنّ عدد الموقوفين في صفوف المتظاهرين بين 17 تشرين الأول 2019 و31 كانون الثاني 2020 بلغ 906 من ضمنهم 49 قاصراً و17 إمرأة، مع توثيق 194 موقوفاً تعرضوا للعنف أثناء فترة توقيفهم من أصل 546 متظاهراً تعرضوا للعنف سواءً في ساحات التظاهر أو في أماكن احتجازهم. وأمس شهد محيط قصر العدل في بعبدا وقفة احتجاجية بالتزامن مع الملاحقات والاستدعاءات القضائية التي تطال عدداً من الناشطين، الذين جرى إطلاق بعضهم والادعاء على البعض آخر بتهمة “قطع الطرق”.
********************************************
افتتاحية صحيفة الجمهورية
“الجمهورية”: “عقوبات” جديدة من المصارف .. ولغم الكهرباء ينفجر في البيان الوزاري
بعدما ضحّت العقلية السياسية بالبلد، وألقت به في قعر أزمة لا مخرج لها، تأتي العقلية المصرفية الحاكمة لهذا القطاع، لتقضي على البقية الباقية منه، مطمئنة الى أن ليس في هذه السلطة الحاكمة من يردعها أو يضربها على يدها.
كان المعروف عن المصارف أنها عنوان من عناوين الاستقرار والانتعاش في لبنان، فإذا بها، وعلى أعين المتربِّعين على كراسي المسؤولية المحلّقين في عالم آخر، تكشف عن وجه بَشع، وتقدّم نفسها عن سابق تصوّر وتصميم، عامل إخلال بهذا الاستقرار، عبر خطوات متتالية في سياق عملية سطو بالتدريج على أموال المودعين ورواتب الموظفين، تقود عن قصد أو غير قصد الى انفجار اجتماعي أخطر بكثير من الانفجار الأمني.
كان المواطن ينتظر تسهيلات مصرفية إضافية، قيل إنها ستتخذ لخدمة المودع، الّا انه اصطدم بمزيد من «التضييقات» والاجراءات العقابية التي تكبّل الودائع، وتضيفها الى الاكوام من العملات الصعبة في خزائنها، وتتعاطى مع صاحب الوديعة كمتسوّل لوديعته ولماله الحلال الذي يحرم منه بالحرام، ولا ينال منه سوى بضع قطرات لا تُغني ولا تُسمن. ولعل المشهد الذي تجلى بالأمس في بعض المصارف، يعبّر بشكل واضح عن هول الجريمة التي ترتكب بحق المواطن، والتي يبدو أنها ستتفاقم طالما انّ العقل المصرفي متفلّت بلا رقيب أو حسيب.
مع انطلاق اللجنة الوزارية في صياغة البيان الوزاري للحكومة، أحاط الطرف الحكومي مهمتها بهالة كبرى من التوقعات الايجابية حول انها ستعدّ بياناً نوعياً مختلفاً عن كل البيانات السابقة، يحاكي الأزمة الخانقة التي يعيشها البلد، ويحاكي أيضاً وجع الناس ومطالب الحراك الشعبي بتغيير الذهنية الحاكمة التي تسبّبت بالأزمة، ويضع البلد على سكة الانفراج. لكن سرعان ما تلاشَت هذه الهالة، لتنطبق على مسودة البيان الوزاري، الذي انتهت اليه اللجنة، المقولة الشعبية: تمخّض الجبل فولد فأرة.
هذه المسودة، التي تَحَدّد موعد لإقرارها في جلسة مجلس الوزراء في بعبدا الخميس المقبل، وإن كانت قد حاولت في بعض مفاصلها ان تحاكي الحراك الشعبي وتدغدغ مشاعره بجمل إنشائية، تعبّر من خلالها عن تبنّي حكومة حسان دياب لمطالب الحراك وتؤكد على أحقية الشكوى التي رفعها جرّاء الأزمة، الّا انّها في المقابل، لم تقدّم فعلياً سوى وعود جديدة، لم تخرج عن سياق وعود البيانات الوزارية السابقة، التي ثبت في الوجه الملموس انّ مضامينها كانت أقل ثمناً من كلفة الحبر الذي كتبت فيه.
مسودة ملغومة
على انّ اللافت للانتباه في المسودة الجديدة، انّ تقييمها يختلف حتى بين أعضاء اللجنة الوزارية التي صاغتها، ففيما اعتبرتها مصادر وزارية «انها مسودة مهمة بمضمون ذكي يحاكي الأزمة والحراك بما يتطلبانه»، اعتبرتها مصادر أخرى بأنها مسودة «ملغومة» وخصوصاً في الشق المتعلق بالكهرباء، حيث أبقَت القديم على قدمه في هذا الشق، والذي كان موضع شكوى واعتراض من قبل غالبية القوى والمكونات السياسية. وأقرّت المصادر بأنّ التمسّك بهذا القديم، جاء نتيجة مباشرة لضغط سياسي من قبل أطراف معنية بقطاع الكهرباء أصرّت على خطة الكهرباء كما هي في السابق».
تقييم سلبي
وعلمت «الجمهورية» انّ المسودة خضعت في الساعات الـ24 الماضية، لقراءات معمّقة من قبل قوى ومراجع سياسية معنية بالحكومة، وخلاصة تقييمها لم تكن مريحة. وعلى ما قال أحد المسؤولين لـ«الجمهورية»: «لقد انتظرنا بياناً وزارياً بحجم المرحلة، لكننا لم نرَ مثل هذا البيان، مع انّ فيه بعض الامور الجيدة، إنما هي محدودة، كنّا افترضنا انّ البعض تعلّم من التجربة واستفاد من مرارة الأزمة، فتبيّن انّ افتراضنا في غير محلّه، وخصوصاً بعدما قرأنا الشق المتعلق بالكهرباء، فإذا تمّ اعتماد النص الكهربائي كما هو في البيان الوزاري، فهذا معناه انّ الحكومة أعطت لنفسها نقطة سلبية مسبقة، ومكلفة لها».
لا ثقة
وفيما قال النائب مروان حمادة لـ«الجمهورية»: انّ الشق المتعلق بخطة الكهرباء فضيحة بحد ذاته، ويبدو جليّاً انّ من صَاغه هو جبران باسيل»، أكدت مصادر اشتراكية لـ«الجمهورية»: انّ نقطة الخلل الاساس في هذا الامر هو الاصرار كما هو واضح في مسودّة البيان الوزاري، على تغليب القانون وتعديله مسبقاً، وعلى تعيين الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء. وهذا الاصرار غير مبرر وغير مفهوم، خصوصاً انّ «سيدر» تحديداً، مرتبط في جانبه الاساسي بتعيين الهيئة الناظمة. والمسؤول عن «سيدر» السفير بيار دوكان أكّد اكثر من مرة للمسؤولين اللبنانيين انه لا «سيدر» من دون تعيين الهيئات الناظمة وأولها الكهرباء، ومعها الطيران المدني والاتصالات. وفي أي حال وأيّاً كان شكل البيان، فكتلة اللقاء الديموقراطي ستصوّت بحجب الثقة عن الحكومة.
بصمات النهج القديم
وفيما أكدت مصادر «القوات اللبنانية» انها لن تقدّم موقفاً من البيان الوزاري قبل وَضعه بصورته النهائية، وليس بناء على مسودة مسرّبة، من غير المستبعد ان يكون تسريبها متعمَّداً لقياس ردود الفعل عليها لسد الثغرات العديدة فيها، قالت مصادر معارضة لـ«الجمهورية»: بمجرّد تصفّح مسودة البيان الوزاري، يتأكد انّ بصمات النهج القديم ما زالت موجودة في البيان الوزاري، ولاسيما في ما يتعلق بالطاقة. سواء بالقانون وتأخير تعيين الهيئة الناظمة، الى جانب انّ مناقصة محطات التغويز، التي تشوبها شوائب كثيرة، ونتائجها تبيّن انّ المواصفات الاساسية لم تتضمن حلاً منطقياً مختصّة بما يتعلق بالحجم والكلفة الضخمة للأنابيب البرية، حيث تتوجب إعادة النظر في كل التصاميم. ومن العروض التي قدّمت، يبدو جلياً انّ الشركات غير مهتمة بتطبيق الحلول كا طرحت من وزارة الطاقة.
ولفتت المصادر الى انه «لا يمكننا ان نعطي الثقة لحكومة تمرر أمراً كهذا في بيانها الوزاري مُستندة على الأخطاء عينها التي حصلت في السابق. وكان من الأجدى لهذه الحكومة ان تراجع الموضوع، او ان يكون فيها ما يكفي من الاستقلالية في الخبرة لتكتشف الأخطاء الكبرى السابقة.
لبنان القوي
وفيما نوّهت مصادر تكتل لبنان القوي لـ«الجمهورية» بأهمية النص المتعلق بالكهرباء، لفتت الى انّ مسودة البيان الوزاري تحدّد في هذا المجال، المسار المؤدي الى إنقاذ هذا القطاع. كشفت مصادر سياسية لـ«الجمهورية» انّ خطة الكهرباء (المُشار إليها في مسودة البيان الوزاري) تحظى بدعم رئاسي كلي، وتشكّل هدفاً لا بد من تحقيقه الى جانب مشاريع كبرى اخرى، كالسدود والاوتوسترادات. وعندما يطرح السؤال من أين ستتوفر الاموال لإقامة مثل هذه المشاريع؟ يأتي الجواب: «بالتأكيد ستأتي الأموال»، ولكن من دون ان تتحدد مصادرها؟!
وُضِع لينفّذ!
في السياق ذاته، دافع مصدر حكومي عن البيان، واعتبره بياناً قابلاً للتطبيق وليس للاستهلاك، مشيراً الى انه لم يتم وضعه بهذه الدقة ووفق مهل محددة كي يبقى حبراً على ورق، وإنما ليجري تنفيذه استناداً الى خطة محددة.
وشدّد المصدر على انّ المطلوب هو ان يتحسّس الجميع بمسؤولياتهم الوطنية في هذه المرحلة، بحيث لا يعمد أحد الى وضع العصي في دواليب البيان الوزاري لعرقلة تنفيذه، لأننا لم نعد نملك ترف الوقت ولا تجوز إضاعة الفرصة الموجودة للانقاذ انطلاقاً من حسابات او مصالح ضيقة.
خريطة طريق
الى ذلك، علمت «الجمهورية» انّ فريقاً من اقتصاد ومال عاملين في مؤسسات مالية دولية، وهو يتألف من لبنانيين يتبوأون مراكز مهمة في تلك المؤسسات، قد حضر الى لبنان في الايام الاخيرة، والتقى لجنة فرعية منبثقة عن لجنة المال والموازنة النيابية، وزار رئيس التيار الوطني الحر الوزير جبران باسيل، وكذلك رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع في معراب.
وبحسب المعلومات فإنّ هذا الفريق، الذي حضر الى لبنان تطوّعاً، والهدف من حضوره هو تنبيه المسؤولين اللبنانيين الى انّ الأزمة في لبنان بلغت مراحل شديدة الخطورة والسلبية، أكد خلال اللقاءات التي أجراها انّ عمق الازمة يتطلب خطوات نوعية وعاجلة، وانّ المطلوب وبإلحاح من الحكومة اللبنانية الجديدة، هو ألّا تتسرّع في اخذ القرارات بالامور الكبيرة.
ورسم الفريق خريطة طريق للخروج من الأزمة، تنطلق أولاً من إدراك كلي لحجمها. وبالتالي، ان تكون مقاربتها علمية لا شخصانية ولا عشوائية، بل بناء على دراسات واضحة وجدية. وهذا يتطلب ان تبادر الحكومة، وفور نيلها ثقة مجلس النواب، الى تكليف فريق عمل من قانونيين وخبراء دوليين في علم الاقتصاد والمال، ولديهم تجربة في حالات مشابهة للتي يمرّ بها لبنان، ويطلب منه الاجابة عن كل الاسئلة الموجودة لدى اللبنانيين حول كيفية الخروج من الازمة، ويخلص الى وضع خريطة طريق للمعالجة، وفق الاولويات التي يحددها.
جابر
وقال النائب ياسين جابر لـ«الجمهورية»: «إذا لم تتم معالجة الازمة سريعاً وبشكل علمي وصحيح ومدروس، فإننا سنصل الى وضع كارثي، والى انفجار اجتماعي، أخطر من الانفجار الامني».
اضاف: «في نهاية المطاف البيان الوزاري هو إعلان نوايا. ولكن إذا لم تقترن هذه النوايا بخطط مفصّلة للمعالجة، فإنّ هذا البيان لن يكون مختلفاً عن كل البيانات الوزارية السابقة».
ولفت جابر الى «انّ الظروف التي يأتي فيها البيان الوزاري، والحكومة ايضاً، لا تشبه اي ظروف سابقة. فالحكومة آتية على إنقاذ أزمة اقتصادية لم يسبق لها مثيل في لبنان. ففي العالم دول تعاني أزمة مصرفية، ودول اخرى تعاني أزمة نقدية وانهيار عملة، ودول تعاني أزمة مالية «تَنضَرب» ماليتها، وهناك دول تعاني ازمة اقتصادية. أمّا لبنان فيعاني كل هذه الازمات مجتمعة في وقت واحد، والمشكلة الكبرى بالنسبة الينا انّ هناك دولاً مثل اليونان وقبرص وغيرهما تعرضت لأزمات، لكن حصل احتضان لها من الاتحاد الاوروبي وغيره. أمّا لبنان، الذي يعاني ازمة رباعية الابعاد، فلا يبدو انّ احداً يحضنه، وهذا معناه انّ علينا ان نتّكِل على قدراتنا الذاتية للخروج من الازمة، ووضع خريطة طريق للعلاج، وبالتالي تكوين تفاهم سياسي وإرادة سياسية موحدة لتطبيقها».
ورداً على سؤال حول سندات اليوروبوند، قال جابر: المطلوب بالدرجة الاولى هو عدم التسرّع في اتخاذ القرارات، او إطلاق المواقف، بل ان تتم الاستعانة بخبراء دوليين وشركات ذات خبرة في هذا المجال، واستشارتهم، على ان تتحدّد الخطوة التي ينبغي القيام بها من قبل لبنان، في ضوء ما ينصحون به.
ولفت جابر الى انه في هذه المسألة يجب ان تراعى مصلحة البلد فقط، وبالتالي في إمكان لبنان ان يؤجّل دفعها بالاتفاق مع الدائنين، أسوة بعشرات الدول التي قامت بهذا الامر.
ورداً على سؤال، قال: أعتقد انّ اي خبراء ماليين وقانونيين ومصرفيين، إذا تمّت استشارتهم، فسينصحون قبل كل شيء بعدم دفع السندات، والتفاهم مع الدائنين على تأجيل سدادها. لأنّ لبنان في ضوء الاحتياطات الموجودة لديه لا يستطيع ان يتعامل مع هذه المسألة بشكل عشوائي وشخصاني.
إجتماع مالي
وبينما كان قانون الموازنة للعام 2020 يسلك طريقه الى النشر في الجريدة الرسمية بعد توقيع رئيس المجلس النيابي نبيه بري ورئيس الحكومة حسان دياب عليه، علماً أنه كان قد أحيل الى رئيس الجمهورية العماد ميشال عون لتوقيعه ونشره، كان رئيس الحكومة يترأس اجتماعاً مالياً في حضور عدد من الوزراء وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة.
وعلمت «الجمهورية» انّ البحث يجري على قدم وساق لإعلان القرار بشأن عملية تسديد سندات لبنان السيادية الأجنبية اليوروبوند وقيمتها 2,5 مليار دولار موزّعة بين 1,200 مليار تستحق في 6 آذار المقبل و600 مليون دولار في شهر نيسان و700 مليون دولار في حزيران.
وأفادت مصادر مالية متابعة لـ«الجمهورية» انّ رئيس الحكومة حسان دياب يصرّ على دفعها في مواعيدها، فهو أولاً لا يريد أن يستهِلّ عهده بتخلف عن سداد الديون، وثانياً هو يتجنّب إعطاء أي اشارة سلبية للمجتمع الدولي الذي يناشده لبنان لمساعدته مالياً بتصنيف سلبي SDD وهو التخلف عن سداد الديون، وقد وعد حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بأن يخرج بحل خلال الـ24 ساعة المقبلة، والاتجاه هو لتسديد الدين أقلّه الثلث المستحق للخارج، ويجري مفاوضات مع المصارف لدراسة عدة خيارات من بينها احتمال إجراء عملية swap، خصوصاً انّ الرأي جَنح الى الدفع ضمن خطة لتأمين استمرار المستحقات الأخرى من كهرباء ودواء.
********************************************
افتتاحية صحيفة الشرق الأوسط
لبنان: الانتهاء من صياغة البيان الوزاري ولا تغيير في بند «المقاومة»
إجراءات ضريبية ورقابية تطال «المتهربين» من دفع الضرائب
أنهت اللجنة الوزارية أمس، في اجتماعها التاسع، صياغة البيان الوزاري، على أن يعقد مجلس الوزراء هذا الأسبوع جلسة لبحثه تمهيداً لإحالته إلى البرلمان، حيث من المتوقع أن تحدد الأسبوع المقبل جلسة مخصصة لمنح الثقة للحكومة.
وبعدما كان قد سرّب يوم أمس مسودة للبيان الوزاري ولاقى انتقادات لجهة خلوه من إجراءات محددة حيال الأزمة المالية والنقدية رغم تحديده مهل تنفيذ بعضها في فترات تتراوح بين مائة يوم وثلاث سنوات، قال وزير الصناعة عماد حب الله بعد خروجه من اجتماع اللجنة مساء إن «ما سرّب من مسودّة للبيان الوزاري يختلف عما تم الاتفاق عليه اليوم».
وأعلنت وزيرة الإعلام منال عبد الصمد، بعد انتهاء الجلسة، أنه تم تحديد نهار الخميس المقبل لانعقاد جلسة للمجلس الوزاري لإقرار البيان الوزاري بصيغته النهائية. ولفتت إلى أن «الخطط التي ألحقت بالبيان الوزاري هي عبارة عن خطط لـ100 يوم وسنة و3 سنوات، ولا نتبنى أي مسودة تم تسريبها»، لكنها أكدت أن «البيان الوزاري يلحظ إصلاحات ضريبية».
من جهته قال وزير السياحة والشؤون الاجتماعية رمزي مشرفية بعد الاجتماع إنه تم وضع بعض اللمسات على البيان الوزاري. وأوضح أن الفقرة السياسية لم تتغير والتعديلات ليست جوهرية، كاشفاً أن «الإجراءات الضريبية والرقابية ستطال من كان يعفى ويتهرب من (دفع) الضرائب».
ووفق المسودة التي سُربت، نص البيان على ضرورة ابتعاد لبنان عن الصراعات الخارجية، والالتزام باحترام ميثاق جامعة الدول العربية، مع اعتماد سياسة خارجية مستقلة تقوم على مصلحة لبنان العليا واحترام القانون الدولي حفاظاً على استقراره.
وفي البند المتعلق بالمقاومة ضد إسرائيل اعتمدت صيغة بيان الحكومة السابقة، حيث نص على «أنه في الصراع مع العدو الإسرائيلي فلن ندخر جهدا ولن نوفر مقاومة في سبيل تحرير ما تبقى من أراض لبنانية… مع التأكيد على الحق للمواطنات والمواطنين اللبنانيين في المقاومة للاحتلال ورد اعتداءاته».
وقبل اجتماع اللجنة الوزارية، ترأس رئيس الحكومة حسان دياب اجتماعاً مالياً حضره وزراء: البيئة وشؤون التنمية الإدارية دميانوس قطار، والمال غازي وزني، والصناعة عماد حب الله والاقتصاد راؤول نعمة، وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة. ولدى مغادرته الاجتماع، رفض سلامة الإجابة عن سؤال عما إذا كان هناك نية لقوننة الإجراءات المصرفية التي تقوم بها المصارف بناء على ما تسرّب من محضر الاجتماع بين حاكم مصرف لبنان وجمعية المصارف، قائلاً: «اسألوا وزير المالية». عندها قال الصحافيون: «سألنا وزير المالية وقال لنا: اسألوا الحاكم»، فرد سلامة: «حتى هذه (المسألة) يريد رميها عليّ».
في غضون ذلك، أشارت وكالة الصحافة الفرنسية إلى أن مصارف لبنانية عدّة خفّضت سقف السحوبات بالدولار بنسبة خمسين في المائة بدءاً من مطلع الشهر الحالي، وفق ما تبلغ مودعون الاثنين، في إجراء جديد على خلفية شح الدولار وأزمة اقتصادية هي الأسوأ منذ عقود.
وشدّدت المصارف منذ نهاية الصيف القيود التي تفرضها على عمليات السحب، خصوصاً بالدولار، والتحويلات إلى الخارج، ما فاقم غضب المودعين الذين باتوا ينتظرون ساعات من أجل سحب مبلغ محدود، في وقت بالكاد يلامس سقف السحب الشهري الألف دولار، بحسب الوكالة الفرنسية. وأكدت ثلاثة مصارف على الأقل، تعدّ من الأبرز في لبنان، رداً على أسئلة وكالة الصحافة الفرنسية، أمس، أنها خفّضت سقف السحوبات الشهري منذ مطلع الشهر بنسبة خمسين في المائة. وبات السقف المسموح به في عدد من المصارف لا يتخطى 600 دولار من الودائع التي تقلّ عن 100 ألف دولار، أما من تتخطى قيمة حسابه المليون دولار فيمكنه سحب مبلغ يتراوح بين ألفين وثلاثة آلاف دولار شهرياً بحسب المصرف.
ونشر مودعون على حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي صور الرسائل التي تلقوها من مصارفهم، معربين عن امتعاضهم منها، في وقت تغرق البلاد في أزمة اقتصادية تعدّ الأسوأ في تاريخ البلاد خسر معها عشرات الآلاف من اللبنانيين وظائفهم أو جزءاً من رواتبهم.
وشهد لبنان منذ 17 أكتوبر (تشرين الأول) مظاهرات غير مسبوقة ضد الطبقة السياسية التي يتهمها اللبنانيون بالفشل في إدارة الأزمات السياسية والاقتصادية المتلاحقة. وأدت المظاهرات إلى استقالة الحكومة السابقة، وتشكيل حكومة جديدة الشهر الماضي برئاسة حسان دياب، تراجعت على أثرها وتيرة التظاهر.
وتضع الحكومة لمساتها الأخيرة على بيانها الوزاري، الذي يفترض أن يجسّد رؤيتها لإدارة المرحلة المقبلة، ويُفترض أن تنال على أساسه ثقة البرلمان، قبل مباشرة عملها.
ويرى متظاهرون ومحللون في الإجراءات عملية «اقتطاع» من الودائع بحكم الأمر الواقع، كونها ترغم المودعين على التعامل بالليرة، التي لا يزال سعر صرفها الرسمي مقابل الدولار مثبتاً على 1507، بينما تخطى في السوق الموازية عتبة الألفين، بحسب ما أشار تقرير الوكالة الفرنسية. ورغم نفي المصرف المركزي والمصارف أي توجه في هذا الإطار، وطمأنتها أن الودائع بخير، فإنّ الممارسات تظهر العكس وتثير غضب الشارع. وطالب حاكم المصرف المركزي رياض سلامة الشهر الماضي في رسالة وجّهها إلى وزارة المالية بمنحه صلاحيات «استثنائية» لتنظيم الإجراءات المصرفية ومنحها الغطاء القانوني.
وأشارت الوكالة الفرنسية إلى أن لبنان يشهد انهياراً اقتصادياً متسارعاً وسط شح في السيولة ومخاوف من عدم تمكنه قريباً من سداد جزء من الدين العام المتراكم، مع تراجع الثقة أكثر وأكثر في قطاعه المصرفي، الذي كان يُعد يوماً العمود الفقري للاقتصاد المحلي ودعامة للنظام المالي، الذي يقترب من الإفلاس.
********************************************
افتتاحية صحيفة اللواء
رعاية أميركية للإنهيار.. والمصارف تخفض السحوبات!
خلاف بين المركزي والمالية يطيح بالتعميم.. وكباش في جلسة الثقة الثلاثاء المقبل
استبقت المصارف بيان النوايا المعروف بالبيان الوزاري لحكومة الرئيس حسان دياب حول تصورها لإدارة كتلة الأزمات، التي تجمعت واطاحت بالثقة بالطبقة السياسية، وهددت جدياً أموال المودعين، فعمدت في إجراءات كان ينتظرها خلافها، إلى خفض سقف السحوبات بالدولار بنسبة النصف (50٪)، بدءاً من يوم أمس، في إشارة تقتل الأمل بالحكومة الجديدة فلا حاجة بعد، لا للانتظار، أو إعطاء فرص، ما دام «ميّة» الواقع المالي، المتراجع، يكذب «غطاس» الحكومة، سواء أكان نقدياً أو مالياً أو اقتصادياً.
مع تأكيد ثلاثة مصارف كبرى على الأقل، رداً على أسئلة وكالة فرانس برس، أنها خفّضت سقف السحوبات الشهري منذ مطلع الشهر بنسبة خمسين في المئة. وبات السقف المسموح به في عدد من المصارف لا يتخطى 600 دولار من الودائع التي تقلّ عن 100 ألف دولار، أما من تتخطى قيمة حسابه المليون دولار فيمكنه سحب مبلغ يتراوح بين ألفين وثلاثة آلاف دولار شهرياً بحسب المصرف.
ونشر مودعون على حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي صور الرسائل التي تلقوها من مصارفهم، معربين عن امتعاضهم منها، بسبب كلام لمساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط ديفيد شينكر، يُشير فيه إلى ان الاقتصاد اللبناني أسوأ مما يظن البعض، وان الاحتياطات من العملات الأجنبية دون ما هو حاصل فعلاً، عشية ما تردّد عن زيارة له إلى لبنان بعد نيل الحكومة الثقة..
وعلمت «اللواء» ان شينكر يحمل معه لائحة من المطالب والشروط التي وصفت بالصعبة..
كما علمت «اللواء» أن بعثة عسكرية أميركية ستصل إلى بيروت في آذار للبحث في المساعدات الممكنة للجيش اللبناني.
وسط ذلك، أنهت اللجنة الوزارية المكلفة صياغة البيان الوزاري الصياغة النهائية مساء أمس في السراي الكبير.
واشارت مصادر وزارية لـ«اللواء» ان البيان الوزاري لحكومة الرئيس حسان دياب الذي اخضع لدراسة مكثفة ولا سيما في الشق الأقتصادي سيسلك طريقه الى مجلس الوزراء لأقراره هذا الخميس من دون ادخال اي تعديل بإستثناء ما يتصل بتعابير لغوية معينة.
ولفتت المصادر الى ان هناك تشديدا على مسألتي الأصلاحات ومكافحة الفساد وكيفية وامكانية تنفيذ الأجراءات التي تحد من الهدر في عدد من القطاعات واللجوء الى لجم المصاريف التي لا لزوم لها معتبرة ان العبرة تبقى في التنفيذ.
وافادت ان هناك مواكبة للبيان الوزاري والتزاما بمسألة التهرب الضريبي وتعزيز الأجراءات التي من شأنها ضبط التهريب وفرض تطبيق القوانين.
واعتبرت المصادر ان العودة الى خطة ماكينزي مسألة مبتوت بها لكن لا بد من معرفة هامش الوقت والمتغيرات منذ اقرارها في الحكومة السابقة.
واشارت الى ان الخطط المتصلة بالكهرباء وغيرها من القطاعات هي التي قد تتأثر بفعل التطورات التي حصلت لكن الخطة القديمة لا تزال سارية المفعول وانطلاقا من البنود التي اقرت في الخطة.
والبارز ان التعميم المنتظر من حاكم مصرف لبنان رياض سلامة اطاحت به اعتراضات جمعية المصارف، والخلاف مع وزير المال غازي وزني، والذي عبر عنه بطريقة غير مباشرة بعد اجتماعه معه صباحاً في السراي الكبير..
والهاجس الأساسي للحكومة من ضمن اجراءاتها إعادة هيكلة الدين العام.
وكشفت مصادر وزارية لـ«اللواء» ان هكيلية الدين العام تصطدم بمعارضة قوية للمصارف.
ومن الإجراءات المؤلمة أو الموجعة عدا فرض الرسوم والضرائب، رفع ضريبة الـT.V.A إلى 15٪ وزيادة 5 آلاف ليرة على سعر صفيحة البنزين.
«كباش» جلسة الثقة
وبحسب التوقعات، فإن جلسة الثقة بالحكومة الجديدة، ستكون يوم الثلاثاء المقبل في 11 شباط الحالي، وفق ما اشارت إليه «اللواء» أمس، بعدما أنهت اللجنة الوزارية المكلفة صوغ البيان الوزاري، مهمتها في اجتماع ماراتوني استغرق قرابة الست ساعات، أمس، أجرت خلاله قراءة نهائية للبيان، في ضوء ملاحظات الوزراء من غير أعضاء اللجنة على المسودة التي تمّ توزيعها عليهم، ونشرت كاملة في الصحف.
وتقرر في ضوء اتصال جرى بين الرئيسين ميشال عون وحسان دياب ان يعقد مجلس الوزراء جلسة يوم الخميس المقبل لإقرار البيان بصيغته النهائية واحالته إلى مجلس النواب لطلب الثقة، فيما سيُصار توزيع البيان على النواب ضمن المهلة القانونية أي 48 ساعة قبل موعد الجلسة.
ومن الآن وحتى موعد الجلسة النيابية، ينشد الاهتمام إلى هذه الجلسة لاعتبارات تختلف عن الاعتبارات التي رافقت جلسة إقرار الموازنة، حيث بالكاد تمّ تأمين النصاب القانوني لها، بعد اتصالات حثيثة ومساومات.
وتفيد كل التوقعات ان الجلسة ستكون صاخبة، سواء من حيث الحضور، حيث قررت معظم الكتل النيابية الكبيرة، سواء الموالية أو المعارضة، حضور الجلسة، أو لناحية النقاشات قبل التصويت على الثقة، والتي لن تتجاوز نصف عدد النواب، ولكن كل هذه التوقعات، ستكون رهن «الكباش» الذي سيكون الشارع ميدانه الأساسي بين الحراك الشعبي الذي يرفض إعطاء الثقة للحكومة، ولا يرى فيها سوى حكومة محاصصة، من جهة، وبين السلطة من جهة ثانية، والتي يفترض فيها تأمين كل المستلزمات الأمنية واللوجستية لانعقاد الجلسة في البرلمان، ووصول النواب بطريقة آمنة إليها، وهي مهمة لا تبدو سهلة، في ظل إصرار الحراك المنتفض على منع عقد الجلسة، مهما كان الثمن، وان كان الحشد الذي يفترض به ان يؤمنه بدوره، هو الامتحان، حيث يكرم المرء أو يهان، بعدما لم يتمكن الحراك من منع جلسة الموازنة، بسبب التجمعات الصغيرة التي وقفت عند مداخل المنطقة المحظور التجول فيها، من دون ان تستطيع ان تفعل شيئاً سوى مشاكسة القوى الأمنية، فيما كان النواب «ينسلون» إلى الجلسة في أمان.
القراءة النهائية
وكانت اللجنة الوزارية أنهت صياغة مشروع البيان بعد قراءة نهائية مطولة استمرت زهاء ست ساعات، حصلت خلالها تعديلات وصفت بأنها غير جوهرية بعد الأخذ بملاحظات الوزراء، على ان يرفع الى كل الوزراء مجدداً لقراءته قبل عقد جلسة لمجلس الوزراء في القصر الجمهوري لدرسه واقراره يوم الخميس حسبما اتفق الرئيس دياب مع الرئيس ميشال عون بعد الاجتماع، وإحالته الى المجلس النيابي لتحديد جلسة منح الثقة يُرجح ان تعقد يوم الثلاثاء من الاسبوع المقبل.
وذكرت المعلومات ان مشروع البيان خضع لتمحيص وتدقيق عميقين لكل بنوده بدليل طول الجلسة، إذ تمت مراجعته كلمة كلمة وعبارة عبارة. لكن ما تسرّب عن تفاصيل البيان جرى تخفيفه، لا سيما حول ما قيل عن «إجراءات موجعة للمواطنين»، خصوصا في المجال الضريبي، إذ تنوي الحكومة معالجة التهرب الضريبي بحيث يشمل كل الشرائح بعدالة لاسيما الميسورين والاغنياء، ويلاحق المتهربين من الضرائب. إضافة الى الاصلاحات الضريبية والنقدية والمالية وتقصي مصير الاموال لتي تم تهريبها الى خارج لبنان خلال الاشهر الاربعة او الخمسة الاخيرة واستعادة الاموال المنهوبة. وهذا الامر خضع لدراسة عميقة للارقام في اجتماع الامس.
وفي ظل التكتم الحاصل حول تفاصيل ما جرى حول مشروع البيان اكتفت وزيرة العمل لمياء يمين الدويهي بالقول ل «اللواء»: ان كل الوزارات قدمت ما لديها من مشاريع واقتراحات لتضمينها في البيان الوزاري كل وزارة حسب اختصاصها، ونتمنى ان تُعطى الحكومة فرصة كافية لإثبات جديتها قبل شن الحملات عليها، فهي تحمل مطالب الشعب لأن اعضاءها من هذا الشعب ولدينا الهموم والمشكلات ذاتها.
وقالت وزيرة الاعلام منال عبد الصمد بعد الاجتماع: أكد الرئيس دياب أن الحكومة تريد العمل بأسرع وقت ممكن من أجل وضع البيان الوزاري موضع التنفيذ، وهي ملتزمة بمضمونه، وستبذل ما في وسعها من أجل تحقيق انطلاقة حكومية فاعلة تلبي تطلعات اللبنانيين لمعالجة الازمات والقضايا المالية والاقتصادية والاجتماعية والمعيشية.
واوضحت ردا على سؤال، أن «الحكومة لا تتبنى أي مسودة تم تسريبها، وبالتالي تم الكثير من المناقشات وكثير من المواضيع التي تم طرحها وتم تعديل عدة امور»، من دون الكشف عن طبيعة البنود التي تمّ تعديلها، علماً ان مصادر وزارية أكدت انها لم تكن جوهرية.
وأشارت عبد الصمد إلى ان البيان لا يلحظ تعديلات ضريبية، لكنه يلحظ إصلاحات ضريبية ومالية نقدية يتم الحديث عنها في وقتها.
وأعلن وزير الصناعة عماد حب الله بعد خروجه من الاجتماع قبل الوزيرة عبد الصمد: ان «ما سرّب من مسودّة للبيان الوزاري يختلف عن ما تم الاتفاق عليه اليوم (امس).
وقال وزير السياحة والشؤون الاجتماعية رمزي مشرفية بعد الاجتماع: انه تم وضع بعض اللمسات على البيان الوزاري، وان الفقرة السياسية لم تتغير والتعديلات ليست جوهرية. كاشفا أن «الاجراءات الضريبية والرقابية ستطال من كان يُعفى ويتهرب من الضرائب».
جدولة الدين العام
وسبق اجتماع اللجة الوزارية، اجتماع مالي ترأسه الرئيس دياب، وحضره الوزراء الأربعة المعنيون بالأزمة المالية والنقدية: دميانوس قطار، غازي وزني، عماد حب الله، راوول نعمة وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، تكتم الحضور على طبيعة المداولات فيه وعما إذا كان لقوننة الإجراءات المصرفية التي تقوم بها المصارف، وعما إذا تناولت القيود القاسية الجديدة التي فرضتها على سحب الودائع، بحيث انخفضت إلى 300 أو 200 دولار كل أسبوعين لأصحاب الودائع التي تقل عن مائة ألف دولار، لكن معلومات خاصة كشفت ان الاجتماع خصص لموضوع إعادة جدولة الديون الخارجية التي تستحق على الدولة اللبنانية خلال أشهر آذار وحزيران، والتي تتجاوز قيمتها 2.5 مليار دولار.
وعلم انه في الاجتماع اتخذ قرار بهذه الخصوص، لم تعرف تفاصيله، باستثناء ان الرئيس دياب أكّد التزام لبنان بدفع مستحقاته الخارجية، علماً ان 80 في المائة من استحقاق آذار عبارة عن ديون داخلية للمصارف اللبنانية.
يُشار في هذا السياق، إلى ان الرئيسين برّي ودياب وقعا أمس قانون موازنة العام 2020 وتمت احالته إلى رئاسة الجمهورية لنشره في الجريدة الرسمية كي يصبح نافذاً.
الاستدعاءات
وعلى صعيد آخر، وبينما بدأت تطرح تساؤلات عن أسباب تراجع زخم الانتفاضة الشعبية التي انطلقت في 17 تشرين أوّل، وعما إذا كانت الدولة، نجحت من خلال اجهزتها الأمنية والعسكرية بالالتفاف على الانتفاضة، تمهيداً لضربها، عبر أساليب وادوات متنوعة، تارة بالترغيب وتارة بالترهيب، أو ان جمود الساحات التي كانت نبض الانتفاضة هو هدوء ما قبل العاصفة، وفرصة لإعادة تنظيم الصفوف الداخلية من أجل استكمال المشروع الاصلاحي التنفيذي لها، أم انه منح فرصة للحكومة لترجمة وعودها بالاصلاح التي اوردتها في البيان الوزاري؟ وهي تساؤلات بقيت دون أجوبة حاسمة، تمضي السلطات القضائية في ملاحقة ناشطي الحراك الشعبي، إذ تمّ أمس الادعاء على شربل قاعي الذي اخلي سبيله من دون كفالة وعماد المصري لقاء كفالة مالية قدرها 500 الف ليرة. واكد وكيل الناشط ربيع الزين من امام قصر العدل في بعبدا انه سيتم الافراج عن الزين اليوم لقاء كفالة مالية.
وفيما تقرر توقيف الناشطين جهاد العلي وجو شليطا بتهم التحريض على قطع الطرق والتظاهر وقطع طريق نهر الكلب. وفي وقت افيد عن استدعاء الناشط في حراك الزوق طوني خوري قبل ظهر الاربعاء المقبل الى سراي جونية، تجمع محتجون أمام قصر العدل في بعبدا تزامنا مع جلسة لقاضي التحقيق في جبل لبنان بسام الحاج للاستماع الى الشاهدين المصري وقاعي في قضية توقيف الناشطين الزين ومحمد سرور وجورج القزي، قبل ان يباشر التحقيق مع أربعة مدعى عليهم وهم: العلي، شليطا، منصور بدران ومارون فارس قاعي.
وبعد الظهر، ارتفعت في بعبدا، اعداد المناصرين والمؤيدين للزين والذين طالبوا بالعدالة ولبقية الموقوفين.
وأفيد مساء، من ان محتجين من حراك صيدا نفذوا وقفة احتجاجية امام دخل فرع مصرف لبنان في المدينة، في إطار تحركهم رفضا للسياسات المالية والمصرفية ووضع قيود جديدة إضافية على السحوبات المالية.
وفي طرابلس، أصدر «تكتل ثوار طرابلس في الشمال» و«هيئة الطوارئ الانقاذ مدينة طرابلس» بياناً مشتركا طالبا فيه باجراء انتخابات نيابية مبكرة بضمانة دولية لقانون عادلي، وإعادة جدول الدين العام والعمل على استعادة الأموال المنهوبة عبر قضاء عادل.
وكان متظاهرون تجمعوا امام سراي في المدينة مطالبين باستقالة محافظ الشمال رمزي نهرا، بعدما قذفوا المبنى بحبات الليمون الفاسد.
********************************************
افتتاحية صحيفة الديار
واشنطن للحلفاء في بيروت: هادنوا حكومة «تقطيع الوقت» وركزوا على العهد
باريس «تنصح» بالهدوء في مواجهة «صفقة القرن»… «وتجاهل» سعودي للبنان
تعديلات شكلية على البيان الوزراي ومزيد من «الفرمانات» المصرفية «التعسفية»
ابراهيم ناصرالدين
وسط تناقض «مقلق» بين تطمينات المصارف على ودائع اللبنانيين وبين «الفرمانات» غير القانونية «التعسفية» المتخذة من قبلها، وآخرها خفض حدود السحب بالدولار بنسبة 50 بالمئة ابتداء من اليوم، لا يزال الترقب سيد الموقف بانتظار ردود الفعل على الصيغة النهائية المنقحة من البيان الوزاري التي انتهت صياغتها في جلسة اخيرة بالامس بتعديلات شكلية، ليبنى على «الشيء مقتضاه» داخليا وخارجيا، مع العلم ان ما تسرب من معلومات موثوقة يشير الى ان واشنطن ابلغت حلفاءها اللبنانيين بضرورة انتهاج سياسة مهادنة مرحلية مع حكومة ترى انها فقط لـ«تقطيع الوقت» بانتظار انتهاء الانتخابات الرئاسية الاميركية، ونضوج التسويات في المنطقة، مع ابقاء وتيرة التصعيد مع العهد لاضاعفه وعدم منحه اي فرصة «لالتقاط الانفاس»، فيما لا تزال السعودية تتجاهل على نحو كامل الملف اللبناني ولم تصدر من المملكة اي مؤشرات توحي بوجود نية في فتح «صفحة جديدة» مع حكومة حسان دياب…
وفيما لا يزال سفراء دول الاتحاد الاوروبي يربطون الدعم الاقتصادي بخطة عمل الحكومة وخارطة الطريق التي ستتعامل بها بشفافية مع الملفات التي اخفقت في معالجتها الحكومات السابقة التي لم تلتزم بوعودها، تبدو السعودية غير معنية بفحوى الخطط الحكومية وخططها الاقتصادية، وقد برز التجاهل المقصود من قبل المسؤولين السعوديين لوزير الخارجية اللبناني ناصيف حتي واضحا على هامش المؤتمر الاسلامي الذي عقد في جدة، ولم تصدر اي اشارة ايجابية تفيد بان الرياض غيرت من استراتيجية «ادارة الظهر» للملف اللبناني، وفي هذا السياق اشار دبلوماسي عربي بارز الى ان السعودية تعتبر بأن حكومة «اللون الواحد» غير جديرة بالثقة، لانها حكومة شكلها حزب الله، واذا كانت الرياض غير معنية «بالخربطة» داخليا بعدما تراجعت عن التدخل «اليومي» «والتفصيلي» في الشأن اللبناني، الا انها لا تبدو معنية بالمساهمة في نجاح مهام هذه الحكومة، وهي اليوم لا ترى بأنها معنية بهذا الملف وتتجاهله بفعل «اليأس» من النتائج المحققة سابقا… ووفقا لتلك المصادر لن يتغير الموقف السعودي الا اذا تطورت العلاقات مع ايران ايجابا، وهذا الامر غير متوفر الان، وتراجع الى «نقطة الصفر» بعد اغتيال الجنرال قاسم سليماني، وقد حرصت الرياض على ابراز هذه السلبية من خلال تأخير اعطاء الوفد الايراني تاشيرات الدخول الى المملكة ما ادى الى احراج طهران واخراجها فتمنعت عن حضور المؤتمر الاسلامي في جدة..
«تعليمات» اميركية
وفي المقلب الآخر، تبدو الولايات المتحدة اكثر حيوية في التعامل مع الملف اللبناني من «بوابة» حماية المصالح الاسرائيلية، واذا كانت واشنطن معنية «بتقطيع الوقت» راهنا بانتظار نتائج الانتخابات الرئاسية التي ستمنح الرئيس دونالد ترامب الزخم اللازم لتطبيق سياساته في حال انتخابه لولاية جديدة، فهي لا تبدو معنية بمنح حزب الله وحلفائه «هدنة» تسمح لهم بالتقاط الانفاس، ووفقا لاوساط دبلوماسية غربية لا ترى واشنطن في حكومة دياب حكومة انقاذية وانما حكومة تقطيع «الوقت الضائع» بانتظار حسم الملفات الاخرى في المنطقة، ولذلك لا تجد نفسها معنية لا في اسقاطها ولا في اعطائها «عصا سحرية» لحل المشاكل الاقتصادية طالما انها غير مستعدة لتقديم جديد في السياسة خارجيا وداخليا..
ما هو سر «الهدوء؟
وهذا ما يفسر حالة الهدوء في تعامل حلفائها في لبنان وتمريرهم جلسة الموازنة العامة وحضورهم المرتقب لجلسة الثقة دون منحها،ووفقا للمعلومات فان كل من راجع السفيرة الاميركية في بيروت اليزابيت ريتشارد فهم منها وجود رغبة لدى بلادها بالتعامل بواقعية مع الحكومة الجديدة بعد خروج الاسماء «الاستفزازية» منها وتبني رئيسها خطابا اصلاحيا في الشان الاقتصادي، ولانها حكومة «مرحلية» فلا تنتظر واشنطن منها اي تغيير في الملف السياسي…
التصويب على العهد
ووفقا للمعلومات، منحت الادارة الاميركية حلفاءها «الضوء الاخضر» لمهاجمة العهد لابقائه تحت الضغط «ومحاصرة» حزب الله عبر اضعاف حليفه المسيحي «المشغول» في لملمة «شارعه» بعدما تعرض «لهزة» سياسية عنيفة منذ 17 تشرين..
هذه الاجواء تتلقفها بجدية اوساط التيار الوطني الحر التي ترصد حملات ممنهجة ضد الرئيس والعهد وترى فيها سياقاً متصلا بالحملة الخارجية التي بدات بمقاطعة الرئاسة الاولى اميركيا واستكملت بتجاهل تام لوزير الخارجية جبران باسيل، والان تستكمل هذه الحملة عبر «الثلاثي» تيار المستقبل، القوات اللبنانية، والحزب التقدمي الاشتراكي..
«ثلاثي» لاستهداف العهد
وفيما ينفي «المستقبل» وجود اي تنسيق مع «معراب» «المختارة» في الازمة مع العهد، يشير الى ان من خرب التسوية الرئاسية يعرف نفسه، ولا يجب ان يحمل المسؤولية للغير، وهو الان «يحترق» بعدما حاول على مدى السنوات الثلاثة احراق شريكه في التسوية، وعليه ان يتحمل مسؤولية سياساته..
من جهتها تشير اوساط «القوات الى ان التيار والرئاسة الاولى يحاولان لعب دور «الضحية» لاستعطاف الرأي العام، بعدما سقطوا في «الشارع»، واذا لم يغيروا سياساتهم الفاشلة القائمة على انقاذ العهد دون الاكتراث بمصير البلاد فانهم سيراكمون المزيد من الفشل وسيسقطون حتما دون الحاجة الى من يناصبهم العداء، وكل الرجاء الان بان يبتعدوا قليلا عن الحكومة علها تستطيع ضخ بعض «الاوكسيجين» في جسد الدولة المتهالك…
بدورها، تشير مصادر الحزب «التقدمي الاشتراكي» الى ان فريق العهد يعيش حالة من «الانفصام» مع الواقع والحديث عن حملة ضد الرئاسة الاولى ليس في مكانه لان العهد انتهى ولا يحتاج الى معارك لتخاض ضده..
نصيحة فرنسية ؟
وتأسيسا على الموقف الاميركي من «صفقة القرن» الذي يبدو متشددا، تلقى المسؤولون اللبنانيون نصيحة فرنسية تقوم على التزام الموقف العربي العام من الصفقة وعدم لعب دور «راس الحربة» في مقارعة الاميركيين، لان ما هو مطلوب من لبنان في هذه العملية ياتي ملحقا بعد مرور التسوية بين الفلسطينيين والاسرائيليين، وثمة تعقيدات كثيرة تحول دون تسييل بنودها وتحولها الى امر واقع، ولذلك ليس من صالح لبنان التعامل بتصعيد مفرط مع هذا الملف، والافضل ترك «العرقلة» تاتي من جهات اخرى اكثر تضررا وعلى راسها الفلسطينيون والاردنيون… وكذلك يمكن للبنان التلطي وراء الموقف الاوروبي خصوصا ان وزير خارجية الاتحاد الأوروبي، جوزيف بوريل، انتقد الخطة وأوضح بأن الاتحاد بقي ملتزماً بحل الدولتين وبالقانون الدولي. وقال أثناء زيارته الأردن بأن خطة ترامب تتحدى قرارات كثيرة متفقاً عليها على المستوى الدولي: حدود 1967 كما وافق عليها الطرفان، ودولة فلسطينية تعيش إلى جانب إسرائيل بسلام وأمن واعتراف متبادل.
وكان وزير الخارجية والمغتربين ناصيف حتي اكد في مؤتمر جدة «التزام لبنان مبادرة السلام العربية التي أقرت في القمة العربية في بيروت في العام 2002 والتي تستند الى قرارات الامم المتحدة ذات الصلة..
«ولادة» البيان الوزاري
انجزت الصيغة النهائية للبيان الوزاري بالامس بعد 6 ساعات من النقاشات على ان تقر الصيغة النهائية الخميس المقبل في جلسة تعقد في القصر الجمهوري بعدما توافق دياب مع رئيس الجمهورية ميشال عون ،في وقت أفيد عن احتمال تحديد موعد لجلسة مناقشة البيان الوزراي في البرلمان، يوم الثلثاء المقبل.
ووفقا لاوساط سياسية مطلعة لم يقتصر النقاش على الساعات الست بعدما عملت الدوائر الحكومية على تنقيح البيان الوزاري بعد الاطلاع على الملاحظات الوزارية على المسودة..
تعديلات شكلية..
وانتهت النقاشات الى ادخال بعض التعديلات الشكلية على المسودة التي سربت عشية الاجتماع النهائي وابرز ما ورد فيها التاكيد على ان لا وجود لضرائب جديدة بل اصلاح ضريبي يؤمن المساواة الضرائبية، ولن يكون هناك اي تهرب ضريبي بعد اليوم..كما جرى التعهد بالكشف عن الاموال التي اخرجت من لبنان بعد 27 تشرين الاول،واستعادة الاموال المنهوبة،اما سياسيا فلا تغييرات بارزة على البيان وهو صيغة منقحة عن بيان الحكومة السابقة..
وقد اكد دياب على ضرورة تحويل البيان الى خطة عمل تنفيذية بعد الثقة مباشرة ضمن خطة زمنية محددة، وقد تم نقاش كل الخطط بالامس لكل قطاع وتم التصديق على المواعيد..
واعلنت وزيرة الإعلام منال عبد الصمد بعد الاجتماع انها لا تتبنى أي مسودة سربت وتمّ تعديل أمور عدّة ومسار البيان الوزاري هو التركيز على القضايا الإقتصادية والإجتماعية الضاغطة على المواطن..
الكهرباء والانتخابات..؟
ووفقا لاوساط نيابية بارزة، فان العناوين العريضة للخطة الاقتصادية الانقاذية التي ستعتمدها الحكومة، تقليدية، وتعد بالاصلاح ومحاربة الفساد، وما يختلف عن البيانات الوزارية السابقة انها ستتضمن بعض المواعيد المحددة، ويبقى الرهان الاساسي على وجود خطة واضحة لاصلاح قطاع الكهرباء- الذي يشكل اساس عجز الموازنة…وتمنت تلك الاوساط، ان تكون التعديلات قد شملت التعهد باجراء انتخابات نيابية مبكرة، وليس ربط هذا الاستحقاق باعتماد قانون انتخابي جديد، لان هذا الامر دونه عقبات كبيرة..
اجراءات مصرفية تثير «القلق»
وفي تناقض واضح مع تطمينات رئيس جمعية المصارف سليم صفير، اتخذت المصارف اجراءات احادية الجانب ابتداءا من اليوم حيث خفضت الى النصف السحوبات الشهرية بالدولار للمودعين، ما زاد من حالة الهلع والقلق على مصير تلك الودائع، وعلى سبيل المثال لا الحصر فان المصارف التي كانت تمنح المودع 300 دولار اسبوعيا، باتت تمنحه هذا المبلغ كل 15 يوما اذا كان حسابه اقل من مئة الف دولار، و500 دولار كل 15 يوما اذا كان حسابه اقل من مليون دولار، والف دولار اذا كان حسابه اعلى من مليون دولار، اما مصارف اخرى فلا يتجاوز المبلغ كل 15 يوما الـ200 دولار، وفيما اكدت مصادر مصرفية ان التدبير سببه شح الدولار النقدي، تساءلت اوساط اخرى عن سبب توافره عند الصرافين، وتساءلت عن اسباب هذا التناقض مع تصريحات صفير الذي كرر طمأنة المودعين بان ودائعهم محفوظة..
بين وزير المال «والحاكم»!
وفيما، وقع رئيس الحكومة حسان دياب وأحالها الى رئيس الجمهورية ميشال عون بعد ساعات من توقيع رئيس المجلس النيابي نبيه بري عليها، ترأس دياب اجتماعا ماليا حضره الوزراء دميانوس قطار، غازي وزني، عماد حب الله، راوول نعمه، حاكم مصرف لبنان رياض سلامه، ولدى مغادرته الاجتماع، قال سلامة رداً على سؤال عما إذا كانت هناك نية لقوننة الإجراءات المصرفية التي تقوم بها المصارف بناء على ما تسرّب من محضر الاجتماع بين حاكم مصرف لبنان وجمعية المصارف: ما رح قول شي اسألوا وزير المالية. عندها أجاب الصحافيون: سألنا وزير المالية وقال لنا اسألوا الحاكم، فقال سلامة: «حتى هيدي عم يكبها عليي».
استدعاءات قضائية
على صعيد آخر، استمرت الاجراءات القضائية في ملاحقة بعض الناشطين المتهمين «باثارة الشغب»، وتم الإدعاء بالامس على شربل قاعي الذي اخلي سبيله من دون كفالة وعماد المصري لقاء كفالة مالية قدرها 500 الف ليرة. واكد وكيل الناشط ربيع الزين من امام قصر العدل في بعبدا انه سيتم الافراج عن الزين اليوم لقاء كفالة مالية. فيما تقرر توقيف الناشطين جهاد العلي وجو شليطا بتهم التحريض على قطع الطرق والتظاهر وقطع طريق نهر الكلب.، فيما تم استدعاء الناشط في حراك الزوق طوني خوري قبل ظهر الغد الى سراي جونية..
********************************************
افتتاحية صحيفة الشرق
البداية منذ عشرينات القرن الماضي «إسرائيل» تستثمر النفط والغاز… ولبنان ينتظر
كتب يحيى جابر
حضرت «الثروة النفطية» و«الغازية» في المياه اللبنانية المحاذية لفلسطين المحتلة («إسرائيل») مادة أساسية في البيان الوزاري للحكومة اللبنانية الجديدة، وقد أكدت أن «الحكومة ستحافظ على المكتسبات التي تحققت حتى الآن، من خلال صمود الدولة اللبنانية في المفاوضات من أجل الحفاظ على حقوق لبنان الكاملة في هذه الثروة، ومع ادراكنا اطماع العدو الاسرائيلي في محافظة التعدي على جزء من هذه الثروة، واستغلالها، سنعمل على التصدي لهذه الاطماع، وصولاً الى ترسيم عادل لحدودنا البحرية يحفظ للأجيال اللبنانية ثروتها وحقوقها…
وفي الموازاة، قال البيان «سنعمل على تسريع مسار التنقيب عن الغاز والنفط في مياهنا، لأن هذه تشكل دعامة مهمة لاقتصادنا في المستقبل…».
على خلفية وجوب معالجة الازمة المالية وبسرعة، فقد أكد البيان الوزاري «وجوب حماية أرضنا وثرواتنا الطبيعية ومنها الغاز والنفط…» وستكون الحكومة اللبنانية «حريصة على صون الامانة…» وهي تعرف جيداً «مواقع القوة والضعف» في هذا البلد.. وتستوحي في سياستنا هذه، خطاب القسم لفخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون.. مؤمنين بأن لبنان قوي بوحدة شعبه وقدراته والتفاف أبنائه حول جيشه الوطني…».
ظن عديدون، ان مسألة النفط والغاز في التربة والمياه اللبنانية هي وليد الساعة، او السنوات القليلة الماضية، لكن ما أشارت اليه جريدة «الجريدة» برئاسة الاستاذ جورج سكاف في عددها الصادر في 11 شباط 1953، أكد بما لا يدع مجالاً للشك، ونقلاً عن علماء، «وجود البترول في تربة لبنان…».
غابت ثم عادت
غابت المسألة لعقود من الزمن… الى ان عادت الى الوجود من جديد… ويتفق الجميع على ان المخزون النفطي على الحدود اللبنانية – الفلسطينية، صاحبه خلاف لبناني اسرائيلي… فبعد سرقة الارض والمياه، أعدت اسرائيل العدّة لسرقة نفط لبنان وغازه… وهي بدأت تستثمر في النفط منذ أواخر العام 2016… بعدما استولت على حقول للغاز الطبيعي قبالة سواحل المتوسط، وعلى مساحة تقدر بحوالى الـ75 ميليبريا، غرب رأس الناقورة، جنوب لبنان، وكذلك نقل حقل غاز «تمار» الذي يقع على مساحة 35 ميلبحرا – غرب المنطقة عينها… وتأمل اسرائيل، ان يحولها حقل «لبڤياثان» الى دولة مصدره للغاز حيث تقدر مخزونات النفط بما لا يقل عن 535 مليار متر مكعب من الغاز… أما حقل «ثمار» الذي يحوي حوالى 233 مليار متر مكعب من الغاز، فيقع على بعد 130 كلم قبالة ساحل حيفا المتوسطي، ويعتبر من حقول الغاز الواعدة التي اكتشفت في السنوات الاخيرة الماضية في تلك المنطقة.
في شباط 1953 نشرت «الجريدة»، على صدر صفحتها الاولى، مانشيت من ثلاثة أسطر توزعت بين العناوين التالية:
1- رئيس الجمهورية يدشن عمليات التنقيب عن البترول في البقاع.
2- العلماء يؤكدون وجود البترول في تربة لبنان.
3- عمليات الحفر تصل الى عمق 2300 متر.
السؤال الذي يتبادر الى الذهن، خلاصته كيف بدأ الاهتمام بمسألة النفط والغاز في الدولة اللبنانية ومتى وأين؟!
البداية منذ العشرينات
يؤكد خبراء واختصاصيون متابعون ان الاهتمام بمسألة النفط والغاز في الدولة اللبنانية بدأ في عهد الانتداب الفرنسي، عندما أصدر «المفوض السامي» الفرنسي هنري دو جوفينل العام 1926 تشريعا اجاز فيه التنقيب عن مناجم النفط والمعادن واستثمارها واستخراجها..
في العام 1930، حاولت الحكومة اللبنانية برئاسة اميل اده، استخراج النفط، لكنها لم تفلح، حتى جاء العام 1946، فحفرت «شركة نفط العراق» IPC بئراً في تربل… وفي العام 1953 تم حفر بئر في يحمر، وبين عامي 1960 و1961 قامت شركة المانية بحفر بئر في عدلون. وفي العام 1963 حفرت شركة ايطالية بئرين في البقاع، كما في عبرين. وفي العام 2002 تعاقدت الحكومة اللبنانية مع شركة «سبكتروم» الانكليزية التي قامت بإجراء مسح ثنائي الابعاد للساحل اللبناني، حيث توقعوا وجود فعلي للنفط والغاز… تماماً كما حصل مع شركات عدة، أشارت الى احتمال وجود كميات تجارية من النفط تصل الى 50 في المئة ومخزون يصل الى 8 مليارات برميل. وفي العام 2010، أعلنت شركة «نوبل» الاميركية للطاقة عن وجود «حقل هائل» للغاز يسمى «ڤيتان» يحوي ما لا يقل عن 16 تريليون قدم مكعب في منطقة بحرية تقع قبالة الشواطىء اللبنانية والقبرصية والفلسطينية.
يتفق الجميع، على ان المخزون النفطي على الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلة (الكيان الاسرائيلي)، صاحبه خلاف لبناني – اسرائيلي… وبعد سرقة الارض والمياه، أعدت اسرائيل العدّة لسرقة نفط لبنان وغازه… وقد تضمنت التقديرات في 8 نيسان 2012 عن مخزون لبنان من النفط والغاز.
تستثمر «اسرائيل» في النفط منذ اواخر العام 2016. وقد أشارت مصادر نيابية لبنانية ان اسرائيل تطرح عطاءات على تراخيص للتنقيب عن الغاز والنفط قبالة سواحل فلسطين المحتلة في البحر الابيض المتوسط… فيما تعتبر الخطوة الاسرائيلية، تحدياً للبنان، الذي يتعرض لسرقة ثرواته من النفط والغاز نتيجة النزاع الذي لم يحسم بعد حول الحدود البحرية.
تستولي اسرائيل على حقول للغاز الطبيعي قبالة سواحل المتوسط، وعلى مساحة تقدر بحوالى الـ75 ميليبريا، غرب راس الناقورة، جنوب لبنان، وكذلك نقل حقل غاز «تمار» الذي يقع على مساحة حوالى 35 ميلبحرا… غرب المنطقة عينها وتأمل «اسرائيل» ان يحولها حقل ليفياثان الى دولة مصدره للغاز حيث تقدر مخزونات الحقل بما لا يقل عن 535 مليار متر مكعب من الغاز…
أما حقل «تمار» الذي يحوي حوالى 233 مليار متر مكعب من الغاز، فيقع على بعد 130 كلم قبالة ساحل حيفا المتوسطي، ويعتبر من حقول الغاز الواعدة التي اكتشفت في السنوات الاخيرة الماضية في تلك المنطقة.
خلافات الحدود واحدة
يرى خبراء لبنانيون، ومنهم جاسم عجاقة، ان خلافات الحدود مع اسرائيل واحدة من أهم أسباب عجز الحكومة (اللبنانية) عن اتخاذ أية قرارات بشأن تطوير الحقول قبالة سواحل المتوسط، ولا يلوح في الافق، للآن، امكان حلها، ذلك ان تل ابيب تستولي على نحو 840 كلم2 من المياه الاقليمية اللبنانية، فيما موقف لبنان واضح، من رفض الدخول في أية مفاوضات مباشرة مع العدو…
وكان مساعد وزير الخارجية الاميركية لشؤون الطاقة والنفط والغاز، آموسى هوكستاين، زار لبنان لبحث خلافات الحدود مع الكيان الاسرائيلي.. وقد أكدت المعلومات والدراسات الرسمية وجود أكثر من 123 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي وحوالى 35 بليون برميل نفط خام.
الخلاف اللبناني – الاسرائيلي، وفق الناشط البيئي والمستشار في التنمية المستدامة، مازن عبود، يجعل شركات التنقيب الاجنبية تتخوف من تنفيذ أية عمليات بحث او تطوير قبالة سواحل لبنان في المتوسط، تحسباً لأية اعتداءات قد تقوم بها «اسرائيل»… ويعد النفط والغاز المقابل للسواحل اللبنانية جزءاً من حوض واحد في شرق البحر المتوسط، غني بالنفط والغاز الطبيعي، يمتد من الاسكندرية في مصر، وصولاً الى السواحل التركية.
وكان وزير المال السابق، علي حسن خليل، زار روسيا، لهذا الغرض… فكانت زيارة نفطية بامتياز، إذ تم الاتفاق على تولي احدى الشركات الروسية العملاقة، والتي يعتقد انها «غاز بروم» – استخراج النفط والغاز من المنطقة الاقتصادية المتنازع عليها بين لبنان والكيان الاسرائيلي، وهو أمر تم الاتفاق عليه بين لبنان وروسيا، على ان تكون كلفة التنقيب مشتركة بين الدولتين…
ترسيم الحدود
إذا كانت الحدود البرية بين لبنان وفلسطين المحتلة قد شكلت ذرائع لتل ابيب لشن حروب على لبنان بهدف سرقة المياه واليابسة، فإنه من غير المستبعد ان تقدم اسرائيل على شن عدوان في سياق سعيها لسرقة النفط اللبناني، خصوصاً وان اسرائيل بدأت بتلزيم حقول النفط والغاز متجاهلة اشكالية ترسيم الحدود البحرية من الجهة الشمالية…
وكان لبنان قد بدأ بترسيم حدوده البحرية اعتباراً من العام 2002، لكن عدم توفر خرائط بحرية دقيقة وواضحة لمنطقة جنوب لبنان وشمال فلسطين المحتلة أدى الى انجاز ترسيم غير دقيق… وكذلك في العام 2006 حيث أجريت دراسة كانت عبارة عن تحديث لتلك التي سبقتها…
في العام 2007، وقع لبنان مع قبرص اتفاقية حول تعيين حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة… وتم تحديد خط حدود بحري ما بين النقطة (1) جنوباً والنقطة (6) شمالاً، مع توضيح مفاده ان النقطتين المذكورتين غير نهائيتين، بانتظار الاتفاق مع الدول المعنية، لكن هذه الاتفاقية لم تبرم بعدما وقعت قبرص اتفاقية أخرى مع تل أبيب في العام 2010 لتحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة بينهما، متجاهلة ما تم الاتفاق عليه مع لبنان وهذا ما أدى الى خسارة لبنان مساحة مائية تزيد على 860 كلم2 من دون «وجه حق»…
لقد بات من شبه المؤكد، وتبعاً لكل المعطيات المتوافرة، القديمة والحديثة، ان بحر الجنوب يحوي مخزوناً ضخماً من الغاز الطبيعي، باعتباره يشكل امتداداً لجيولوجية البحر الفلسطيني المحتل، الذي تأكد وجود الغاز فيه بكميات هائلة… والأرجح ان لبنان في المستقبل على موعد مع معركة، ديبلوماسية، وغير ديبلوماسية ترتكز على كل عناصر القوة لحماية حقوقه.
ثلاث شركات للتنقيب
لبنان تحت المجهر الدولي، منذ التقارير السرية الاولى التي تسربت عن شركات نفطية كبرى تحدثت عن مخزونات نفطية في المياه اللبنانية وداخل البر اللبناني… فأصبح، في قناعة العديد من الخبراء والاختصاصيين، جزءا من شبكة انتاج نفطية دولية تشمل سوريا و»إسرائيل» وقبرص ومصر… وكون الشرق الاوسط، أصبح مرهوناً بالصراعات بين الدول الكبرى، للسيطرة على مسالك النفط والغاز في العالم، فإن هناك تحولات جارية في المنطقة سيتأثر بها لبنان من منظار جيو استراتيجي يحدد خرائط جديدة، لسوق الطاقة في العالم… وقد عهد لبنان، على ما يقول الدكتور الكسندر ابي يونس، الى استخراج الذهب الاسود الى ثلاث شركات: توتال الفرنسية، نوفاتيك الروسية وايني الايطالية. ومن المتوقع ان يبدأ لبنان في شباط 2020 حفر البئر الاولى للنفط في البلوك رقم 4 الذي يمتد من بيروت جنوبا الى شكا شمالاً… في الوقت ذاته يصر لبنان على بدء التنقيب في البلوك رقم 9 بأسرع وقت لأن «اسرائيل» بدأت التنقيب في حقل «كاريش» المجاور، ويخشى لبنان سرقة حصته بالحفر، افقياً بعدما ارسل العدو في كانون الاول 2019 سفينة لاستكشاف النفط في المياه اللبنانية وتحديداً في البلوك 9.
التحرك العاجل
لقد بات مؤكداً، وتبعاً لكل المعطيات المتوافرة، القديمة والحديثة، ان بحر الجنوب يحوي مخزوناً ضخماً من الغاز الطبيعي… والأرجح ان لبنان سيكون في المستقبل على موعد مع معارك متعددة الأوجه لحماية حقوقه.
«إسرائيل» تستثمر النفط، ولبنان ينتظر.. وسبق لرئيس مجلس النواب نبيه بري ان صرح في حديث اعلامي، انه «تبين عبر دراسة مرفقة بخرائط، وجود مكامن نفطية مشتركة مع «اسرائيل»… وتحديداً في البلوكين رقم 8 و9، اللذين يقعان في بحر الجنوب، ما يستدعي التحرك العاجل للخروج من دوامة الانتظار… وهي مسألة لم تغب عن البيان الوزاري. حيث أكد البيان «ان حكومتنا ستحافظ على المكتسبات التي تحققت حتى الآن، من خلال صمود الدولة اللبنانية في المفاوضات من أجل الحفاظ على حقوق لبنان الكاملة في هذه الثروة، وسنعمل على التصدي للاطماع الاسرائيلية، وصولاً الى ترسيم عادل لحدودنا البحرية، وتسريع مسار التنقيب عن الغاز والنفط في مياهنا…».