عقيدة الحرب الأميركية: من ترومان الى ترامب – 1

كتب نجم الهاشم في “المسيرة” – العدد 1703

عقيدة الحرب الأميركية:

من ترومان الى ترامب

الإستراتيجية بين المهمة الربّانية والمصالح السياسيّة (1)

 

ما الذي يدفع هذا الجندي الأميركي المدجّج بالأسلحة ليترك أباه وأمه وزوجته وأولاده ووطنه ويرحل على متن بارجة حربية ليقاتل في أفغانستان أو العراق أو سوريا أو أي مكان آخر تطلب منه حكومته أن يقاتل فيه. هل هي مهمة وطنية أم تكليف شرعي إلهي من الجانب الآخر للدعوة الربانية أم مجرد سياسة عليا يدفع الجنود دائمًا ثمناً لها. لماذا تعتبر الإدارة الأميركية أنها مكلفة بمهمة على مستوى العالم كله؟ ولماذا هذا الصراع الدائم بين أن تعود أميركا الى داخل حدودها الجغرافية وبين أن تعتبر أن حدودها هي العالم كله، وهي أيضًا تتعدى هذا العالم الى الفضاء الخارجي؟

صبغت الولايات المتحدة الأميركية القرن الماضي بكل شيء، وما كاد ينتهي حتى كان القرن الجديد عهد الإمبراطورية الجديدة الذي يبشر بدوام سنوات طويلة قد تكون قروناً.

العالم الجديد في القارة البعيدة المجهولة يخرج من القمقم ليعود الى العالم الذي أتى منه أفراد أو جماعات بعد سنوات طويلة من العزلة والإنكفاء والحروب الداخلية بين الشمال والجنوب وضد البريطانيين والإسبان والعبودية.

هل حركت أحداث 11 أيلول 2001 كل هذه الأحلام الراكدة في المجتمع الأميركي وجعلت واشنطن تدمر كل القيود الدولية لتشن حروبها في كل العالم حتى لا تصل أي حرب إليها؟

وهل إعتبرت واشنطن أنها سلّفت العالم الكثير في الحربين العالميتين الأولى والثانية، وبالتالي على هذا العالم أن يقف معها بعدما أصبح الخطر داخل دارها؟ وهل هي الإرادة الأميركية نفسها التي تتحكم بتلك الاستراتيجية الكبرى؟ ولماذا لم تتبدّل على رغم تبدّل الإدارات التي حكمت العالم من البيت الأبيض، من الرئيس وليم ماكينلي مع نهاية القرن التاسع عشر الى الرئيس رونالد ريغان مع نهاية القرن العشرين الى الرئيس جورج بوش الإبن مع بداية القرن الواحد والعشرين والرئيس رونالد ترامب حاليًا؟

وهل ستحاسب الذين لم يقفوا معها بعدما صنعت بقاءهم وجددت حريتهم ودولهم من روسيا الى ألمانيا وفرنسا وبريطانيا واليابان وصولاً الى الشرق الأوسط؟

هل تُعيد واشنطن صياغة العالم على طريقتها كما صاغت عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الاولى ثم هيئة الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية؟

وبعدما صاغت أوروبا الشرقية والشرق الأدنى، هل تُعيد اليوم صياغة الشرق الأوسط؟ وما هو الدور الذي يمكن أن تعطيه للعراق بعد صدام بعدما نجحت في حسم المعركة ضده بسرعة ولم يكن إنتصارها مكلفاً جدًا، بعد الإنتصار الأكبر الذي سجلته في أفغانستان من خلال إزالة حكم «طالبان»؟ وإذا كانت واشنطن عانت من صعوبة إعادة تركيب هاتين الدولتين وعادت إليها مسألة البحث في الخروج من هذه الحروب الطويلة، فهل الصراع الذي تقوده اليوم في مواجهة إيران الإسلامية يدخل ضمن استراتيجيتها الأساسية في السعي الى التدخل في كل دول العالم وكأنها ساحات مفتوحة أمامها؟ أكثر من ذلك، هل يمكن الحديث عن أن ما تقوم به أميركا تعتبره مهمة ربانية؟

 

بدأت أولى محاولات التوسع الأميركي مع الرئيس وليام ماكينلي في نهاية القرن التاسع عشر، كما يذكر الكاتب الأميركي ستانلي كارنوفا في كتابه الموثّق عن «الإمبراطورية الأميركية» التي نشأت دولة متحركة لا تستطيع إلا أن تتقدم وتتوسع وتنتشر. ولكن بداية الإنتشار كانت أولاً في المناطق البعيدة عن الإمبراطوريات القديمة التي سعت الإمبراطورية الجديدة لقضمها ووراثتها جزيرة بعد جزيرة وقارة بعد قارة.

يروي ستانلي كارنوفا في كتابه أن الرئيس ماكينلي إستقبل في أيلول 1898 وفدًا من قساوسة جمعية الكنائس التبشيرية وفاجأهم عندما بدأ يخبرهم ما اعتبره وصيًا سماويًا إلهيًا في ما يتعلق بالسيطرة على جزر الفيليبين وفحواه: «إن هذه الجزر جاءتنا من السماء. فنحن لم نطلبها ولكنها وصلت الى أيدينا من خالقنا، ولا يصحّ أن نرُدَّها، وحتى إذا حاولنا ردَّها فلن نعرف لمن ولا كيف. إنه من زيادة الجبن وقلة الشرف والتخلي عن الواجب أن نعيدها الى إسبانيا، ومن سوء التصرف والتبديد أن نعهد بها الى قوى أوروبية متنافسة على المستعمرات كألمانيا وفرنسا، ومن غير الملائم أن نترك هذه الجزر لحماقة وجهل سكان محليين لا يصلحون لتولي المسؤولية. إن الخيارات المفتوحة أمامنا تركزت في حل واحد هو في الواقع لمصلحة الفيليبين قبل أي طرف آخر، وهذا الحل هو ضم الجزر الى أملاكنا، بحيث نستطيع تعليم سكانها ورفع مستواهم وترقية عقائدهم المسيحية ليكونوا حيث تريد لهم مشيئة الرب، إخوة لنا فدتهم تضحية المسيح كما فدتنا».

بعد مناقشات طويلة في الكونغرس تم تبني نظرية التوسع الإمبراطوري، وقد كتب يومها الشاعر البريطاني رديارد وكيبلنغ مشجعًا: «إفهموا أن أميركا لم يعد في مقدورها أن تهرب من رجولتها». وفي مداخلة لعضو مجلس ولاية فرجينيا السيناتور ألبرت بيفردج قال: «علينا أن نقول لأعداء التوسع الأميركي إن الحرية تليق فقط بالشعوب التي تستطيع حكم نفسها، أما التي لا تستطيع فإن واجبنا المقدس أمام الله يدعونا لقيادتها الى النموذج الأميركي في الحياة، لأنه نموذج الحق مع الشرف. نحن لا نستطيع أن نتهرّب من مسؤولية وضعتها علينا العناية الإلهية لإنقاذ الحرية والحضارة، ولذلك فإن العلم الأميركي يجب أن يكون رمزًا لكل الجنس البشري».

وبعد مئة عام، كان الله حاضرًا أيضًا في الخطاب الأميركي. وبدا كأن المهمة الإلهية التي اختارها الأميركيون لأنفسهم لم تتغيّر، وأن أميركا لم تهرب من رجولتها بعد ولم تفقدها، بل تزيدها كل يوم قوة تبحث معها عن مناطق جديدة تبسط سلطتها عليها، إن لم يكن على الأرض ففي السماء في اتجاه طريق الله، والخطاب الأميركي اليوم فيه نكهة إلهية كما كان في الماضي، وكأن المهمة لم تتغيّر بتبدّل الأجيال، أو كأن الخطابات الإلهية الآتية من مواقع أخرى كجمهورية إيران الإسلامية أو من الحركات الأصولية السنيّة من «طالبان» الى «القاعدة» و«داعش» وغيرهم لا تقاوم إلا بخطابات إلهية موازية لها. فبعدما إعتقد كثيرون من قادة التنظيمات الأصولية السنيّة والشيعية ومنظريها الدينيين والمدنيين أن الإمبراطورية الأميركية فقدت أي علاقة لها بالدين وأن مجتمعها فاسد ومفكك وأن أيامها صارت على آخرها وانهيارها قريب أخلاقيًا واقتصاديًا وعسكريًا، ظهر لهم العكس تماما. صحيح هناك إلحاد وتفلّت من القيود الأخلاقية تحت سقف الحرية المطلقة، لكن هناك إلتزام فكري وعقائدي، وهناك تراكم في العلاقات السياسية والإجتماعية، وكم من الإلتزامات الأخلاقية، بحيث لم تتبدّل كثيرًا صورة الجندي الأميركي الواقف على رصيف الميناء يقبّل أفراد عائلته مودعًا قبل ذهابه في «مهمة إلهية» جديدة تزرع العلم الأميركي في مكان جديد، ولكن هذه المرة بعكس الفيليبين يسقط شعار الضم الى الأملاك الأميركية ويبقى شعار التحرير وزرع القيم، ولكن ربما كان في «الزمنين» هناك تجاهل لإرادة أهل الأرض وعقائدهم وحريتهم ورغبتهم في العيش على طريقتهم، لأن الله لم يقل إن الحياة حلوة فقط على الطريقة الأميركية.

ولكن في الواقع، لم تذهب أميركا دائمًا الى حيث أرادت. فقد أتتها النداءات ولبّتها أكثر من مرة، وكان في إمكانها ألا تفعل. وبقوتها البكر غيّرت مجرى التاريخ وكتبته على طريقتها.

 

أميركا والحرب العالمية الأولى

لم تدخل الولايات المتحدة الأميركية الحرب العالمية الأولى التي اندلعت في 28 تموز من العام 1914، وظلت خارج الصراعات الدولية حتى نيسان 1917. ما كادت روسيا تخرج من هذه الحرب بعد نجاح الثورة البولشفية في قلب الحكم الإمبراطوري البطرسي، حتى دخلتها الولايات المتحدة بقوة بعدما فشلت في دعم الروس ومنع وصول الشيوعيين الى السلطة. على رغم فوز تيار الإمبراطورية ظلت هناك نزعة الى العزلة والإبتعاد عن المشاكل الكبرى، ربما كانت هناك إرادة أميركية بترك العالم القديم ينهار ويفقد رجولته من بريطانيا الى فرنسا وألمانيا وروسيا حتى تتدخل هي وتبسط سيادتها وترفع علمها.

أسباب عدة، غير هذا السبب الإحتمال، جعلت واشنطن تدخل الحرب العالمية الأولى: العطف على الفرنسيين الذين ساعدوها في حرب الإستقلال وكانوا يعانون الأمّرين في القتال ضد الألمان على جبهات الألزاس واللورين والمارن وغيرها، وروابط اللغة والثقافة مع بريطانيا، وحرب الغواصات الألمانية في شكل مباشر.

في 8 أيار 1915 أغرقت الغواصات الألمانية الباخرة الأميركية لوزيتانيا وسقط على متنها نحو ألف قتيل، ولكن واشنطن نامت على جرحها بعدما وعدت ألمانيا بعدم التعرّض لبواخرها وقطعها الحربية. مطلع العام 1917، أعلنت ألمانيا أنها ستعود الى حرب الغواصات الشاملة وأدخلت طرف الملاحة الأميركية ضمن أهدافها، بعدما شعرت أن موقفها في الحرب بات حرجًا، وأن هناك إمدادات تصل الى أعدائها بحرًا.

أمام هذا الواقع، أعلنت واشنطن الحرب في نيسان من العام نفسه، بعدما كانت ألمانيا إرتاحت أيضًا على جبهتها الشرقية وبدأت نقل قواتها الى الغرب لتشن هجومًا جديدًا على جبهة المارن في معركة ثانية ضغطت من خلالها على فرنسا.

بلغ عدد الجنود الأميركيين الذين نُقلوا الى أوروبا نحو مليون ونصف مليون جندي، وقد أعلن الرئيس ودرو ولسن أن أميركا لا تطمع في مستعمرات أو تعويضات، ولا تضمر شرًا للبلدان التي تحاربها، بل تسعى الى القضاء على أنظمة الحكم الإستبدادية والى تعزيز الديمقراطية في العالم. ويبدو أن هذا الشعار لم يتغيّر اليوم.

في 8 كانون الثاني 1918، ألقى الرئيس ولسن خطابًا أمام الكونغرس دعا فيه ألمانيا والدول المتحالفة معها الى عقد صلح شريف مع الحلفاء (التحالف الدولي اليوم) على أساس 14 بندًا عُرفت في ما بعد بمبادئ ولسن، ومن أهم بنودها البند 14 وينص على «تأسيس عصبة أمم تعمل بموجب مواثيق تعطي الدول الكبرى والصغرى على السواء ضمانات متبادلة تتعلق باستقلالها السياسي وكيانها الإقليمي.

ونصت البنود الأخرى على إعادة رسم خارطة أوروبا لأنها طالبت بترك الحرية لروسيا في اختيار نظامها السياسي وسحب القوات الألمانية من فرنسا وبلجيكا وإيطاليا ورومانيا والمجر والصرب والجبل الأسود، وإعطاء السيادة التامة للمناطق التركية في الإمبراطورية العثمانية وتأكيد حق الشعوب الأخرى الخاضعة لها في التدرّج نحو الإستقلال، ومن ضمنها الشعوب العربية التي وضع بعضها تحت الإنتداب وتقلّص حلم المملكة العربية فيها الى حدود مملكة العراق مع الملك فيصل بن الحسين، فيما أقيمت في الأردن مملكة لأخيه عبدالله وفقد والده حكمه في بلاد الحجاز حيث قامت لاحقاً المملكة العربية السعودية.

وضعت قوات الحلفاء في أوروبا تحت قيادة المارشال فوش الفرنسي. واعتبارًا من تموز 1918، بدأ الألمان يتراجعون وسقطت السلطنة العثمانية ودخلت قوات الحلفاء لبنان وسوريا وفلسطين، واستسلمت النمسا ودعت ألمانيا الرئيس ولسن الى التفاوض على أساس مبادئه الأربعة عشر والتوصل الى صلح شريف. ولكن ما كُتب كان قد كُتب. وأتت هذه الدعوة متأخرة وحصل عصيان مدني في ألمانيا وتمرّد بحارة الأسطول، وانتقلت الثورة الداخلية الى برلين في 9 تشرين الثاني، فتنازل وليم الثاني عن العرش ولجأ الى هولندا، وسقط النظام الإمبراطوري وأعلنت الجمهورية وتولى الإشتراكيون الحكم وطلبوا وقف القتال، وقبلت ألمانيا شروط الإستسلام في 11 تشرين الثاني 1918، وانتهت الحرب وتغيّر وجه أوروبا والعالم، وبقي فيه ثلاثة أقوياء أميركا وفرنسا وبريطانيا، فيما الشيوعيون يحاولون بناء سلطتهم في روسيا.

في أواسط كانون الأول 1918 وجه الرئيس ولسن خطابه السنوي عن حال الأمة الى الكونغرس وغادر بعد ذلك الى باريس لحضور مؤتمر الصلح بعد شهر، ولكن المؤتمر إستمر نحو عام كامل.

وكان ولسن الأكثر مثالية وواقعية بين زملائه، وسعى لتعزيز المبادئ الديمقراطية عن طريق إحترام الشعوب التي حررتها جيوش الحلفاء في تقرير مصيرها، ولكن الإتفاقات بين فرنسا وبريطانيا كانت سابقة للمؤتمر، ولذلك دخل ولسن المؤتمر قويًا وخرج ضعيفاً. قبل المؤتمر كانت الحاجة إليه أكثر ولم يستطع فرض آرائه بعدما تحقق النصر، إضافة الى أن انتخابات 1918 أوصلت الى مجلس النواب والشيوخ أكثرية جمهورية معارضة. ولكن على رغم ذلك، فقد نجح في جعل ميثاق عصبة الأمم جزءًا أساسيًا من معاهدة فرساي والمعاهدات الأخرى التي تمخض عنها مؤتمر الصلح. ولذلك يمكن إعتبار أن هذه العصبة كانت صناعة أميركية، أو أن واشنطن كان لها الفضل الأول في صياغة العالم على هذا الشكل.

ولكن الحلم لم يكن على مستوى الواقع، وكان من المستغرب أن تبقي الولايات المتحدة نفسها خارج هذه العصبة. فبعد عودة ولسن الى بلاده بعد توقيع معاهدات الصلح (مع ألمانيا وبلغاريا والمجر وتركيا والنمسا) خذله الكونغرس ولم يوافق على توقيع معاهدات الصلح ودخول عصبة الأمم. ولذلك عادت الولايات المتحدة الى سياسة العزلة التقليدية المتركزة على «مبدأ منرو» الذي كان جعل أساسًا لسياسة أميركا الخارجية منذ العام 1823، حين وضعه الرئيس الخامس للولايات المتحدة الأميركية جايمس منرو وأقرّه الكونغرس، وينص على: منع إستعمار جديد في القارة الأميركية، منع الدول الأوروبية من التدخل في شؤون الدول الأميركية وتهديد كيانها واستقلالها، عدم تدخل الولايات المتحدة في الشؤون الأوروبية والوقوف من مشاكلها موقف الحياد التام.

كان الهدف من تأسيس عصبة الأمم تعزيز التعاون العالمي وضمان تنفيذ الإلتزامات الدولية، ومنع الحروب وحماية الأقليات، وحل المشاكل بين الدول بالطريق السلمية مع حق إستعمال القوة ضد المخالفين لإرغامهم على الرضوخ للإرادة الدولية، وجعل مقر العصبة في جنيف.

(يتبع)

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل