شخصياً لم أعش عز ازدهار السينما في لبنان، فبنت الضيعة كانت تسمع ان ثمة امر جميل في المدينة اسمه السينما، تلفزيون ع كبير، يذهب اليه الناس لحضور افلام اجنبية ولبنانية ومصرية خصوصا. كانت بيروت حلما والسينما من سابع الاحلام.
أواخر زمن السبعينيات، وكنا اطفالاً، قرر أخي أن يأخذنا إلى بيروت لنتعرّف على صندوق الفرجة ذاك. دخلت القاعة المظلمة وانا بذهول تمام، وشاهدت ما لم تره عيناي يوما، لوهلة، وبالعقل الطفولي القروي البريء، ظننت ان الممثلين سيخترقون الشاشة ليخرجوا منها والقاء التحية علينا، وصرت في انتظار اللحظة.
لا أنسى الفيلم كان اسمه “هروب لوغان” او logan s run، ويروي حكاية اناس يحكمهم مجنون ديكتاتور على كوكب قريب من الارض، وممنوع عليهم ان يعيشوا أكثر من ثلاثين عاماً، اذ يعتبرون حينها انهم أصبحوا عجزة، فيقتلهم بمشهدية تشبه العرس. الى ان خرج شاب وقرر التمرد على قرار قيادته مع حبيبته وهربوا الى الارض وأنقذوا لاحقا كل رفاقهم.
يومها اعتبرت انها حقيقة مطلقة وان على هؤلاء الشباب والصبايا ان يأتوا الى قريتي البقاعية الصغيرة، فهناك لن يتمكن الحاكم الظالم من ملاحقتهم. ولما سألت اخي عن امكانية هروبهم الى الضيعة، غرق في الضحك ولعله لا يزال يضحك حتى اللحظة.
الفيلم الثاني كان لجون ترافولتا وفيلمه الشهير “Grease” مع اوليفيا نيوتن جون. كان تفتح ذهني العظيم بعض الشيء، وصرت أدرك ان السينما من امتع ما يمكن من ثقافة وتسلية. صرت أحب السينما، اعشقها واتابع الافلام وأشاهدها بانتظام، وحفظت اسماء الابطال في غالبيتهم، وصرت مع اخوتي من المدمنين على الحضور، ما لم تقفل بوجهنا الحرب ابواب تلك المتعة.
في السينما كنت اشعر أني سندريلا ما، تلك التي تهرع عند الثانية عشرة الى بيتها، ودائما تنسى سكربينتها الزجاجية البراقة على ادراج السينما وتعود لاحقا لاستلامها من امير ما مفترض، ولم يكن الامير سوى أحد ابطال السينما المفرطي الوسامة، ولا اعرف حتى اللحظة مصدر ذاك الخيال.
لا تزال السينما غرامي، لكن ما عادت السينما في لبنان تحقق طموح الناس ولا رومنسيتهم العالية، ولا عادت للصبايا سكربينة سندريلا العالقة على ادراجها. هل لا تزالون تشاهدون أفلاماً في السينما؟ لماذا ابواب السينما تقفل تباعا في وجه عشاقها؟
“لا تزال السينما نجمة النجوم في لبنان، لكن لبنان يهجر نجومه رويداً رويداً”، قال أحد مدراء شركة Cinemall، هناك 144 صال في لبنان، بدأت تقفل تباعا، وغالبيتهم بسبب الوضع الاقتصادي المتردي الذي بدأ تحديداً منذ عامين، “الحركة بحسب الايام والاحداث، لكنها تصبح ناشطة غالباً في الويك اند، وبحسب نوعية الفيلم. مثلا منذ نحو الشهر شهدنا على زحمة كبيرة لفيلم Frozen 2، الذي حضره كبار وصغار، وايضاً فيلم “جوكر” الذي فاز بجائزة غولدن غلوب”، وفقاً للمدير ذاته.
ويضيف، “صحيح أن الحركة تأثرت خلال الثورة وما بعدها، لكن صالاتنا في شكل عام، تشهد زحمة نهاية الاسبوع ومعظم الحضور من الشباب والصبايا، خصوصاً ان اللبناني لا يزال من عشاق السينما وهي التسلية الاقل كلفة من كل الاماكن لان اسعارنا لا تزال كما هي.”
العام الماضي اعلنت صالة سينما “متروبوليس امبير صوفيل” الاقفال. حزنت كثيرا، ففي تلك الصالة شهدنا على اقوى انتاجات السينما الاميركية، كانت جميلة واجواؤها حلوة مفعمة بالشباب والصبايا طلاب الجامعات، واهل بيروت هؤلاء المثقفين العتاق، كان خبرا محزنا جدا لكن مستثمري الصالة أعلنوا ان ما عاد بإمكانهم تسديد الايجار لان الصالة ما عادت تغطي تكاليفها الباهظة بسبب الوضع الاقتصادي، وتدني نسبة الحضور، انزلت السينما ستارتها لتفتح على ازمة باقي الصالات في لبنان كافة.
من جهته، يقول أحد موظفي شركة Grand cinema، “صراحة الأكثر تضرراً من كل الأماكن هي الصالات في وسط بيروت، التي كانت تشكل 20 بالمئة من دور السينما في لبنان، وكما تعلمين، معاناة وسط بيروت مستمرة منذ أكثر من سنتين بسبب الركود، وقد ارتفعت هذه النسبة مع اندلاع الثورة بطبيعة الحال، مع ان الوضع في نهاية الأسبوع أفضل من الايام الأخرى”.
ويضيف، “صالاتنا في ضبية والاشرفية ولاس ساليناس انفه هي الاكثر نشاطا، وتتأثر بطبيعة الحال بالوضع الامني كما كل صالات لبنان، ونحن منذ ما قبل اندلاع الثورة بدأنا نعاني، وكنا ندرك أننا سنصل الى هذا الوضع الصعب، لكننا لا نزال مصرين على هذه المغامرة، ولا نزال نشتري الافلام الجديدة. طبعا هذا الامر يخضع لقرار الشركات المستوردة، لكننا أجّلنا عرض عدد كبير من الافلام كي لا نخسر جمهوراً ينتظر تحسن الوضع”.
ويوضح أن “نسبة الحضور تدنت الى 25 في المئة عن الايام العادية، على الرغم من العروض المتواصلة التي تقدمها الشركة. “السنة الماضية مثلا أجرينا سحباً على سيارة جديدة، وقبلها على شقة، هذه السنة لا شيء بسبب الوضع الصعب، انما سنحتفل مع الرواد في عيد الفالنتاين ونقدم لهم نبيذاً وطبقاً لبنانيين، للتشجيع واضفاء اجواء رومانسية في صالاتنا”.
بدوره، يقول شاب في ادارة سينما أبراج، “تبدو السينما في لبنان وكأنها بعض من مرآته، البلد منيح السينما بألف خير والعكس صحيح. صراحة أوقفنا عروضنا منذ لحظة اندلاع الثورة، وآخر فيلم عرضناه كان ليلة 17 تشرين الاول. لكن من المفترض والمقرر ان نعاود الاسبوع المقبل مع اطلالة عيد الحب، وكل صالاتنا ستفتح من جديد، خصوصاً اننا نعرض ليس فقط افلاماً أميركية، انما أخرى لبنانية وكل افلام ديزني”.
ليس غريبا ان تسدل السينما في لبنان بعضا من ستائرها المخملية، لكن اللافت ان عشاق السينما، وعلى الرغم من منافسة شرسة من نيتفليكس وما شابه، لا يزالون عشاقها الاوفياء، وشخصيا لا أزال اركض على درج السينما وتبقى سكربينتي هناك، ولا أزال احلم بسندريلا ما. وعلى الرغم من سحر روبيرت دنيرو وكلينت استوود وجورج كلوني، صار امراء احلامي، جود لو وبراد بيت وبن افليك وكل هؤلاء الذين ينهمرون وسامة، ويجعلون سكربينتي عالقة على ادراج سينما الاحلام.
