من الخميني الى سليماني: حرب عمرها 40 عاماً – 2

خاص “المسيرة” – واشنطن – العدد 1703

من الخميني الى  سليماني

حرب عمرها 40 عامًا وإسقاط النظام وارد (2)

 

الولايات المتحدة الأميركية وإيران، دولتان تتوجسان من بعضهما البعض منذ نحو سبعين عامًا، وتميّزت علاقة هاتين الدولتين بتاريخ قصير من التحالف والصداقة، وبسجل حافل وطويل من العداء والإنتقام، لدرجة يمكن القول معها إن ما شهدته العلاقة الدراماتيكية بين هاتين الدولتين على مدى عقود يرسم إلى حد كبير ما جرى ويجري في منطقة الشرق الأوسط برمتها، ولا سيما بعد سقوط معادلة العلاقة الممتازة مع رجل أميركا القوي، وشرطي الخليج، وقيام جمهورية إيران الإسلامية مع مؤسسها قائد الثورة الإسلامية آية الله الخميني، عام 1979. فبعدما أمضى الخميني أكثر من 15 عامًا في المنفى لمعارضته للشاه، عاد إلى إيران وأطاح بالشاه، وبدأت أولى مراحل النزاع المكشوف مع أميركا.

ظل التدخل الأميركي الذي أطاح بحكومة مصدق عام 1953، أحد المكونات الرئيسية للذاكرة السياسية للنظام الإيراني الجديد، والذي لم يستبعد قيام الولايات المتحدة الأميركية في أي لحظة بتكرار ذلك الدور نفسه، وقد كان ذلك في الواقع أحد الأسباب المهمة وراء الإجراءات القمعية التي اتخذها النظام في تلك الفترة من أجل إحكام السيطرة على البلاد بما لا يسمح بتكرار وقائع 1953. وقد كرّس التوجس الإيراني إزاء الولايات المتحدة قيام الأخيرة بدعم العراق عندما اندلعت الحرب العراقية ـ الإيرانية، ثم قيامها بالتدخل المباشر عام 1988، والذي أسفر عن ضرب عدد من المنشآت البترولية الإيرانية، ثم إسقاط الطائرة المدنية الإيرانية التي راح ضحيتها 290 شخصًا. وكان هذا الموقف الأميركي هو أحد الأسباب المباشرة وراء قرار الخميني الصعب بإنهاء الحرب مع العراق، حيث اعتبر الموقف الأميركي بمثابة إنذار لإيران بمزيد من التدخل القوي بجانب العراق.

أما على الجانب الأميركي، ظلت واقعة إحتجاز الرهائن الأميركيين التي أنهت حكم الرئيس كارتر ماثلة في الذاكرة الأميركية، والتي كرّس منها في الواقع دعم إيران لعدد من التنظيمات الإسلامية؛ سواء في لبنان أو فلسطين. ومن المفارقات الجديرة بالتأمل، أن ضلوع إدارة ريغان في صفقة سلاح مع إيران، عُرفت لاحقاً بفضيحة إيران كونترا، قد أضافت إلى مخزون الذاكرة الأميركي عنصراً إضافيًا حيث صارت إيران مسؤولة عن طرد رئيس من البيت الأبيض وهو جيمي كارتر، وتشويه آخر بفضيحة سياسية كبيرة وهو ريغان.

 

إقتحام السفارة في بغداد

إعتبر الخبراء في واشنطن أن إيران أظهرت على مدى السنوات الإحدى والأربعين الماضية أنها ماضية في تنظيم الحروب غير المنتظمة، تاركة الولايات المتحدة في حيرة بشأن كيفية الرد. ولم يفعل الإتفاق شيئاً للحد من قوة إيران الإقليمية وربما عززها برفع العقوبات الاقتصادية، لكنه أوقف على الأقل تطوير إيران للأسلحة النووية. ولكن محاولة إقتحام السفارة الأميركية في بغداد شكل تذكيرا آخر بأنه في الصراع الذي طال أمده بين الولايات المتحدة وجمهورية إيران الإسلامية، تعرض الأميركيون للهزيمة والإذلال من قبل خصم أصغر ولكن أكثر قسوة وعزماً. وهذا ما لن تسمح به الإدارة الأميركية الحالية ذات الإتجاهات المحافظة، من خلال بروز الدور المتشدد لكل من نائب الرئيس الأميركي مايك بنس، ووزير الخارجية مايك بومبيو.

وقد ردت إيران المحاصرة ووكلاؤها على سياسة العقوبات القصوى من خلال مهاجمة ناقلات النفط في الخليج العربي، وإسقاط طائرة أميركية بلا طيار، وضرب منشأة نفطية سعودية رئيسية بصواريخ كروز وإطلاق صاروخ على مجمّع بالقرب من كركوك بالعراق. وقد قاد الهجوم الأخير، الذي أسفر عن مقتل متعاقد أميركي وإصابة أربعة من القوات الأميركية، ترامب للانتقام بشن ضربات جوية في جميع أنحاء العراق وسوريا أسفرت عن مقتل 25 عضواً من أعضاء كتائب حزب الله وهي ميليشيا مدعومة من إيران يُلقى عليها اللوم في الهجوم الصاروخي، وعن إثارة موجة غضب مناهضة للولايات المتحدة. ولعل ما دفع بأميركا إلى اتخاذ قرار استراتيجي أمني بالإستهداف المحكم لقائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، هو إستهداف مجمّع السفارة الأميركية في بغداد حيث تبلغ مساحتها مدينة الفاتيكان ولذلك، كانت عملية إقتحام المئات من أنصار جماعة كتائب حزب الله، وهي ميليشيا تدعمها إيران، للمجمّع ونهبهم لمناطق الإستقبال المألوفة لجميع الزوار أكثر إثارة للصدمة. فقد استحضر ذلك على الفور الذكريات المروعة لأزمة الرهائن الإيرانية التي وقعت بين عامي 1979 و1981 في أذهان العديد من الأميركيين. وقد ردد المحتجون شعار الموت لأميركا الذي ردده محتجزو الرهائن في طهران. وهنا رأى المسؤولون في واشنطن أنه لحسن الحظ، إنتهى غزو السفارة الأميركية في بغداد من دون أن يتعرض أي أميركي للأذى بعد وصول قوات الأمن العراقية متأخرة لاستعادة النظام وفرض الأمن. ولكن المراقبين يعتبرون، أن التحدي الفوري الذي يواجه إدارة دونالد ترامب هو العمل على إحتواء كل ما جرى في ساحة العراق. فقد كان مقتل سليماني على يد القوات الأميركية تطوراً كارثياً بالنسبة للعراق، الذي يخشى أن يصبح ساحة المعركة المركزية في المواجهة العسكرية المتصاعدة بين إيران والولايات المتحدة.

 

قتل سليماني: قراءة كروكر

من أجل استعراض الأسباب الموجبة لهذه هذه العملية يمكن التوقف عند ما كتبه رايان كروكر، وهو سفير أميركي سابق لدى أفغانستان والعراق وباكستان وسوريا والكويت ولبنان ودبلوماسي مقيم في جامعة برينستون، في صحيفة نيويورك تايمز، بعد تنفيذ عملية الاغتيال. وقد قال صراحة إنه إذا كان قتل اللواء قاسم سليماني، قائد قوة القدس الإيرانية، عملاً حربياً، فقد كان جزءاً من حرب تشارك فيها الولايات المتحدة وإيران بالفعل. وتعود تلك الحرب إلى لبنان في أوائل ثمانينات القرن الماضي، حيث أنشأ أسلاف اللواء سليماني ما أصبح جماعة حزب الله. فقد ساعدت إيران، بمساعدة سوريا، في تنظيم تفجيرات عام 1983 للسفارة الأميركية والثكنات البحرية الأميركية في بيروت والتي أسفرت عن مقتل 241 أميركيًا شاركوا في مهمة لحفظ السلام. ويروي كروكر ما شاهده جراء هذه الإعتداءات على الأهداف والمصالح الأميركية، وقال إنه شهد، كمسؤول شاب في وزارة الخارجية نجا من تلك التفجيرات، كيف نجحت إيران في إجبار الولايات المتحدة على سحب قواتها من لبنان عن طريق الإرهاب. ويتابع قائلاً إنه ساعد لاحقاً، أثناء عمله كسفير في لبنان، في تحميل رفات إثنين من الأميركيين الذين قُتلوا على يد حزب الله على متن طائرة مروحية قبل عيد الميلاد في عام 1991. وفي سوريا، كسفير بين عامي 1998 و2001، يقول الكاتب إنه شهد التنسيق الذي أجرته سوريا مع إيران لدعم حزب الله واحتضان الرئيس بشار الأسد لزعيم حزب الله. ويضيف أنه حضر، كسفير في العراق بعد سنوات، مراسم تكريم الجنود الأميركيين الذين قُتلوا على أيدي الميليشيات الشيعية التي يدعمها اللواء سليماني. ولذلك عندما تأكد مقتله، كانت اللحظة حافلة بالإرتياح الصامت بالنسبة للكاتب، فقد رحل عدو عتي للولايات المتحدة، ولن يتم إستبداله بسهولة. ويمثل ذلك ثأراً من نوع ما لمئات الأرواح الأميركية التي زهقها على مر السنين.

لكن السفير كروكر يسأل ماذا بعد؟ وهنا يجيب أن الولايات المتحدة منخرطة فيما يمكن وصفه بهيمنة التصعيد، وهذا يعني أنها تحتاج إلى حساب كيف من المحتمل أن يستجيب الخصم لتحرك معين من جانبها؟. وما هي نقاط ضعف الولايات المتحدة وما هي نقاط ضعفهم.؟ وأضاف أنه بناء على ردود فعل الخصم، ما هو نطاق الخطوات التالية بالنسبة للولايات المتحدة؟ وكيف يمكن للولايات المتحدة زيادة ألم الإيرانيين بينما تحرمهم من فرصة الرد؟

ويشير الكاتب إلى أنه في السياق المعقد للمواجهة مع إيران، يمكن وصف الأمر بأنه لعبة شطرنج متعددة الأبعاد. إذ تملك الولايات المتحدة قوات في العراق وسوريا، وكذلك وجوداً عسكرياً في جميع أنحاء الخليج العربي. وتُعد هذه القوات أصولاً هامة، ولكنها أيضاً أهداف محتملة، كما البلدان التي توجد فيها. ويوضح كروكر أن هيمنة التصعيد ليست مقياساً بسيطاً للقوة، بل تتعلق بالطرف الذي من المرجح أن يسود في سياق معين، بالنظر إلى القدرات والعزم والأولويات والصبر. وقد تتضمن محاولة هيمنة التصعيد من جانب إيران تهديدات وتحركات ضد الحلفاء الأميركيين الإقليميين، وهجمات متواصلة على حركة ناقلات النفط في الخليج، وهجمات مباشرة على منشآت الولايات المتحدة في المنطقة. لكن الخيارات المتاحة لإيران ومؤيديها ليست حركية فحسب. فحتى قبل ضربة سليماني في بغداد، طرحت الأحزاب السياسية القريبة من إيران إمكانية سن تشريع في البرلمان العراقي للمطالبة برحيل جميع قوات الولايات المتحدة من البلاد.

ويتساءل السفير كروكر إلى أي مدى قد تذهب الولايات المتحدة في أي سلسلة تصعيد، معرباً عن أمله في أن تكون الإدارة قد فكرت في ذلك قبل قتل سليماني. وسيتعين على إدارة ترامب فهم التعقيد الكامل للنزاع الذي صعدته للتو، وحشد مجموعة كبيرة من المتخصصين والخبراء في شؤون المنطقة والإستفادة منهم، والعمل عن كثب مع الحلفاء، وقبل كل شيء، الإلتزام بالتوصل إلى نهاية لما كانت بالفعل حرباً طيولة.

 

دور بنس وبومبيو والمحافظين الإنجيليين

إستيقظ وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو يوم الثلاثاء في الحادي والثلاثين من كانون الأول وعشية بدء العام الجديد على مكالمة هاتفية في الساعة الرابعة صباحاً لتنبيهه إلى وجود مظاهرة كبيرة خارج مقر السفارة الأميركية في بغداد. وعندما بدأ المتظاهرون في إلقاء قنابل المولوتوف على المجمع المحصن بشدة، ناقش بومبيو التهديد الأمني الجديد الذي يواجه دبلوماسييه في مكالمات هاتفية بدأت في الساعة الرابعة والنصف صباحاً مع وزير الدفاع الأميركي مارك إسبر ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال مارك ميلي والسفير الأميركي لدى العراق ماثيو تويلر. وتحدث الوزير أيضاً مع الرئيس دونالد ترامب عدة مرات وتُوِّجت هذه المكالمات بقرار ترامب بالموافقة على قتل قائد فيلق القدس التابع لحرس الثورة الإسلامية الإيرانية، اللواء قاسم سليماني، بعد تشجيع من بومبيو ونائب الرئيس مايك بنس.

وكان بومبيو قد خسر مداولات مماثلة عالية المخاطر في الصيف الماضي عندما رفض ترامب الانتقام عسكرياً من إيران بعد أن أسقطت طائرة استطلاع أميركية بلا طيار، وهي نتيجة أثارت حفيظة بومبيو، بحسب مسؤول أميركي. لكن التغييرات الأخيرة التي طرأت على فريق ترامب للأمن القومي وهواجس الرئيس الذي يخشى أن يُنظر إليه على أنه متردد في وجه العدوان الإيراني أتاحت فرصة لبومبيو للضغط من أجل نوع التحرك الذي كان يدعو إليه. وتمثل إشارة الضوء الأخضر للغارة الجوية بالقرب من مطار بغداد انتصاراً هاما لنهج بومبيو.

وبالنسبة للوزير بومبيو، تمثل طموحاته السياسية مصدراً لتكهنات مستمرة. ولكن على الرغم من مخاطر أي عملية كبرى تستهدف مسؤولين إيرانيين إلا أن هذه الاعتبارات لم تمنع بومبيو من الضغط من أجل توجيه الضربة المستهدفة، ما يؤكد هوسه بإيران الذي يعود إلى عشر سنوات من العمل في الكونغرس ثم في وكالة الاستخبارات المركزية ثم في وزارة الخارجية.

وتكشف المعلومات أن بومبيو كان تحدث لأول مرة مع ترامب حول قتل سليماني قبل عدة أشهر، لكن لم يكن الرئيس ولا مسؤولي البنتاغون على إستعداد للقيام بمثل هذه العملية. ولأكثر من عام، حذر مسؤولو الدفاع الأميركيون من أن حملة العقوبات الاقتصادية التي تفرضها الإدارة على إيران زادت التوترات مع طهران، ما يتطلب تخصيص حصة أكبر من الموارد العسكرية للشرق الأوسط في وقت أراد فيه كثيرون في البنتاغون إعادة نشر القوة العسكرية الأميركية في شرق آسيا.

وهكذا يبدو أن ترامب يعتمد بشكل كبير على وزير الخارجية مايك بومبيو في تلقي إرشادات بشأن قرار استهداف سليماني وتداعيات الضربة، فضلاً عن تقديم دلائل علنية على أن العملية كانت مبررة. ويُعتبر بومبيو العضو الأطول بقاء في دائرة ترامب الداخلية، حيث شغل منصب مدير وكالة الإستخبارات المركزية قبل الإنتقال إلى وزارة الخارجية. كما يُعتبر صوتاً ذا مصداقية بين المحافظين، بما في ذلك في دوائر السياسة الخارجية التي تتشكك في ترامب.

ولا بد من الإشارة إلى أنه منذ أن أصبح ترامب رئيسًا، وهو يرى أنه يستحق مساندة كبيرة من المسيحيين الإنجيليين، مدعوما باختياره للإنجيلي المؤثر مايك بينس، في منصب نائب الرئيس. ففي الانتخابات الرئاسية عام 2016، حصل ترامب على أصوات 80 في المئة من الذين يصفون أنفسهم بأنهم مسيحيون بيض ومن المسيحيين الإنجيليين أو المولودين حديثاً، وفقا لتحليل أجراه مركز بيو للأبحاث. وجاء فوز ترامب بأصوات الإنجيليين إتباعا لنمط سياسي في الولايات المتحدة: فمنذ الانتخابات الرئاسية في عام 2004، يصوّت المسيحيون البيض، المولودون حديثا والإنجيليون عموما، لصالح المرشح الجمهوري. لكن دعم الإنجيليين لترامب لا يمكن تفسيره فقط في إطار الإنتماء الحزبي. في الواقع، تمكن الرئيس الأميركي من الحصول على ما هو أكثر من الدعم من هؤلاء الذين ساهموا من قبل في فوز الرئيس جورج بوش الإبن في 2004، وساندوا أيضا مرشحي الرئاسة جون ماكين في عام 2008 وميت رومني في عام 2012، رغم هزيمتيهما أمام الديمقراطي باراك أوباما.

وهذا الدعم ضروري للرئيس ترامب، من أجل ضمان الفوز في الانتخابات الرئاسية التي ستجري في تشرين الثاني من هذا العام وهو سيعتمد بالتأكيد من أجل ضمان بقائه في البيت الأبيض لفترة ثانية، على فوز آخر بين جماعات المحافظين الاجتماعيين، بينهم المسيحيون الإنجيليون.

(يتبع)

من الخميني الى  سليماني: حرب عمرها 40 عاماً – 1

لإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل