قرار اغتيال سليماني: إنقلاب المقاييس

كتب نجم الهاشم في “المسيرة” – العدد 1703

 

لماذا قررت واشنطن إغتيال اللواء قاسم سليماني؟ من زمان كانت الإدارة الأميركية أوقفت إعتماد عمليات الإغتيال. قد تكون آخر محاولات الإغتيال التي جربتها إستهدفت الرئيس الكوبي فيديل كاسترو وقد فشلت كلها. إغتيال سليماني لم يكن التعبير الأول عن العودة إلى استراتيجية الإغتيال. قبله تم إغتيال أسامة بن لادن وأبو بكر البغدادي. ولكن المسألة مع سليماني مختلفة وهي مؤشر لقرارات أميركية أكبر تتعلق بالحرب المفتوجة مع إيران منذ العام 1979 تاريخ قيام الجمهورية الإسلامية بقيادة الإمام آية الله الخميني.

كانت الولايات المتحدة متهمة دائمًا بأنها تستطيع أن تغيّر أنظمة وتسقط دولاً ورؤساء وتنفذ إنقلابات. في 25 تشرين الأول 1983 بعد يومين على التفجير الإنتحاري الذي استهدف مقر قوات المارينز في لبنان غزت القوات الأميركية جزيرة غرينادا الواقعة في جزر الهند الغربية على بعد 100 ميل (160 كم) شمال فنزويلا، وقد أُطلق عليها إسم عملية الغضب العاجل. أسفرت العملية عن إنتصار أميركي في غضون أيام قليلة وعن إقامة حكم جديد بعد القضاء على الحكومة الشعبية الثورية التي وصلت إلى السلطة بانقلاب عسكري في العام 1979 وقد تحول تاريخ الغزو إلى عيد وطني.

وفي أيلول 1989 غزت القوات الأميركية جزيرة بنما وأسقطت حكم الرئيس مانويل نورييغا واعتقلته وحاكمته بتهم الإتجار بالمخدرات وتبييض الأموال وحكمت عليه بالسجن لمدة 20 عامًا.

قبل ذلك حاولت واشنطن على عهد الرئيس جيمي كارتر تحرير الرهائن الذين احتُجزوا في سفارتها في طهران في 4 تشرين الثاني 1979 من خلال عملية عسكرية سميت «مخلب النسر» كانت صحراء طبس في إيران مسرحًا لها ولكنها باءت بالفشل وألغيت بعد اصطدام طائرات الإنزال ببعضها وسقوط عدد من القتلى من القوة المكلفة التنفيذ. منذ ذلك التاريخ كانت واشنطن تتلقى الضربات من إيران وأتباعها من دون أن تقوم برد فعل بحجم تلك الضربات، الأمر الذي جعل طهران تعتقد أنها ستبقى بأمان. إغتيال سليماني جاء ليغيّر هذه المعادلة ويقلب المقاييس. وهو بطبيعة الحال عمل أمني كبير لا يمكن وضعه في السياق نفسه مع العمليات المماثلة التي استهدفت قيادات التنظيمات الأصولية السنيّة في «القاعدة» و»داعش».

في 2 أيار 2011 على عهد الرئيس باراك أوباما، نزلت قوات خاصة أميركية في منطقة أبود آباد على بعد 120 كم عن إسلام أباد في عملية إقتحام إستغرقت 40 دقيقة واستهدفت مبنى كان يقيم فيه أسامة بن لادن مع عدد من أفراد عائلته ومساعديه في عملية أطلق عليها إسم «جيرانيمو» أحد رموز زعماء قبيلة الأباتشي. بعد عشرة أعوام على تفجيرات 11 أيلول تمكنت المخابرات الأميركية من تحديد مكانه وأتت إليه ولم تتأخر في أطلاق النار على رأسه ونقل جثته ثم رميها في البحر لاحقاً. كان إنتقامًا كبيرًا لغزوة 11 أيلول وكان قرارًا أميركيًا كبيرًا تم تنفيذه على أرض دولة أخرى، ولكنه كان تعبيرًا عن العودة إلى إستخدام كل مقوّمات القوة للتخلص من أحد أهم أعداء أميركا.

لم تتوقف الحرب الأميركية ضد قيادات «القاعدة» بعد اغتيال بن لادن. في 22 حزيران 2017 لاحقت طائرة مسيّرة أمير «القاعدة» في اليمن أبو خطاب العولقي وأطلقت عليه عددًا من الصواريخ وقتلته. تلك العملية كانت من ضمن عمليات كثيرة اعتمدت هذا الأسلوب الذي طبق في عملية إغتيال سليماني وقد تكثفت بعد وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض.

ولكن العملية الأميركية الأبرز كانت بقرار من الرئيس ترامب في سوريا في 27 تشرين الأول 2019 في قرية باريشا في أدلب حيث تسيطر القوات التركية والتنظيمات الأصولية، وقد استوجبت هذه العملية إعلام الروس بها لأنها اقتضت عبور الطوافات التي أقلّت الجنود الأميركيين أجواء سوريّة تسيطرعليها القوات الروسية وإنزال قوة أميركية على الأرض تولّت التنفيذ والتصوير ونقل جثة البغدادي بعد فحصها والتأكد من هويته قبل إلقائها لاحقاً في البحر.

هذه العمليات من باكستان إلى سوريا كانت تعكس خروج واشنطن من عقدة عملية «مخلب النسر». وإذا كانت هذه العمليات مفهومة ضد تنظيمات هزمت عسكريًا وتوارت قياداتها عن الأنظار، فإن قرار إغتيال سليماني يأتي في سياق فتح الحرب مع إيران.

عندما قرر الرئيس ترامب الخروج من الإتفاق النووي وفرض العقوبات المشددة على إيران ومنعها من تصدير النفط، عملت طهران على محاولة إستفزازه لدرس مدى قدرته على الرد. عندما أسقطت الطائرة الأميركية المسيّرة في 20 حزيران 2019 لم يرد ترامب على أساس أن العملية لم تؤدّ إلى سقوط قتلى أميركيين. إعتقدت إيران أنه يهوّل فقط. ولم يخطر في بالها أن سليماني قد يكون هدفاً. فقائد فيلق القدس المحرّك لكل التنظيمات التي تدعمها إيران في المنطقة لم يكن يعتمد السرية المطلقة في تحركاته. لذلك كان انتقاله من بيروت إلى دمشق إلى مطار بغداد عاديًا بالنسبة إليه. لم يتوقع أبدًا أن تكون الطائرة الأميركية المسيّرة بانتظاره. كان هذا الأمر خطأ كبيرًا. الخطأ الأكبر كان إنتقاله في موكب واحد مع القيادي في الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس.

في الحرب المفتوحة مع إيران وضع ترامب البرنامج النووي الإيراني والصواريخ الباليستية وأذرع إيران وتمددها في المنطقة أهدافا رئيسية. إغتيال سليماني قائد هذه الأذرع يعني أن الحرب تتم تحت عنوان إعادة إيران إلى إيران. الرد الإيراني على قاعدة «عين الأسد» الذي لم يوقع إصابات بالأرواح بين الجنود الأميركيين لم يؤد إلى رد أميركي أكبر. واشنطن تفتح باب الحرب وباب الحوار للتفاوض تحت السقف الذي تحدده. أثبت ترامب أنه لا يهدد فقط وأنه مستعد للذهاب نحو قرارات أكبر وأخطر. الأمين العام لـ»حزب الله» السيد حسن نصرالله هدد بطرد الجيش الأميركي من المنطقة. ولكن هل يمكنه أن يحقق هذا الهدف؟ عملية الإغتيال تعني أن واشنطن لن تقف مكتوفة الأيدي حيال التعرّض لها كما حصل في لبنان مثلاً بعد تفجير سفارتيها في عين المريسة وعوكر ومقر المارينز في بيروت وبعد خطف طائرة ال تي دبليو أي. فهل سيكون بإمكانها تحمُّل تبعات قلب المقاييس وتغيير قواعد اللعبة؟

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل