
فند المكتب السياسي لـ”تيار المستقبل”، ما أسماه “الحملة المتجددة على الحريرية الوطنية”، في بيان أصدره مساء اليوم الإثنين، وجاء فيه، “تأتي الذكرى الخامسة عشرة لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري فيما لبنان يواجه أخطر تحد وجودي منذ تأسيسه، وقد شاءت الأقدار أن تتقاطع مع المئوية الأولى لإعلان قيام دولة لبنان الكبير كمشروع يعد بدولة وطنية مدنية عمادها القانون وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية وتشارك المواطنة، لا شراكة الفساد والمحاصصة الطائفية والنفعيات المذهبية”.
وتابع البيان، “تأتي هذه الذكرى والحملة على الحريرية الوطنية تتجدد على ألسنة هواة الحروب العبثية، المفطورين على وهم إلغاء الآخر، كمنهج بدأ في أواخر ثمانينات القرن الماضي وأدى إلى تداعيات كارثية على اللبنانيين عامة والمسيحيين خاصة، إذ سجل حينها أعلى نسبة هجرة لهم قدرت بنحو 35 ألف شخص خلال عامي 1989 و1990- حرب الإلغاء- كما أدت أيضا الى تدمير القاعدة الصناعية اللبنانية في منطقة الدورة والمكلس وتل الزعتر، وكانت التمهيد المباشر لدخول جيش النظام السوري الى تلك المنطقة واحتلالها بعد ان كانت عصية عليه طوال 15 عاما.
وعليه لا بد من عرض الحقائق الآتية:
أولا، نعيش اليوم في ظروف سياسية شبيهة بما كانت في تسعينات القرن الماضي من معارك عبثية إلغائية بخطاب عنصري وطائفي بغيض يتميز بشعبوية ساذجة تتوهم القدرة على اعادة عقارب الساعة الى الوراء بحثا عن زعامة واهية متأتية من عقدة نقص تجاه زعماء وقامات طبعوا تاريخ لبنان الحديث بما يليق به من رسالة مميزة في هذا الشرق، فكانوا رجالات دولة عز أمثالهم.
ثانيا، تأتي هذه الذكرى وهؤلاء العبثيون يجددون هجومهم على سياسات اقتصادية يحصرون بداياتها في العام 1992، علما انها طبعت هوية الاقتصاد اللبناني منذ عام 1943، لكن تركيزهم على العام 1992 ناتج عن الكيد السياسي للحريرية التي أعادت تظهير اسم لبنان الدولة بعد ان كان طوال 15 عاما ساحة ونموذجا للتقاتل والحرب الأهلية، وتحملت مسؤولياتها الوطنية بنبذ العنف حين أنقذت، من أتون الحرب الأهلية، نحو 35 ألف شاب لبناني من جميع الطوائف والمناطق، وسلحتهم بالعلم والمعرفة والتكنولوجيا الحديثة في أرقى جامعات العالم المتحضر.
ثالثا، ان الحريرية الوطنية التي أرسى لبنتها الرئيس الشهيد رفيق الحريري وتابع مسيرتها الرئيس سعد الحريري، هي التي أعادت إطلاق ثقافة السلام والحوار بين جميع مكونات المجتمع اللبناني، وهي التي جعلت من لبنان محور استقطاب للدول العربية، حكومات ومجتمعات، وأعادته إلى الخريطة الإقليمية والدولية، اما العبثيون العابثون بمصير الوطن والمواطن فلقد أنجزوا، اليوم، عزل لبنان عن محيطه العربي التاريخي ودمروا حضوره على المنابر الدولية.
رابعا، ان الحريرية وبيئتها الحاضنة هي التي تبنت القضية الفلسطينية ممارسة ووجدانا باعتبارها قضية العرب المركزية، وترى صراعها مع العدو الصهيوني صراعا وجوديا ايديولوجيا خلافا لما كان صرح به البعض في هذا الشأن لغايات تسويقية رئاسية يعد بها نفسه، وهذه الحريرية الوطنية هي التي نظمت القمة العربية في بيروت عام 2002 وفيها اطلقت مبادرة السلام العربية، وهي التي دعت رئيس دولة فلسطين الشهيد ياسر عرفات إلى حضور المؤتمر، كما ان هذه الحريرية الوطنية لم تسجل في تاريخها الوطني دفاعها، يوما، عن عملاء لبنانيين للعدو الصهيوني، او اتخذت موقفا تبريريا لعمالتهم له كما فعل البعض.
خامسا، سجلت الحريرية موقفا وطنيا قوميا مشرفا عندما أرسى الرئيس الشهيد رفيق الحريري ما عرف بتفاهم نيسان عام 1996،الذي شرع، دوليا، مقاومة اللبنانيين العدو الصهيوني من أجل تحرير الارض.
سادسا، يتهم العبثيون الحريرية السياسية بأنها مسؤولة عن تراكم الدين العام، في حين ينكرون وحلفاؤهم الذين تسلطوا على وزارة الطاقة منذ العام 1996 وحتى تاريخه، دورهم في ذلك الأمر الذي جعلهم ينتجون بدل الطاقة دينا قدره زهاء 43 مليار دولار أي ما يوازي 50% من الدين العام.
سابعا، ان المكائد السياسية التي تعرض لها الرئيس سعد الحريري منذ العام 2005 وحتى تاريخه، أدت الى حصر عدد سنوات مسؤولياته بست سنوات من أصل 15 سنة منها تسع سنوات تعطيل من العبثيين وحلفائهم، بدءا من حصار السراي وضرب الدورة الاقتصادية في العاصمة ثم تعطيل تشكيل حكومتي كل من الرئيسين نجيب ميقاتي وتمام سلام لسنتين من أجل توزير جبران باسيل، ولا ننسى أن أهمها تعطيل انتخابات رئاسة الجمهورية لأكثر من سنتين إصرارا منهم على إيصال العماد ميشال عون، ثم يتساءلون عن أسباب تردي الأوضاع الاقتصادية وانهيارها.
ثامنا، ان المنهج السياسي الوطني الاجتماعي للحريرية هو ما أعاد النهوض بالاقتصاد اللبناني بعد الحرب العبثية المدمرة، وأعاد إعمار وسط بيروت كملتقى لجميع مكونات الاجتماع اللبناني، وحافظ على السلم الأهلي وحل الخلافات عن طريق الحوار. إنه منهج إعادة بناء الدولة العادلة والحاضنة لجميع أبنائها، ومنهج التفهم الحقيقي والواقعي لهواجس جميع الطوائف اللبنانية الذي ترجم من خلال إنجاز اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب اللبنانية، منهج إعداد دخول لبنان واللبنانيين الى عصر اقتصاد واجتماع المعرفة، منهج تطوير برامج التعليم الرسمي في كافة مراحله وتحويله الى برامج رقمية باعتبارها إحدى عوامل تجديد الميزة التفاضلية لشابات وشباب لبنان للدخول الى الاقتصاد الرقمي وتأمين فرص العمل لهم داخل لبنان وخارجه مستقبلا، منهج حماية البيئة التي تؤسس لسياحة بيئية منتجة، منهج رعاية وترشيد القطاعات الإنتاجية المتخصصة التي تتميز بالتنافسية وبالقيمة المضافة، منهج مكافحة الفساد والفاسدين في القطاعين العام والخاص من خلال الإصرار على القوننة الواضحة لاستقلالية القضاء ومكافحة الانتقائية في هذا المجال، منهج إشراك الرأسمال الوطني في المشاريع الاستثمارية التي تتميز بعائدية بما يساهم في مكافحة احتكار تعهدات الأعمال نتيجة المحاصصة السياسية.
تاسعا، تأتي الذكرى الخامسة عشر هذه لاستشهاد مؤسس الحريرية الرئيس رفيق الحريري وتيار المستقبل يواجه جميع تلك التحديات على الصعد كافة، في ظروف صعبة، وهو الذي اتخذ خيار المعارضة البناءة بعيدا عن الكيدية السياسية، وهي مناسبة مهمة لمسيرة التيار من أجل القيام بعملية تقويم شاملة ولإجراء عملية نقد ذاتي بناء من أجل الانطلاق في إعادة بناء الثقة المترنحة مع حاضنته الاجتماعية العريضة على مساحة الوطن، والعمل الجاد على إعادة هيكلة بنيته التنظيمية وتجديدها جذريا وليس شكليا، باعتباره تيارا وطنيا جامعا وفق ما أراده الرئيس المؤسس، كما ان وضع أسس التفاعل والتكامل مع كتلته النيابية مسألة حيوية في تفعيل دورها التشريعي بما يلبي حاجات المواطنين ومصالحهم العامة، مع الأخذ بموجبات بلورة رؤية وبرنامج سياسي اجتماعي يحاكي التحولات الطارئة على الاجتماع السياسي اللبناني التي تبلورت مع انتفاضة الشعب اللبناني في 17 تشرين الاول من العام 2019، وضرورة القراءة الواقعية للتحولات الجيوسياسية الإقليمية والدولية، وذلك تفعيلا لدوره وحضوره في المعادلة الوطنية والعربية والدولية”.