حرب ضد الجوع – 3

كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1703

حرب ضد الجوع

1915 مقاومة جراد الطبيعة

2020 مقاومة جراد الفساد (3)

 

هو «المجهول» الذي دفع باللبنانيين صباح ذاك السابع عشر من تشرين الأول 2019 للنزول إلى الشارع وإطلاق صرخة الثورة المدوية. صرخة ستطبع حتما صفحات من تاريخ وطن.

هو الخوف على المستقبل الذي سرقه أزلام السلطة ونظام الفساد والمحاصصة والمكابرة، وعلى وطن حلُمَ به اللبنانيون لأولادهم لأحفادهم وكانوا يؤسسون له ليشهدوا معهم على إشراقة شمس الحرية تكلّل هاماتهم المرفوعة بالعز والكرامة.

هي الثورة في شهرها الثالث. ثمة من راهن على تعب الناس، على يأسهم على فقرهم وعوزهم، على ارتباطاتهم العائلية والعملية، على الطقس الماطر والعواصف الرعدية، على المواجهات والممارسات العنفية التي تستعمل ضد المتظاهرين، على سقوط جرحى بالمئات، على اعتقال مئات الشبان المتظاهرين وتعرضهم للضرب على أيدي القوى الأمنية المولجة حماية المتظاهرين، على مكابرة أهل السلطة وانفصالهم كليا عن أرض الواقع، أرض الثورة…

راهنوا على كل ذلك وما زالوا. وقد ترتفع وتيرة الرهانات ويزداد رصيد عمليات القمع والإعتقال، ولكن الثورة التي اجتمع حولها المواطن الناقم على الطبقة السياسية، قبل أن يختلفوا حول خلفيّاتها، مستمرة وكذلك الإنهيارعلى المستويين الاقتصادي والاجتماعيّ، وقبلهما السياسيّ بكلّ تشعّباته.

وبين «مجهول» 2019 و»مجهول» 2020، علامات إستفهامٍ بالجملة تُطرَح، فهل يعبر لبنان «مسافة الأمان»، أم ينزلق إلى الخطر أكثر وأكثر؟ هل تكون الحكومة على قدر التحديات الثقيلة، أم أنّ الأخيرة ستكون أقوى منها؟ والأهمّ من هذا وذاك، هل تجتاز الثورة أو الحراك الإمتحان الأكبر، فتؤسّس للبنان الجديد، أم تنزلق في متاهات أزمة المصارف والغلاء الفاحش والبطالة وموجة الهجرة؟ وهل تفتح الثورة صفحة جديدة على تاريخ المجاعة في لبنان في ذكرى مئويتها الأولى؟

تعددت الرهانات ورهان الثوار واحد: مستمرون حتى نشهد على ولادة وطن يستحق تضحيات وصرخات وعيون شعبه التي فقأتها قنابل الثورة المضادة.

 

ما عاد الكلام عن دخول البلاد في قلب نفق الإنهيار مجرد شائعة أو من باب التهويل. وللذين حذروا مراراً وتكراراً من المجاعة، نقول إن المجاعة واقعة اليوم، ليس بسبب فقدان المواد الغذائية والحاجات الضرورية من الأسواق، فهذا قد لا يحدث أبدا، ولكن بسبب إرتفاع أسعارها بشكل جنوني  بحيث بات المواطن عاجزا عن شراء حتى الحاجات الأساسية عدا عن المستلزمات الطبية والأدوية. وفي توصيف لواقع الأزمة الإقتصادية يُجمع خبراء الإقتصاد على أن أسباب إنحدار الوضعين الإقتصادي والمالي نحو الهاوية يعود إلى السياسات الإقتصادية القائمة على هرمية المحاصصة والفساد والإهمال للقطاعات الإنتاجية، وغياب استراتيجيات التخطيط والرقابة والمحاسبة وضعف الإدارة على مدى ثلاثين عاماً.  خشبة الخلاص تتمثل في تشكيل حكومة وليس مطلق أي حكومة. المطلوب حكومة إختصاصيين مستقلين لوضع خطة اقتصادية إنقاذية مع التشديد على ضرورة إعتماد معايير الكفاءة العالية في مسألة التوظيفات لا سيما في الفئات الأولى بعدما كانت المعايير تعتمد على المحسوبيات والمحاصصة السياسية.

وفي ظل الأزمة الراهنة يبقى السؤال: هل يمكن للبنان أن يتغلب على هذه الازمة؟ وما هي السياسة التي يفترض أن تعتمدها الحكومة الجديدة؟

بداية لا بد من التأكيد على ضرورة وضع معايير لهذه السياسة وهي مالية وتنموية وإقتصادية:

• العمل على تغيير هيكلية الاقتصاد اللبناني من اقتصاد ريعي إستهلاكي إلى اقتصاد منتج من خلال وضع خطة تنمية شاملة تربط السياسة المالية وكيفية إدارة الحكومة لنفقاتها وإيراداتها، بالسياسة النقدية وكيفية تحديد أسعار الفائدة ولجم التضخم. مع دعم كافّة القطاعات الحيوية والإنتاجية منها الزراعة والصناعة والسياحة والتجارة والإتصالات والطاقة وذلك من خلال دراسة تطوير كل قطاع على حدى، وإحياء قيم العمل والتميّز والإبتكار وبرامج التحسين والتطوير وتوفير بيئة للأعمال من أجل رفع مستوى الإنتاج الوطني وتخفيف كلفته وحمايته من المنافسات الخارجية.

• خفض وترشيد الإنفاق العام والحد من هدر المال العام على المشاريع غير المجدية مع تشديد الرقابة على الإنفاق، وبالتوازي إعطاء الأولوية  للإنفاق الإستثماري من أجل تعزيز الإنتاجية وتمويل مشاريع فعالة على المدى القصير لتوفيرالمداخيل وخلق فرص عمل سريعة.

• إدارة الدين العام  وتبلغ النسبة حاليا من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي حوالى 152 في المئة، وتشكل نسبة الدين العام بالليرة اللبنانية 63.35 في المئة من إجمالي الدين العام، و92 في المئة من إجمالي الدين بجميع العملات تسيطر عليه مؤسسات محلية، مصرف لبنان بمقدار 40 في المئة، و35 في المئة في المصارف المحلية التجارية والباقي في المؤسسات العامة اللبنانية. ويمكن أن تطلب الحكومة من المصارف المحلية فترة سماح على ديونها على غرار ما فعلته عام 2002 حيث بلغت نسبة الدين العام 182 في المئة من إجمالي الناتج العام. وللحكومة الحق في طلب المساعدة من المصارف لتحقيق التوازن في الموازنة العامة من خلال قبول سندات خزينة بصفر فائدة لفترة زمنية كما حدث في نفس العام.

• مكافحة الفساد والتصدي له من خلال فتح أبواب المحاسبة والرقابة، وتفعيل دور ديوان المحاسبة والتفتيش المركزي. و في ما يتعلق بالفساد السياسي الذي يشكل عائقا أساسيا لإنجاز أي تقدم  في حل الأزمة، يجب أن تتضافر جهود الدولة والأحزاب والتيارات والفاعاليات لمكافحة الفساد ورفع اليد عن الفاسدين لمحاسبتهم.

• إستعادة الأموال المنهوبة والمفقودة من خلال قانون الإثراءغير المشروع، لذا يجب أن تكون هناك آليات واضحة ونية صادقة، وإزالة كل الخطوط الحمراء عن المتورطين، وإلغاء السرية المصرفية عن كل الذين تعاطوا الشأن العام، ورفع الحصانة عن النواب والوزراء، وبالتالي سيكون القضاء اللبناني أمام إمتحان صعب ليثبت نزاهته في استعادة الأموال المنهوبة والمفقودة.

• مكافحة الهدر المالي العام من خلال إعادة النظر بالعديد من الأمور وعلى سبيل المثال:

 

– الرواتب: فقد أظهرت التقارير أن نسبة 65 في المئة من إيرادات الدولة تذهب لرواتب موظفي القطاع العام وتقدر بحوالى 8 مليارات دولار للرواتب والأجور.

– كلفة الإيجارات التي تقدر بحوالی 150 مليون دولار سنويا كبدل إيجار لأبنية تشغلها الوزارات والإدارت والجامعات وتعود معظمها لنافذين سياسيين، في حين أن إيجار 3 سنوات تكفي لتشييد مباني تفي بالغرض، مع الإشارة إلى أن الدولة تملك حوالى 225 عقاراً في بيروت.

– التهرّب الضريبي الذي يقدر بحوالى 4 مليار دولار سنويا.

– الجمعيات والمجالس التابعة لأهل السلطة، إضافة إلى صندوق المهجرين ومصلحة السكك الحديدية، وإدارة البريد والنقل. وهذا يتطلب إرادة سياسية لإقفالها لأنها تكلف الدولة حوالى ألفي مليار ليرة سنويا.

– إستعادة الأملاك البحرية والنهرية التي تقدر بحوالى 65 مليار دولار وإخضاعها للضريبة على الأملاك المبنية.

– إصلاح النظام النقدي من خلال وضع هندسات مالية حقيقية وليس بدع هندسية كالتي ساهمت في نمو أرباح المصارف، وتفعيل دور الرقابة المصرفية وفصلها عن مصرف لبنان واستقلاليتها ماليا وإداريا.

– إعادة النظر بهيكلية معدلات الفائدة بين الودائع بالعملة الوطنية والدولار.

– إعادة النظر بزيادة أسعار الفائدة القائمة حاليا التي شجعت معظم الناس على تجميد أموالهم في المصارف، فانخفض الإستهلاك، وتراجعت الإستثمارات وارتفعت تلقائيا أسعار الفائدة على القروض، مما رفع كلفة الإستدانة والإستثمار، وتجاوزت نسبة الفوائد الدائنة على قروض الأموال للشركات الى أكثر من 15 في المئة، في المقابل يتوجب على المصرف المركزي العودة إلى قرار دعم أسعار الفائدة لخفض كلفة التمويل.

– تطوير البنى التحتية.

– إستعادة الثقة بالدولة لتشجيع حركة إستقطاب التحويلات وعودة الرساميل مما يشكل عاملا أساسيا لجذب الإستثمارات الأجنبية التي تساهم في علاج أزمة المديونية الخارجية من خلال آلية تحويل الديون إلى إستثمارات.

– العمل على هيكلية تسعير السلع الإستهلاكية بالليرة اللبنانية بناء على قانون النقد والتسليف الرقم 13513/1963 لا سيما المادة الأولى التي نصت على أن الوحدة النقدية للجمهورية اللبنانية هي الليرة اللبنانية. والمادة 192 منه، وبناء على قانون حماية المستهلك رقم 659/2005 لا سيما المادة 5 التي أوجبت الإعلان عن الثمن بالليرة اللبنانية بشكل ظاهر إما على السلعة وإما على الرف المعروضة عليه.

– ترشيد سياسة الإقتراض بشكل عام والإرتكاز على الإقتراض بالليرة اللبنانية وليس بالعملات الأجنبية.

-إطلاق المشاريع الإستثمارية المقررة في مجلس النواب والبالغة قيمتها 2,6 مليار دولار.

– الإسراع في عملية التنقيب عن النفط.

– تحرير إستيراد شراء النفط من إحتكارات الشركات الخاصة، على أن يتم شراء النفط حصرا من قبل الدولة اللبنانية دون الشرکات الخاصة، مما يوفر على الخزينة 220 مليون دولار سنويا و 20 في المئة على المواطن.

– حل مشكلة كهرباء لبنان من خلال بناء معامل إنتاج إضافية (1666 ميغاوات) قادرة على تغطية حاجة السوق في أسرع وقت ممکن، لأنها كبّدت الدولة أعباء مالية كبيرة حيث بلغ إجمالي عجز الكهرباء المتراكم 36 مليار دولا.

 

مغتربون لبنانيون: ضاع جنى عمرنا

يوم حملوا وطنهم وذكرياتهم في حقيبة واتخذوا من بلاد العالم موطناً لهم، بحثاً عن عمل أو شهادة جامعية أو جنسية أجنبية أو إستقرار وأمان، كانوا يحلمون بالعودة إلى كنف الأرض وبيت الضيعة ذات يوم أو على الأقل أن يستثمروا أموال الغربة القاسية في مشاريع داخل وطنهم الأم وإعالة أولادهم وعائلاتهم من أموالهم التي أودعوها في المصارف اللبنانية. وجاءت الصدمة. فما أن تفجّرت الأزمة النقدية ودخل لبنان مرحلة شحّ الدولارات، حتى سارعت المصارف إلى الحجز على أموال المقيمين والمغتربين على السواء، من دون توضيحات أو تطمينات أو حتى مصارحة. أكثر من ذلك، إعتمدت المصارف بين ليلة وضحاها نظام الـ Capital Control  بطريقة غير مباشرة أو قانونية، ففرضت القيود على التحويلات المالية من الليرة إلى العملات الأجنبية، وعلى التحويلات من لبنان إلى الخارج.

وإذا كانت القيود المصرفية شكّلت صدمة للمقيمين من اللبنانيين، إلا أنها أشاعت حالا من الإحباط بين المغتربين وهم الاشد تأثراً بالقيود المصرفية من الزبائن المقيمين، من دون النظر إلى الخلل الذي أحدثته في مسار حياتهم والتزاماتهم في دول الإغتراب. وفي حين استثنت بعض المصارف عددا من كبار مودعيها من تلك القيود، وأتاحت لهم تحويل مكتنزاتهم إلى الخارج، تتمسكّ وبصرامة بتطبيق القيود على أبسط تعاملات صغار المودعين، من دون أدنى مراعاة لظروف إنسانية أو معيشية قاسية قد يواجهها مغتربون لبنانيون في الخارج، خصوصا أن القيمة التي يمكن أن يتصرف بها المغترب لا تتجاوز ال200 يورو. فكيف يمكن لعائلة لبنانية مغتربة في أن تؤمّن تكاليف معيشتها اليومية وتكلفة السكن والأقساط المدرسية ورسوم التعاملات الرسمية بـ200 يورو أسبوعياً فقط؟

ثمة من فكر بالسفر إلى لبنان وسحب مبلغ مالي بالليرة اللبنانية وتحويله إلى دولار عبر الصرّافين. إلا أن العقبات كثيرة أمام هكذا حلول، منها تكبّد تكاليف سفر إلزامي وخسارة ما لا يقل عن 30 في المئة من المدخول كفارق سعر الصرف. وتبقى العقدة الأساس أن كامل التعاملات في بلاد الإغتراب لا تتم نقداً إنما عبر تحويلات مصرفية.

هواجس المغتربين وقلقهم من ضياع أموال جنوها على مرّ سنوات خارج وطنهم، زرعت في نفوسهم الكثير من الغضب والقهر، وعزّزت إحساسهم بالغدر من قبل سلطات بلدهم، والعجز عن إستحصالهم على حقوقهم ومدخراتهم. وأشاعت بينهم توجهات «إحترازية» تقضي بعدم تحويل أي أموال إلى لبنان عبر المنظومة المصرفية. والتراجع الكبير في التدفقات المالية للمغتربين إلى لبنان لم يكن مفاجئاً بالنسبة إلى خبراء الإقتصاد والمال، الذين حذّروا منذ اليوم الأول لفرض القيود على التحويلات، من أن تلك القيود وإن كانت غير رسمية إلا أنها ستطيح بشريان الحياة المالية في  لبنان، وهو أموال المغتربين.

مع إستمرار المصارف في فرض القيود القاسية وفي ظل عدم وجود رؤية اقتصادية مالية ونقدية واضحة، وغياب حكومة، وانعدام أي مبادرات رسمية لحل الأزمة، إزداد القلق لدى اللبنانيين المقيمين في الخارج وفقدوا الأمل من استعادة مدخراتهم التي جمعوها «بالقطارة». ويقول لبناني مقيم في إحدى الدول العربية منذ 20 عاما: «كنا مطمئنين نوعاً ما إلى انقشاع تلك الغيمة نظراً لثقتنا بتأكيدات مصرف لبنان مراراً بأن حجم إحتياطي العملات الأجنبية لا يزال مرتفعاً نسبياً، إلا أن صدور تقرير «ميريل لينش» مؤخراً وكشفه عن الضعف المخزي للإحتياطات الأجنبية أفقدنا أي أمل باستعادة أموالنا. كيف يمكننا أن نثق بعد اليوم بالمصارف اللبنانية ونحوّل أموالنا إلى لبنان؟ فعلاً إنه أمر مستحيل».

هي حال اللبناني الذي أمضى عمره في الخارج على أمل أن يعود يوما إلى وطنه الأم لاستثمار جنى العمر وقضاء ما تبقّى منه في ربوعه بطريقة عيش هانئة ومطمئنة. فكانت النكسة: «سرقونا وقضوا على جنى عمرنا». فكيف الحال بالنسبة إلى اللبناني المقيم والذي ينتظر راتبه آخر الشهر فإذا به يشحذه بالذل من أمام أبواب المصارف. هذا إذا بقي في وظيفته ليقبض راتبه.

(يتبع)

حرب ضد الجوع – 2

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل