بجوار الرب واحبائك الشهدا يا بونا سوفور

لم أعرفه شخصياً، لكن يبدو لي أحياناً أني أعرفه منذ دهر، كما غالبية المقاومين الشهداء والاحياء. من أنا اساسا في كتاب تلك المقاومة الشريفة المقدسة؟! لست مقاتلة ولم يكن لي حتى شرف الاستشهاد، اي بمعنى بذل الدماء، او الشهادة بمعنى الحضور الحي على الكثير الكثير من تفاصيلها العظيمة.

انا شاهدة على بعض منها، وقرات الكثير الاكثر بكثير، لأعرف وافهم لماذا انا متورطة الى هذه الدرجة بهذا الحب الكبير، ولعله حب حياتي. مما قرأته في سجلها الممتلئ ذهبا من تراب الارض وعزها، حضور كاهن لم يكن يوما بكاهن عادي، مسؤول عن رعية مار مخايل النهر، بل كاهن يسمى “المرشد الروحي للمقاومة اللبنانية”، كاهن مقاوم مؤمن بنضال الابطال الى ابعد الحدود، الى حدود الانتماء حتى الاستشهاد، فكان الاب المونسينيور سوفور الخوري، وكانت تلك الحكاية المبللة بالإيمان المطلق بالرب يسوع وبالمقاومين لأجل لبنان.

سوفور الخوري؟ أهو فرنسي الاصل؟ “لاء يا رفيقة هو لبناني اكتر مني ومنك ومن ضيعة عين درافيل بهالجبل الاخضر” قال لي صديقي المناضل مانو خوري. صور المونسينيور انتشرت فجأة على صفحات الرفاق مصحوبة بكلمات الوداع المؤثرة، كمن يبكي على رفيق وصديق واب حنون، شو القصة يا شباب ليش هالقد زعلانين على هالابونا؟ “لانو ابونا مناضل شجاع من ايام الشيخ بشير ولحتى مبارح بقي رفيق سمير جعجع” يقول المناضل فادي عازار الذي رافقه في الكثير من محطات النضال ورفاقه.

فاتني الكثير إذاً عن حكاية كاهن لم يكن كاهنا بالمعنى التقليدي للكلمة، بل بدا وكأنه من جنود مار مارون ومن بعده يوحنا مارون، اولئك الرهبان الذين غرزوا الوعر بالإنسان، وفتتوا صخور الجماد لينبت الحب في كل قلب متحجّر، وزرعوا الانسانية ما يكفيها دهورا من خميرة المحبة.

في حكايات الشباب الكثير الكثير عن بعض حكايات الاب الحنون، الذي كان يذهب ليلا الى قريته والجوار حاملا معه المساعدات المادية والغذائية يوزعها سرا تحت جنح الظلام على الفقراء “يتصل فيي باخر الليل او وج الصبح ويقلي خبروني في ختياريي ساكنين بالضيعة لحالن وما الن حدن بدي اياك تجي معي بالليل تـ نبرم علين ونساعدن، ويحمّل سيارتو بالغراض لـ اشتراها من جيبتو وما يخبّر حدن” يقول مانو خوري.

رفيق البشير منذ بداية نضاله مع الشباب، لم يترك الشباب ولا النضال، كان مؤمنا بالمقاومة اللبنانية التي قاومت حتى الاستشهاد، الاحتلالات المتعاقبة على لبنان وخصوصا المسلحين الفلسطينيين والاحتلال السوري، “كان حاضن للمقاومة، وهو من بين الكهنة لـ تسلموا الارشاد الروحي لشباب القوات، وباواخر الثمانينات استحدثت القيادة كنيسة بالمجلس الحربي كان دايما يقدّس فيها مع ابونا بطرس خوند الحبيس، ويهتم فينا روحيا ويومها تعرّفنا عليه” يقول فادي عازار.

كان كاهنا لرعية مار مخايل ويعتبرها منطقة المقاومين الذين لولا نضالهم لتغير وجه لبنان كليا. مقاوم على طريقته، بالصلاة وبمساندة من يحملون المسبحة والبندقية لاجل كرامة لبنان. “كلنا تحلقنا من حولو وخصوصا الشباب بمنطقة مار مخايل والمدور والرميل والأشرفية والصيفي وصرنا نقوى اكتر بحضورو معنا هو ورفاقو الكهنة ودعمهم لقضيتنا” يقول عازار.

الشجاع المؤمن لم يبال باي انتقادات، كان مؤمنا بان لبنان ما كان لينجو لولا مقاومة هؤلاء الشباب، ولولاهم لمرت طريق القدس فعلا من جونيه، ولأصبح لبنان مقاطعة سورية لحافظ وبشار الاسد. حين كان يتولى قداس الشهداء في كنيسة مار مخايل حيث مدافن الشهداء قبل انشاء مدافن طبريا، كانت عظته تدوي في المنطقة، حيث يجاهر وبكل فخر بعظمة الشهادة وبنبل نضال المقاومين. كان ثائرا يصرخ بالصوت العالي مناديا بلبنان والدنيا تحاصره بالاحتلال. متسلحا بالمسيح ومن حوله سلاح الغريب مسلط على الشرفاء والانقياء. بالصليب وحده قاوم، وبالصليب دافع عن وطنه وقيمه ونضال الشباب.

“من كم سنة نشرت صور عن بلاطات الشهدا المهملة بمدافن مار مخايل، بيتصل فيي الحكيم وبيطلب اني عالج الموضوع واستأذن المونسينيور سوفور الخوري، اتصلنا فيه وبيقلي حرفيا “وعم تطلب اذن؟! اعملوا اللازم وكرموا هالشباب وجددوا البلاطات وشو بتعوزو أنا معكن وبساعدكن” وهيك صار ووضعت البلاطات، ويوم التدشين كانت أول مرة بشوف دمعة المونسنيور لـ حاول يخبيها قدام رفيقينا طوني زهرا وعماد واكيم بس ما قدر”، يقول عازار.

“انتم الذين في المسيح اعتمدتم قد لبستم المسيح، قد اصطبغتم بموته وقيامته فلن يسود عليكم الموت. حياتي هي المسيح والموت ربح لي” كلمات القديس بطرس كان يرددها ابونا سوفور، ويقول الرفاق “كدنا ننسى انها كلمات القديس بولس واصبحنا ننسبها اليك، فقد كنت ترددها حتى بات الموت جميلا في اعين سامعيك”.

صديق الحكيم لم يتخل عنه يوما ايام الاعتقال، كان يزوره دائما في المعتقل ويطمئن اليه، ولما تحرر بقي على تواصل دائم معه. في آخر قداس للشهداء في معراب في ايلول الماضي، كان يعاني ضيقا في التنفس، شارك في الذبيحة الالهية واخذ معه الة التنفس الاصطناعية، لم يكن يبالي لا بالطقس ولا بأي شيء، المهم ان يشارك في الذبيحة الالهية عن روح الاف الشهداء “هودي بركة لبنان وقيمته الروحية والنضالية الكبيرة وبيبقوا معنا لاخر العمر” يقول بتأثر بالغ كلما تحدث عنهم وكأنهم حاضرون ابدا فيه ومعه.

رحل الكاهن المناضل رفيق المناضلين، خانته انفاس الارض، رحل بس ما فلّ. هو من هؤلاء الناس الذين يبقون في الارض عطرا ووردا وزهرة تنبت فوق عبق الشهداء، فوق تلك النبتات الخضراء الجاهزة لبراعمها كلما اطل ربيع، وحاضرة لمواسمها كلما عصف ايمان. اسمك حلو يا بونا سوفور، بالترجمة الى العربية، المخلّص، وانت اخذت الكثير الكثير من روح المخلص المسيح، ذاك الاله الشاب الثائر الشهيد الحي القائم من بين الاموات المنتصر على شر العالم كله. لن نقول وداعا، الى اللقاء حيث رحاب الشهداء احباء قلبك الكبير، تنبض ابدا بالحياة، وحيث المسيح ابدا حي فينا ينبض بكل ذاك الحب والرجاء.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل