المقاومة الاقتصادية

المقاومة ليست حالة ظرفية يلتزم بها الانسان بحسب ما يتعرض له من مشاكل حياتية، لا سيما فيما يتعلق بوجوديـه وكيانيته. المقاومة هي نهج حياة يستمده الانسان من طبيعة وجوده في الأرض التي تؤمن له ديمومة بقائه. فهل حافظ اللبنانيين على هذا النهج الحياتي أم تخلوا عنه لترف الحياة؟

طبيعة الأرض اللبنانية هي طبيعة مقاوِمة بحد ذاتها لأنها مكونة من سلسلتي جبال. وطبيعة الجبل تؤمن للذين يسكنون فيها حصنًا طبيعيا منيعًا. من هنا، تحصن اللبنانيون عمومًا، والمسيحيون خصوصًا، في صلب الجبال والأودية المحيطة بها، وهذا ما جعل منهم جماعة مقاومة بالفطرة. فصارت المقاومة عندهم نهج حياة اتبعوه ليؤمنوا عناصر صمودهم بوجه العدو- الصديق، أي البيئة الجبلية القاسية بطبيعتها، والذين وفدوا إلى لبنان بهدف احتلاله إما للتوسع جغرافيا، أو بسبب المغانم الطبيعية، أو حتى بسبب الفتح الديني الذي أخذ شكلا من أشكال التوسع منذ المئة السابعة وحتى اليوم.

من هذا المنطلق، أتت الكيانية اللبنانية لتكون منبثقة من صلب الحياة المقاوِمة لكن ترف العيش الذي وصل إليه اللبنانيون في تاريخهم الحديث قد أبعدهم عن النمطية المعيشية التي كانت علة وجودهم. ولم يعودوا إلى هذه النمطية إلا عند تعرضهم لاضطهاد. وخير شاهد على ذلك كيف تحول المسيحيون إلى كتلة مقاوِمة عندما استشعروا بالخطر الوجودي الذي هدد وجودهم وحريتهم مع الوجود الفلسطيني الذي حاول أن يجعل من وطنهم وطنًا بديلا له.

وعند كل مفصل وجودي كانت تستيقظ هذه الروح المقاوِمة فيهم لتعود وتشد أواصر هذا المجتمع. أما اليوم، وبعد الحالة الاقتصادية المزرية التي وصل إليها المجتمع اللبناني، فقد استشعر المسيحيون بالخطر الوجودي من جديد. لذلك، ظهرت من جديد بوادر مقاومة من نوع جديد وحدها ستكون نهج الخلاص للبنان من ضائقته الاقتصادية والمالية، وهي المقاومة الاقتصادية.

من هنا، لا بد من تغيير نمطية العيش اللبناني عمومًا، والمسيحي خصوصًا، لتعود فتتواءم مع نهج المقاومة الاقتصادية التي فرضت نفسها بنفسها، كغيرها من أشكال المقاومة التي عرفها لبنان عبر التاريخ القريب والبعيد.

وذلك يكون بالابتعاد عن شتى مظاهر الترف التي لا تشكل عناصر حياة أساسية بالنسبة إلى طبيعة الحياة الاجتماعية التي يجب أن يختارها اللبنانيون، ولا سيما المسيحيين منهم. فضلا عن ضرورة العودة إلى الأرض وإلى الجذور والتخلي عن فكرة النزوح من الأرياف، لا بل تحويلها إلى النزوح إلى الأرياف والجبال. إذ يكفي أن ندور بين الربى والتلال التي أصبحت قفرًا بعدما تخلى عنها أبناؤها بهدف السكن في المدينة؛ ولا سيما في بيروت، سعيًا لفرصة عمل زهيد، أو للانتقال من نمطية العيش الريفي البسيطة إلى نمطية العيش المترف في المدن، ولو في غرفة تحت الدرج وفي زقاق متواضع وفقير.

ومن أبرز وسائل المقاومة الاقتصادية هي التعاضد الاجتماعي الذي يجب أن يجمع اللبنانيين ويحد من أسباب التفرقة بينهم. ويكون ذلك بتجاوز الحواجز كافة، سواء أكانت مناطقية أم مذهبية أم طائفية. وحدها هوية الوطن اللبناني يجب أن تجمعنا. والاختلاف يجب أن يتحول إلى مصدر غنى لمساعدة بعضنا بعضًا على قاعدة فلس الأرملة؛ لا أن يتحول إلى عامل خلاف يفكك المجتمع اللبناني أكثر فأكثر.

وذلك يجب أن يتزامن مع اختيار سياسي صحيح، يواكب المقاومة الاقتصادية لتتشكل كوكبة سياسيين مقاومين بعملهم الدؤوب؛ يراقبون الحركة السياسية في البلد، ويستبسلون في مقاومتهم للدفاع عن وجودية الوطن، وهويته السياسية. اللهم أشهد أني بلغت.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل